دونالد ترامب ومارين لوبان ووحوش السياسة..


 

أحدث فوز الملياردير الأمريكي ممثل الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأمريكية دونالد ترامب ضجة لا مثيل لها وأثار القلق والفزع في أنحاء العالم. وفي الوطن العربي، هرعت الصحف والمجلات العربية إلى قرع ناقوس الخطر. فهذه صحيفة (رأي اليوم) اللندنية تتساءل عبر رئيس تحريرها عبد الباري عطوان: ” ترامب فاجأ الكثيرين بزلزال فوزه.. كيف استطاع تحقيق هذه “المعجزة”؟ وكيف ستكون سياسته في المنطقة العربية؟ وماذا سيترتب على صداقته مع بوتين في سورية والعراق وليبيا والخليج وايران؟ وحسب منشور مؤسسة (البي بي سي) البريطانية بتاريخ 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، فقد “اعتبر معظم الكُتَّاب فوز ترامب انتصارا للكراهية و العنصرية، محذرين من أنّ قدومه سيدعم موجة العداء تجاه المسلمين في العالم وتنفيذ السياسات الاستعمارية في المنطقة.”

وتذكر البي بي سي ما قاله مازن حماد لجريدة الوطن القطرية: “هذا الثري الذي يختال كالطاووس بنسائه وملياراته وفنادقه ومؤسساته، هو بمثابة قذيفة مدفع ضد ما تبقى من ديمقراطية ̕الآباء المؤسسين̔، ولعله سيفلح في سنواته الأربع القادمة، في تفجير حرب أكثر وحشية من حرب أجداده على الهنود والزنوج، ضد مسلمي العالم القادرين بالطبع على الرد الموازي”. ويتساءل: “هل تفضي انفعالاته وصبيانيته إلى تفجير حرب عالمية ثالثة بالتعاون مع كونجرس تحتله إسرائيل؟”…

وبالتوازي مع ذلك، لكن بمستوى أقل، يثير اليوم فوز مارين لوبان، البنت الصغرى لمؤسس حزب الجبهة الوطنية، مخاوف كبيرة وسط أفراد الجاليات المهاجرة في فرنسا وفي أنحاء الوطن العربي. وما يفسّر هذه المخاوف هو ارتباطها بحزب اليمين المتطرّف وما أدلت به من تصريحات بشأن برنامجها وسياستها في حالة فوزها بالرئاسيات. وها هي مؤسسة (فرانس.24) الإخبارية تعلّل هذه المخاوف في منشور بتاريخ 4 فبراير /شباط 2017: “في مقابلة مع صحيفة (لوموند) الفرنسية، كشفت مارين لوبان عن وعد انتخابي، تعهدت بموجبه بفرض ضريبة جديدة على المقاولات التي تشغل المهاجرين، إلا أنها لم تحدد قيمتها، وإن كانت تشمل جميع المهاجرين أم المهاجرين غير الأوروبيين فقط. وعبَّرت لوبان عن عزمها تطبيق ‘الأولوية الوطنية في العمل’، الذي كثيرا ما نادى به اليمين المتطرف في كل المحطات السياسية، في حال وصولها إلى قصر الإليزيه. ويهدف إلى إعطاء الأسبقية للفرنسيين في التوظيف، ووضع المهاجرين المقيمين في البلاد بصفة قانونية في المقام الثاني.”

وها هي صحيفة (هبريس.24) تؤكد هي أيضاً هذه المخاوف في منشور بتاريخ 13 فبراير /شباط 2017: “مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف تسير على خطى ترامب وتدعو إلى بناء جدار ضد الجزائريين.”

لا ريب أنّ من عيوب البشر تصديق كلّ ما يسمعونه من كلام والتأثر بكل ما يشاهدونه من صور والتسرّع في إصدار الأحكام بناء على القيل والقال والقدرة، ولم يحدث شيء بعد.

لا يحتاج الإنسان إلى خبرة سياسية لكي يدرك أنّ بعض الوعود السياسية هي في واقع الأمر شيء من الدعاية ومظهر من مظاهر الحملة الانتخابية، بل شيء من الكلام المعسول يطيّب به المرشح خواطر الجماهير، ويكسب به ثقتهم، ويصطاد به أصواتهم، وينال به مساندتهم، في سبيل البقاء في السباق، والفوز على الرفاق. ولا شكّ أنّ ما يردّده المرشّح وهو في السباق يختلف عما يقوله ويفعله بعد اعتلاء كرسي الحكم. وليس ذلك أبدا بالأمر الغريب، فلكل مقام مقال، وإدارة شؤون قوة عظمى في حجم الولايات المتحدة الأمريكية تختلف حتماً عن إدارة حزب أو مجرّد الانتماء إليه. لا يكاد يستلم المرشح الفائز مقاليد الحكم حتى يصطدم بالواقع ويشعر بحمل المسؤولية التي تنتظره. وحتى إن كان يرغب في القيام بإصلاحات أو اتخاذ إجراءات أو فرض سياسة معينة، فإنّ ذلك ليس بالأمر الهيّن. فقراراته ومخططاته غير قابلة للتطبيق دون موافقة البرلمان. فسرعان ما يتبخّر بعض وعود الحملة الانتخابية – ولعلّ الأصح أن نقول: تتم التضحية ببعضها – في سبيل البقاء وحفظ الأمن والاستقرار وحماية القيم الديمقراطية والمحافظة على العلاقات الدولية. وخير مثال على ذلك، عجز الرئيس الأمريكي الجديد عن تنفيذ وعوده ومنها تعهّده بالتحقيق في قضية البريد الإلكتروني التي اتهمت بها المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون. وكان الكثير من مناصريه قد صفّق لقراره الجريء أثناء الحملة الانتخابية متطلعا إلى مشاهدة تطبيق ذلك بعد فوزه. لكنّ دونالد ترامب فاجأ الجميع بعدوله عن القرار مباشرة بعد فوزه، وهو ما وصفته صحيفة (واشنطن بوست) بالتهديد الأجوف في منشورها بتاريخ 22 نوفمبر/تشرين الثاني: “تهديد دونالد ترامب بمحاكمة هيلاري كلينتون كان دائماً أجوف.” وتضيف الصحيفة الأمريكية أنّ أغلبية الأمريكيين لا يعتقدون أنّ هيلاري كلينتون نزيهة أو جديرة بالثقة.

صحيفة (الإندبندنت) البريطانية تذهب أبعد من ذلك لتؤكد فشل ترامب في تحقيق جلّ وعوده، إذ تقول في منشور بتاريخ 29 أبريل /نيسان 2017: “دونالد ترامب أخفق في إنجاز أكثر من 80 بالمائة من وعوده بعد مائة يوم من توليه السلطة”!

فكم ستكون نسبة الوعود التي قد تضطر مارين لوبان إلى التخلي عنها هي أيضاً إن فازت بالجولة الثانية الحاسمة للانتخابات الرئاسية الفرنسية؟ وأي وعود ستنفذ وأي وعود ستخلف خدمة لمصلحة فرنسا العامة وحفظا لأمنها واستقرارها ومكانتها بين الأمم المتحضرة المحترمة لمبادئ الديمقراطية والحرية والعدالة؟ هذا ما ستطلعنا عليه الأيام.

ومهما كان، فإنّ المرشح الفائز هذه المرة أو في المستقبل لن يستطيع اقتلاع ملايين المهاجرين المقيمين في فرنسا منذ أجيال أو حتى التعامل معهم كما لو كانوا مواطنين من الدرجة الثانية، وهو ما يذكّرنا بسنوات الأبارتيد أو نظام الفصل العنصري الذي عرفته إفريقيا الجنوبية من 1948 إلى غاية مطلع التسعينات، وما أثاره من فوضى وتنديد دولي وما شابه ذلك، تماماً مثلما فشل دونالد ترامب في منع الأجانب من دخول الولايات المتحدة أو حتى إقناع قضاته الفيدراليين بمساندته وقبول قراره.

وإن كان بعض هؤلاء الزعماء العمالقة في العالم يبدو وحشا شرسا يبعث الرعب في نفوس البشر، فمن يدري؟!.. قد يكون حملا وديعاً، وذلك لعمري خير وأرحم من “الأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَكُمْ بِثِيَاب الْحُمْلاَنِ، وَلكِنَّهُمْ مِنْ دَاخِل ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ”! وإن فاجأتنا هذه الانتخابات بفوز دونالد ترامب في أمريكا ومرشحة حزب الجبهة الوطنية في فرنسا، فمن يدري؟! قد يفاجئنا هؤلاء بتحقيق ما لم يحققه أحد من قبل. وهل ثمة شيء مستحيل!

لا تعليقات

اترك رد