الألم بينَ النيرفانا واليوغا


 

“النيرفانا” هي كلمة هنديّة سنسكريتية معناها “النّشوة” أو “الغِبطة المُستديمة” وهيالّتي يَصبوْ إليها الإنسانُ في كلّ مراحلِ حياتهِ مُنذُ ولادتهِ حتى مَماتهِ. وهي شعورُالمحبّةِ الدّائم, النقاء, الصَفو ورمزُ الكمالِ الأعلى والأملُ بالوصول إلى الجنّةوالفِردوس.
والنيرفانا طريقةٌ في علاج الألم وحَسبَ مَفهومها بالبوذية هي الّتي تُحرّرُ رُوحَ الشّخصمنَ اليَقظةَ الّتي تُخْمِدُ مُسبّباتِ الالم منْ شهوةٍ أو جَهلٍ أو حِقدٍ، ممّا يَعني اندماجهفي الكُلّ السّامي.

أمّا الألم فهوَ شعورٌ خانقٌ يَعتصِرُنا ويُفقدنا القُدرةَ على التّركيز ويَهزمُ قدراتنا وهوَنوعان ألمٌ حسيٌّ وألمٌ عُضويّ. وقدْ اعتقدَ أفلاطون أنّ الألمَ مَركزهُ القلبُ, أمّا ديكارت فقدْأعلنَ أنّ الألمَ عمليةُ تنقلُ من الخلايا إلى الدّماغ. أمّا الطبيب جون بونيكا فهوَ أوّل منْبحثَ في علم الآلام.

منْ هُنا نطرحُ السّؤالَ التالي: هلْ يُمكننا اعتمادُ النيرفانا كطريقةٍ للتحرّر منَ الألم؟
وهلْ يُمكنُ السّيطرةُ على الألمِ بطرقٍ رُوحانيةٍ ومِنَ النيرفانا؟
وكيفيةُ الوصولِ إلى النيرفانا ؟

حالةُ “النيرفانا” الكاملةِ الّتي يَصلُ إليها الإنسانُ بعدَ فترةِ التّأمّلِ والتّعمق, تُعطيالشّعورَ بعدمِ التّأثّر بالمؤثراتِ الخارجيةِ خاصةً السّلبيةَ منها, وأنّ الإنفصالَ الذّهنيّوالجسديّ الكليّ عنِ العالمِ الخارجيّ؛ ما هوَ إلا بهدفِ شَحنِ الطاقاتِ الرّوحيةِ الإيجابيةِمنْ أجلِ تحقيقِ النّشوةِ والسّعادةِ القُصْوَى والغِبطةِ المُستديمةِ والتّخلصِ منَالشّهواتِ وذلكَ منْ أجلِ الإبتعادِ عن الشّعورِ السّلبيّ والحُزنِ والقلقِ والتّرفّعِ إلىالشّعور الإيجابيّ والكمالِ والقيامُ بالأفعالِ الجليلةِ والصّادقةِ. وَلكَيْ نَصلَ إلى النيرفانا علينا اتّباعَ طُرقِ التّأمُّلِ الرُوحانيّ ومُمارسةِ الرياضاتِ الرّوحيةِ كاليوغا..

واليوغا هيَ اتحادُ العقلِ والرّوح والجّسدِ.
وهذهِ الرّياضةُ الرّوحيةُ ترْفَعُ الإنسانَ عن التّفكير بالمَلموسِ وتُحلّق بهِ بطاقتهِ الإيجابية مِمّا يَعْكسُ الإحساسَ بالألمِ وهيَ تُعتبرُ مِنْ أفضلِ الرياضاتِ الرُّوحيّةِ؛ ليسَ فقطْللتّخفيف مِنَ الألم الجّسَديّ, بلْ للشّفاءِ منَ الإحباطِ والإكتئابِ.. ومنها اليّوغا سوترا وتعني الحِكَم المأثورة “أنّ فُقدانَ الإنسانِ للسّعادةِ يَنجُمُ عنْ قُبولهِالعُبوديةَ والحَالةَ الوَضعيّةَ الّتي يَخْضَعُ لها عَقلُهُ” .

وهيَ تعتمدُ السّيطرةَ على العقلِ ضَرورةً لسلامةِ الجَسدِ والعقلِ على حَدّ سَواء، ولبلوغِما يَقعُ وَراءَهُما .

اليُوغا لَيستْ لِمَنْ يُفرطُ في الأكل، ولا لِمَنْ يَتعمدُ في الإفراطِ في الإمتناعِ عن الأكل،ليستْ للمُولعِ بالنّوم، ولا المُفرطِ في الصّحو، اليّوغا ماحقةُ الألمِ لدى مَنْ يُطبّقها فيطعامهِ وتَسليتهِ؛ يُطبّقُها في كُلّ جُهدٍ يَقومُ بهِ في مَنامهِ وصَحوهِ.

ومِنَ النّقاءِ الخارجيّ تنشأ صيانةُ الجَسدِ واللاتعلّق بالآخرين، عندما يَتحقّقُ نَقاءُالعقلِ، تأتيْ على التواليْ سُموّ الأفكار, اليقظةُ وثباتُ التفكيرِ، السيطرةُ على الحوّاس،والإستعداد لرؤيا الذّاتِ العُليا. واليوغا تقومُ على التّنفسِ السّليمِ أثناءَ التّأملِ مِمّا يمنعُالعقلَ مِنْ إيذاءِ الجّسد
وتُسمّى هذهِ العمليةُ عمليةُ التّنفسِ, وهذخ المُعادلةِ تعرف بالتّنفسِ الشّافي، ويجبَ أنْيبتدئَ الشّهيقُ مُباشرةً بعد الزفير في نفس الوقت. ويجبُ على الجّسدِ أنْ يُصبحَالوَسيلةَ إلى غايةِ الحُريّة والإستقلالِ العقليّ .

مِنْ هنا نجدُ أنّ العلاقةَ قائمة حسبَ المَفهومِ البُوذيّ بينَ اليُوغا هذه الرياضةُ الرّوحية التي هيَ طريقُ النيرفانا والسيطرة على الألم.
وقدْ توصّلَ الطبّ إلى طريقةٍ في تَخفيفِ الألمِ أثناءَ الولادةِ وآلامِ المَخاضِ تقومُ على التّنفس والتّركيزِ عليهِ لعكسَ الألمِ والسّيطرةِ عليهِ, وهيَ عمليةُ ترتكزُ على تنظيمِالشّهيق والزّفير,كنوعٍ منَ الإسترخاءِ للحصولِ على كميةٍ مُناسبةٍ منَ الأوكسجين.

وتنجحُ هذهِ الأمورُ حَسْبَ إيمانِ الفَردِ بهذا المَفهوم واختبارهِ ولكنْ مِمّا لا شكّ فيهِ أنّ النيرفانا واليوغا تعملان على تخليص الانسانِ منَ الضغط والقلق “stress”.

المقال السابقحوار مع الدكتور حميد اتباتو
المقال التالىفي عمل اللغة المرئية
رندة صادق.. اعلامية لبنانية مديرة تحرير عيون وفاء اللبنانية..كاتبة صحفية بعدة صحف عربية..كاتبة عمود أسبوعي في جريدة عٌمان اليوم .. عضو الإتحاد الدولي للإعلاميين ناشطة اجتماعية وعضوة بعدة جمعية لبنانية وعربية ودولية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد