نظام أسكر الناس بشعارات الوحدة

 

استطاعت النخب المتجبرة كسر رقبة الثورة ومص رحيقها وتحويلها إلى هيكل بلا روح والزج بالمجتمع في أتون بحر من الفوضى والتفلت والفساد والاحتراب والولوج في حياة قاسية ومُرة يكتنفها الشقاء والتشرذم ومخضبة بنزيف دموي رهيب .

فالتربة التي نقف عليها اليوم صارت حاضنة للإرهاب والحرب والتطرف والكراهية والفساد والانحلال والتشرذم المجتمعي والديني والمذهبي والطائفي .

حلم الناس من خلال الثورة بتغيير نظام اجتماعي فاسد وبناء نظام اجتماعي جديد شفاف يستقيم على مداميك العدل والحرية والإنصاف والمواطنة المتساوية ودولة الحق والقانون ، كانوا يحلمون بدك حصون الفساد والفوضى وتدمير معاقل الفاقة والجهل والمرض وأصنام الشمولية وتعميق النهج الديمقراطي وإطلاق عملية تنمية شاملة تنهض بحياة الشعب وتفتح أعين الناس صوب الرقي والتمدن ، كانوا يحلمون بحياة تكسر فيها القيود والسلاسل وتحترم فيها آدمية الإنسان .
لقد تم كسر شوكة الإنسان وضربه في صميم حياته فهو اليوم يبحث عن الراتب والغذاء والدواء والأمن ، يبحث عن الماء والكهرباء والمشتقات النفطية ، يبحث عن السكينة والهدوء والوئام ، يبحث عن السلام الاجتماعي بعد أن أحرقت كيانه الحرب وأصبحت الحرب مصدراً خصباً لبعض الأفراد والزمر لجمع الثروات .

لقد أصبح التشرد والجوع والعطش والمرض والموت والتوتر والقلق والخوف والمضض الروحي والانكسارات النفسية والحياتية مفردات يوميه نلامسها بأطراف أصابعنا .فثمة قوى ماكرة تحطم بكراهية كل شيء في ظاهرها حق وفي باطنها جهل وظلم وتشرر مطبوعة بالجشع ونجاسة النفس والبدن .

لقد أومأت في غير مرة ، أننا ما زلنا نعيش تحت خيمة النظام البائد وتحت رحمة عناصر غريبة الأطوار ومريضة إلى أبعد الحدود ، تحطم المصالح وتنشر المفاسد والفواحش والرذائل وتهدر الثروات وترسخ أقدام البلطجة وانتهاب الأموال وتدير الأمور بالأزمات والفراغات المرعبة .

فهذه النخب المتمسكة بالسلطة حتى أخر رمق من حياتها تخترع الأراجيف وبؤر التوتر والاحتراب وتجندل قيم التمدن والحرية والتسامح والتنمية ، وتجيد لعبة الخداع والمناورات والتخفي وإطلاق الشعارات المدوية وتدمر بمنهجية عناصر الصلاح ، وتبكي بحرارة بكاء التماسيح على الهياكل والبشر والأبنية والأخلاق الحميدة والمؤسسات والأعراف والقوانين ، تبكي الإنسان وآدميته الذي خنقته بأصابعها السوداء ودفنته في سراديب الموحشات والخرافات والخزعبلات وحشرته في مخزون عفن من العصبية والهوس العنصري .

فالنظام الذي قام بعد الوحدة في 22/مايو/1990م التهم النظام والقانون ودولة المؤسسات في الجنوب وعمم الهيمنة والنهب والطغيان والفوضى والفساد وشفط الثروات واشبع الناس وأسكرهم بشعارات الوحدة الملفوفة بقيم وطنية وشعارات دينية وأخلاقية وإنسانية وهبط بالمجتمع إلى أدنى منازل الخسة والدناءة ومارس فساداً عميقاً وحقداً دفيناً وانتقاماً مخيفاً وحطم العمران وهدد الناس في صميم حياتهم وجعلهم يمشون عراة بأقدام حافية وبطون خاوية في حقول من الأشواك ، وزرع الفتنه والعصبوية وشجع القبائل والعشائر والهويات الضيقة على النهوض، ليتمكن من بلع خيرات المجتمع وتعميم الرذيلة والفوضى والفساد وتشديد القبضة الحديدية على المجتمع بعقليات صبيانية ومتخشبة لتوطيد الوضع الانحطاطي و الوحشة والقطيعة والتناحر والتهاجر الاجتماعي .

المعيب أن هذه النخب تتحدث باسم الشعب والثورة والشرف والشفافية والأخلاق الحميدة وأصابعها مغموسة في مستنقع الفساد والانحطاط ونهب الثروات : –

( نحن لصوص الثورة الشعبية
نعلن أنا في صف الشعب
وفي صف الثورة
نحن لصوص الثروات
إلى الثورة ننضم اليوم
لنواصل نهب الأرض
نحن مع الثورة جيباً وجيوباً
ومع الثورة شرقاً
غرباً
وشمالاً معها وجنوباً
طلقنا الحزب الحاكم
نحن مع النهب القادم ) ” الشاعر/ عبد الكريم الرازحي “

لا تعليقات

اترك رد