بابل في مدونات الرحالة

 

بابل المدينة العريقة التي مازالت شاغلة الدنيا بما انجزته وقدمته للبشرية في جميع ادوارها التاريخية , هذه الرمزية المتألقة التي حظيت باهتمام الاثاريين والرحالة والفنانين لمّا تزل جاذبة لملايين الزائرين من مختلف بقاع الارض , ما زار العراق رحالة إلا وكانت بابل في أولويات برامجه ومشاهدته بحثاً عن إشعاعاتها الحضارية ورموزها الكبيرة , فعلى ارضية شارع موكبها استعرض قادتها جيوشهم المنتصرة على اعدائها , وعلى باب عشتار تدافع البابليون لاكتشاف جواهر كنوزها , وفي معبدها الكبير أقام آلهتها طقوسهم ومارسوا ابتهالاتهم ومهرجاناتهم , وما كنا لنطلع على ماضيها المشرق لولا كتابات الرحالة وانطباعاتهم التي ملأت بطون الكتب واصبحت مراجع لكل الباحثين في شؤونها , واذا كان لهذا الكتاب الذي نقدمه هنا (( بابل في مدونات الرحالة )) الذي ألفه صلاح السعيد من فضيلة واحدة وهي جمعه لتفاصيل اربعين رحلة قام بها رحالة اجانب وعرب وعرض فرائدها في مؤلف واحد استوفى شرطّي الفائدة والمتعة , وجعلنا نعيش زمنا جميلا يشير الى بابل وجنائنها واسدها الجاثم على صدر عدوها المهزوم , دلالة قوتها ومنعتها وبسالة ناسها , ولكي نسهم في اعطاء صورة بهية عن هذه المدينة الراسخة لناشدي المعرفة والحقيقة , رأينا من واجبنا الاخلاقي والوفاء للمدينة التي انجبتنا وكتبت صفات ناصعة من تاريخنا الغابر , ان نقدم للقارئ هذه القراءة , على ان هذا ليس بديلاً عن قراءة الكتاب والتعرف على جهد مؤلفه السعيد , وما هذه القراءة الا تحية لبابل الماضي والحاضر ولشخص المؤلف الصديق , وذلك اضعف الايمان كما نعتقد فهل نحن قادرون على النهوض بازجاء التحية لمستحقيها , هذا ما يخضع لتقدير القارئ المهتم بتراثه وتأريخ مدينته بابل العظيمة …

يقع الكتاب (( بابل في مدونات الرحالة ))في 262 صفحة من الحجم المتوسط , يستهله صلاح السعيد بالاهداء والمحتويات والمقدمة , ثم يورد في المحتويات الرحلات حسب تسلسلها الزمني بدءاً من هيرودتس 460 ق.م الى ريتش كالدر 1940 م , وبذلك يكون عدد الرحالة الذين زاروا بابل واشاروا اليها في مشاهداتهم واسفارهم ومدوناتهم اكثر من ستين علماً .. واختتم صفحات كتابه ب(32) صورة توفرت تحت يديه لأبرز الرحالة الاجانب والعرب الذين وطأت اقدامهم ارض بابل .. وبهذا فأن الكتاب جاء مستوفياً لجماليات الاخراج والتصميم الداخلي والطباعة الانيقة ..

يقول صلاح السعيد في مقدمته الوافية :
ان الرحلات التي ساعدت في اكتشاف الانسان كوكبه الارضي , كما ادت بهذا الانسان ان يدرك مدى انتشاره في بقاعها , وان البشر قد سلكوا مناحي مختلفة وتعددت ألسنتهم الى جانب تنوع طرائق حياتهم , لقد كان بين الرحالة رجال علم ودين وكان بينهم ايضاً طوافون من هواة السفر والترحال واخرون استهوتهم المغامرة ودفعتهم الى كشف النقاب عن المجهول من الارض والناس …… ادب الرحلات والاسفار من امتع فصول الادب واكثر مؤلفاته رواجاً

واحسنها قبولاً لدى القراء , لقد يحجم المرء عن مطالعة كتاب علمي او قراءة مؤلف تاريخي , ولكن هذا الاحجام ينقلب لديه الى قبول اذا كان مايقرأه مشاهدات دونت في رحلة او انباء سجلت في سفر …

وفي مكان اخر من المقدمة يقرر المؤلف :
ومنذ اقدم العصور , اجتذبت بلدان الشرق الادنى القديم وفي مقدمتهم بلاد الرافدين / العراق اهتمامات العشرات من الرواد والسياح والاثاريين , لما كان لهذه البلدان , وخاصة العراق من اهمية تاريخية واقتصادية واجتماعية ….. وخلال القرون الثلاثة الاخيرة من عصرنا الحاضر ازدهرت حركة قدوم عشرات الوفود والبعثات من مختلف الجنسيات واللغات الى بلاد الرافدين للوقوف على ماضيه ودراسة احواله .

وسنحاول في هذه الفسحة ان نستعرض انطباعات ومشاهدات بعض الرحالة الذين زاروا بابل ومناطقها المحيطة مثل برس نمرود والكفل كنماذج مما تضمنه الكتاب ((بابل في مدونات الرحالة)) ولنطلع عن قرب على منهجية المؤلف في تأليفه له , وستكون اختياراتنا متنوعة بما يعطي صورة واضحة عن بابل في مختلف عصورها وحقبها المندرسة , وسيكون نموذجنا الاول ابن جبير الاندلسي ( 540 – 614 هـ ) ورحلته التي ذاع صيتها , وابن جبير هو ابو الحسن محمد بن احمد بن جبير الكناني الاندلسي , ولد في بلنسيه وبرع في الادب ونظم الشعر واولع بالترحل والتنقل فزار المشرق ثلاث مرات .. وفي كتابه (( رسالة اعتبار الناسك في ذكر الاثار الكريمة والمناسك )) يذكر الرحالة العربي ابن جبير الحلة ووصفها بعد تمصيرها بخمسة وثمانين سنة , – اسس الحلة صدقة المزيدي سنة 495 هـ – يقول ابن جبير عن الحلة :

هي مدينة كبيرة , وعتيقة الوضع , مستطيلة , لم يبق من سورها إلا خلق من جدار ترابي مستدير , وهي على شط الفرات , يتصل بها جسر من جانبها الشرقي ويمتد بطولها , ولهذه المدينة اسواق حافلة , جامعة للمرافق المدنية والصناعات الضرورية , وهي كثير العمارة , كثيرة الخلق , متصلة حدائق النخيل داخلاً وخارجاً , فديارها بين النخيل , وألفينا فيها جسراً عظيماً معقوداً على مراكب كبار متصلة على الشط تحف بها من جانبها سلاسل من حديد كالاذرع المفتولة عظماً وضخامة تربط الى خشب مثبتة في كلا الشطين …

ويشير الرحالة الايطالي 1563 م في رحلته الى مدينة بابل الى برجها المعروف فيقول :

يقع برج نمرود في الجانب الاخر من النهر , في سهل واسع , ويبعد عن المدينة نحو سبعة اميال او ثمانية , وقد تهدمت اطرافه كلها , فاصبح اشبه مايكون بجبل ,لا صورة له , ولو ان قطعة كبيرة منه لا تزال قائمة تحيطها تلك الخرائب , او بالاحرى تغطيها , شيد هذا البرج بطابوق مجفف بحرارة الشمس , واما طريقة البناء فقد وضعوا طبقة من الطابوق ثم طبقة من القصب الذي لايزال قوياً بشكل عجيب لحد الان , مع طبقة من الطين عوض الملاط ..

وارى ان خير مانختتم به هذه القراءة الاشارة الى رحلة الليدي دراور التي قامت بها الى بابل سنة 1923 م , والليدي عالمة انتروبولوجية ومستشرقة روائية بريطانية (1879-1972)م , درست الشرق الاوسط واختصت بالطائفة المندائية وألفت العديد من الكتب فيها : كتاب التراتيل المندائية , آدم السري , الملاك طاووس , حكايات شعبية عراقية , و ….. على ضفاف دجلة والفرات …. ولنقرأ ما تقول الليدي عن بورسيبا :

سبق وان ذكرت بورسيبا , ضاحية بابل , وحيث يقول الصرح المدرج الشهير بـ(نبو) , ونبوخذ نصر هو اعاد بناءه ايضاً , وفي مقدور المرء ان يصل الى التل بنصف ساعة بالسيارة من الحلة , والاعراب يسمون هذا التل ( برس نمرود ) , والاساطير المحلية تجعل منه (برج بابل) الذي حلت عليه لعنة الله , وفي الحق انه ليس برج بابل المذكور في الكتاب المقدس , لقد قدسوه لانه مزار(الأله نبو) ابن الأله بعل رب الكتابة ..

واخيرا نقول :
ان ( بابل في مدونات الرحالة ) لمؤلفه المترجم والباحث صلاح السعيد , منحنا المتعة وافادنا في الاطلاع على ماضينا في بابل العظيمة وحاضرتها الحلة المزيدية … وادعو كل المهتمين بتراثنا الاطلاع على ما ورد فيه من حقائق ومعلومات يجهلها معظمنا ….

لا تعليقات

اترك رد