الارتقاء المطلق في حضرة العشق


 

الارتقاء المطلق في حضرة العشق
قراءة في نصّ للشّاعر التّونسي محمد بن جماعة

– أوّلا النّصّ:

“عندما أخرُّ عاشقًا
أقتفي أثرَ الكون المطلق
من العمر السّريع..
لا أتعجّل النّهايات
حتمًا سيُغلق البابُ.. لا
يبقى إلاّ السقف بلا جدران
لا أرى فيه
سوى زوايا الحبّ القائمة
في رقصة غافية
بفستان غضّ”..!
– ثانياً القراءة:
“في حضرةِ من أهوى
عَبَثت بي الأشواق
حدّقتُ بلا وجهٍ
ورقصتُ بلا ساق” (محمد الفيتوري)

يقتفي الشّاعر محمد بن جماعة في هذا النّصّ الشّعريّ آثار الصّوفيّين الكبار الّذين بلغوا ما بلغوه من مقام عشقي يرتقي بكيانهم إلى ذرى الأعالي الإلهيّة. يتيهون عشقاً في حضرة الحبّ الحقيقة، ينطقونه، ويدخلون دائرته بروحانيّة عالية يطوّعون من خلالها إنسانهم جسداً وروحاً.

يمكن إدراج هذا النّصّ ضمن الأدب الرّؤيويّ (Apocalypse )، فالشّاعر يفتتح النّصّ بما يشبه الانكباب على الأرض والسّجود. لكنّنا هنا أمام حالة أقوى من السّجود، إذا يقول الشّاعر (عندما أخرُّ عاشقًا). قد تعبّر هذه الحالة عن صوفيّة الحالة الّتي وصل إليها الشّاعر، كأنّي بنسمات إلهيّة تجتاح قلبه فيسقط أمام الحقيقة، حقيقة الرّؤيا. وبالتّالي فنحن أمام اختبار عميق للشّاعر أدخله في عمق التّجربة الصّوفيّة. فانبعثت الرّؤيا من داخله واتّخذ عشقه بعداً كونيّاً اتّسم بأبعاد ثلاثة:

– البعد الأوّل: أرضيّ/ سماويّ

يخرّ الشّاعر عاشقاً ليقتفي أثر الكون المطلق. ولا ريب أنّه عنى بالكون المطلق، ما كان قبل الكون وما سيكون بعده. بل عنى أيضاً تحوّله من مادّة إلى حالة. فلسنا أمام نظريّة كونيّة يتأمّلها الشّاعر أو يحاول ولوجها. وإنّما الشّاعر في عمق هذا التّحوّل.

عندما أخرُّ عاشقًا
أقتفي أثرَ الكون المطلق
من العمر السّريع..

العشق سبيل إلى الحقيقة، إلى جوهر الفكر والوجود. وفي حركة خاصّة يمضي الشّاعر إلى كونه، ليأخذ مكانته منه وفيه. ولقد استدلّ الشّاعر على هذا الجوهر الّذي قادته إليه الحالة العشقيّة. وكشف عن سكرة العشق المترقّبة البدايات مع أنّه يتحدّث عن نهايات.

لا أتعجّل النّهايات
حتمًا سيُغلق البابُ…

لكنّها نهايات مفتوحة على الولادة الجديدة. أو لعلّها اللّقاء الحتميّ بالعشق الشّخص. فقلب الشّاعر سيغلق حتماً بمعنى التّسليم للعشق لينفتح على الأسرار الكونيّة.

– البعد الثّاني: سماويّ/ سماويّ

إذا كانت النّهايات مفتوحة على البدايات فلأنّ الشّاعر امتزج بالعشق الّذي أنار عينه الثّالثة ليرى ما لا يُرى. فتنكشف له معالم الكون المطلق (لا يبقى إلاّ السّقف بلا جدران). يشير لفظ (السّقف) إلى الذّروة العشقيّة الّتي بلغها الشّاعر المتفلّت من القيود، والمتحرّر من سجن العالم. فها هو يتطلّع إلى فوق بالمعنى الكيانيّ لا الحسّيّ وحسب. وما لفظ (السّقف) إلّا دلالة على خروج الشّاعر من ذاته وتخطّيها نحو عالم أرحب. عالم مقدّس خرّ الشّاعر ساجداً بل عاشقاً أمامه.

لقد امتزج الشّاعر بالعشق حدّ التّفلّت من نفسه. فأصبح هو، أي العشق، من يحيا به لا الشّاعر حيّ بذاته. ولعلّها اللّحظة الذّروة الّتي يصل إليها المتصوّف. لحظة التّماهي مع العشق حتّى يصير الاثنان واحداً.

لا أرى فيه سوى زوايا الحبّ القائمة

تعبّر الزّوايا عن استحكام الحبّ بالشّاعر. وهي بمثابة بناء مجازيّ اللّغة، حقيقيّ المعالم، يسكنه الشّاعر ويلتحم به. وإن دلّ الفعل (رأى) على أمر، فهو يدلّ على مكاشفة ومعاينة الحبّ ممجدّاً. فلا يبلّغ معناه الحسّيّ بل الرّؤيويّ، حيث تتلاحم الرّؤيا والشّاعر. فيدور في فلكها، كصوفيّ في غمر التّجلّي. (في رقصة غافية/ بفستان غضّ”..!) وإذا كان الصّوفي في رقصته يصبو إلى بلوغ الحالة العشقيّة. فشاعرنا صوفيّ يدور في عمق الحالة العشقيّة ليبلغ ما بعد العشق.

– البعد الثّالث: الشّعر/ الكون المطلق

ابتنى الشّاعر نصّه في لحظة مكاشفة، فحمل النّصّ تعريفاً لعالم الشّعر الّذي ينتمي إليه الشّاعر. وبين السّجود عشقاً وحركة الرّقص الغافية تجلّت ملامح عالم الشّعر. فالشّاعر لم يرتقِ تدريجيّاً سلّم العشق في النّصّ. وإنّما حلّ النّصّ فيه فجسّده كلاماً. نطقَ الشّعر فتلا الشّاعر مقطوعته العشقيّة في رقصة غافية.

لا تعليقات

اترك رد