كيف مكنا شيوخ السلفية حتى انفجرت الداعشية؟


 

هل “العلمانية الإسلامية” حقيقة مؤكدة من عهد عمر بن الخطاب؟ كيف ينتج تزاوج السلطة السياسية والسلطة الدينية كوارث إنسانية بكل المقاييس؟

ما يمكن تسميته بالتضليل هو أن يستمر أحدهم في تكرار حزمة من المبادئ أو المفاهيم وتداول المصطلحات الثابتة واللف والدوران حول قطعة من التراث الإسلامي بعينها تخدم تمكين “الشيوخ/ رجال الدين / الدعاه” على حسب ما تريد الإشارة لهؤلاء الذين يمثلون قوى سلطاوية مستبدة في حياتنا بشكل مباشر، وغير مباشر حين ترتبط أوصال أفكارهم بالقيادة السياسية وتبدأ الصفقات على حساب الدين ذاته، وبالتبعية تسقط حقوق الشعوب في تأمل دينهم والوطن بحرمانه من تفعيل مبدأ المواطنة، من تلك المعادلات التي تشتبك فيها مصالح الشيوخ مع الحكام، والنتيجة الحتمية هي مزيد من الظلام على المساحات الجوهرية في الدين وكبح أي محاولة عقلية لإكتشافها، حتى تحافظ السلطة السياسية على وجودها بحماية دينية والعكس صحيح تحافظ السلطة الدينية على وجودها بحماية سياسية.

وتأسيسا على هذه الثنائية انبثقت الجماعات الإرهابية داخل حيز جغرافي محدود لتواجه السلطة”السياسية/ الدينية” من على بعد يسمح لها بقوة الإرهاب أن يكون لها وجود وسلطة من خلالهما تستطيع إدارة مصالحها داخل دولة ما يمزقها القتال على السلطة، ومع تطور الفكرة ظهرت ما يسمى “بالدولة الإسلامية.. داعش” لترتفع عن جذورها المتطرفة الممتدة في العقول المتطرفة للمتأسلميين وعن السطح الجغرافي المحدود،لتستطيع أن يكون هدفها أشمل في تكوين إمبراطورية إسلامية المزعومة تحكم العالم، وتواجه الآن “داعش” بأشكال مختلفة السلطة “السياسية/ الدينية” داخل الدول بقوة جيوشها وبترويج إسلامها المتطرف، وبطبيعة الحال تسقط الشعوب والأوطان تحت وطأة تلك الحروب كما كان يحدث ولكن بآليات أكثر فتكا بكل ما هو إنساني.

ورغم أن الصراع الدائر هو صراع قوى دينية وسياسية تتقاتل لتحمي وجودها ومصالحها ولا دخل للشعوب والأوطان بها من بعيد أو من قريب، لكنني أرى بوضوح أننا هنا في مصر وباقي شعوب الدول العربية شركاء في هذه الإبادة البشرية التي تقوم بها “داعش” الآن في سيناء في العراق في سوريا في اليمن وكل انحاء العالم الذي طالته يد الإرهاب الخسيسة، حين استسلم الكثير منا لخطاب ديني متجمد وتعامل مع الأفكار المتحجرة للسلفيون وغيرهم من أصحاب الخطاب الديني الماضوي على أنها الدين ذاته دون أن يراجع ويفحص ويتأمل النص القرآني والسنة والتراث الإسلامي الذي يكشف بوضوح مواقف للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وللصحابة من بعده في إدارة شؤن دنياهم دون إقحام الدين في التفاصيل السياسية رافعين شعار “فصل الدين عن السياسة” بشكل ضمني ولسان حالهم يقول “الدين لله والوطن للجميع” والأمثلة التي تختبئ في التراث الإسلامي كثيرة منها على سبيل المثال قرار الفاروق عمر رضى الله عنه والتي ترد بأبلغ رد على هؤلاء الذين يدعون التمسك بالنصوص بما يتفق مع أفكارهم المتطرفة.

حيث أصدر الفاروق الكثير من القرارات التي راعى فيها المصلحة العامة للمسلمين،والتي إذا عاصرها المتأسلميين لربما كفروه أو قتلوه، فقد أصدر رضى الله عنه بصفته حاكم المسلمين بإلغاء سهم المؤلفة قلوبهم والواردة في الأية الكريمة “إِنَّمَا الصَّدَقَاتُلِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِوَابْنِ السَّبِيلِۖ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ” سورة التوبة رقم 60، قائلا لمن جاء يطالب بها ممن كان يعطيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق”لا حاجة لنا بكم فقد أعز الله الإسلام وأغنى عنكم”، كما أصدر قرارا بمنع توزيع أرض العراق على الجيش الذي فتحها رغم وجود آية محددة لتقسيم الغنائم على هذا النحو أن خمسها لله وللرسول والأربعة أخماس للمقاتلين خصوصا أن النبي وأبو بكر الصديق رضي الله عنه كان هذا منهجهم، فذلك دليل على تحقيق مصلحة الدولة وتنمية مواردها حتى ولو هناك تعارض مع أية قرآنية كريمة أو سنة شريفة، وحتى شيخهم ابن تيمية يقر أن أساس قيام الدولة هو العدل وليس الإيمان فالمنطق يقول أن العدل يحكم الناس على الأرض أما الإيمان علاقة العبد بالله لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى وقيل “إن الله لينصر الدولة الكافرة العادلة ولا ينصر الظالمة وإن كانت مسلمة”، أما ابن حمبل فيقر بأن القتال والحرب تحت قيادة القائد القوي والمجرب العالم بفنون القتال والحرب وإن كان فاجرا أفضل من خوض الحروب مع قائد ضعيف لا يناور حتى يحقق النصر وإن كان تقيا مؤمنا وذلك وفق المنطق العقلي الذي يؤكد أن القوة والكفاءة تكون لكل المجتمع أما الإيمان والتقوى فهي للشخص نفسه ويجازيه الله عليها في الدنيا والآخرة، هذه نماذج قليلة مما تمتلئ به كتب الفقه والفتاوى من مواقف وآراء متعلقة بشؤون الدولة العامة ويتضح فيها فصل الدين عن الدولة وهو ما يسمى في العصر الحديث بالعلمانية، فالعلمانية تفصل بفلسفتها بين الدين ومصالح المجتمع فحياة الفرد الخاصة فلا دخل للعلمانية بها وكما قال الله تعالى “من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

فما يمكن تأكيده الآن هو أن تزاوج السلطة السياسية والدينية كارثة إنسانية بكل المقاييس ولا بد من فصلهم بقوى وطنية شعبوية متحضرة ترفع مبادئ المواطنة وتقيم دولة مدنية بمعنى الكلمة لا إقصاء فيها لأحد لمواجهة ومجابهة القذائف الإرهابية الفكرية منها والمسلحة قبل فوات الأوان.

شارك
المقال السابقعلمانية
المقال التالىمع ابليس
طارق سعيد أحمد .. شاعر وكاتب صحفي .. صدر له ديوان "تسيالزم، إخناتون يقول" عن الهيئة المصرية العامة للكتاب كتب المقال "السياسي، الثقافي" في العديد من الصحف المصرية والعربية. وأجرى العديد من الأحاديث الصحفية لرموز الثقافة في مصر والعالم العربي والغرب، فضلا عن نشر نصوصه الشعرية في إصدارات متخصصة ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد