كيفية استعادة منظومة القيم بالمجتمع


 

أن من أكبر مؤشرات حالات المجتمع هو الجانب الأخلاقي القيمي فحيثما تعلو القيم والأخلاق يصبح هذا المجتمع مهيأ لأقصى درجات التحضر والانطلاق. ومن الواضح أن مجتمعاتنا فى السبعين سنة الأخيرة تقريبا قد حدثت لها انتكاسات كبيرة فى منظومة القيم والأخلاق نتيجة لمزاحمة قيم وأخلاق أخرى لمجتمعات غير مجتمعاتنا لقيمنا وأخلاقنا حتى أصبح مجتمعنا مجتمعا غير منسجم أخلاقيا إن صح التعبير.

أن مهمة الجميع استعادة القيم المصرية الأصيلة بعد أن أصيب المجتمع بعدم احترام بعض الرموز الوطنية والدينية.

ولهذا يجب أولا أن نتفق على مجموعة من القيم والأخلاق ونحاول واقعيا تثبيتها فى واقع الأمة، ومن هذه القيم العدل والرحمة والتسامح والانضباط، وكل هذه القيم تحافظ على شكل وجوهر المجتمع الإنساني.

إن السبب وراء اختلال أخلاقيات المجتمع هو اختلال المؤسسات الاجتماعية، التي تتمثل في الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام، فإذا نظرنا إلى انتشار المدارس والجامعات الخاصة نجد أصحابها يتناسون القيم والأخلاق، ويركزون على ما يحصلونه من مبالغ مالية فقط من دون النظر إلى مرجعية العائلة ومستواها التعليمي، ومن دون بذل جهد حثيث في الارتقاء بالمستوى الأخلاقي للطلاب.

أما عن وسائل الإعلام، فليس لها أي دور توعوي فيما يتعلق بالهويات الثقافية والدينية للمجتمعات، ولا تحرص على أن تكون القيم والأخلاق مكونا أساسيا من مكونات الهوية الثقافية والدينية للمجتمعات، بل على النقيض من ذلك، إذ كثير من هذه الوسائل هي بحد ذاتها أداة من أدوات هدم الأخلاق، فمثلا غالبية الدراما المنتجة في بلادنا العربية تحمل مضامين سلبية أكثر منها إيجابية. وينبغي أن يستعيد الإعلام دوره التوعوي والأخلاقي ويلتزم بالمواثيق التي تضبط عمله وأخلاقياته، ولا يلهث وراء الإثارة أو الربح المادي على حساب رسالته الحقيقية.

إن مشكلة القيم والأخلاق هي مشكلة إنسانية عامة فى كل المجتمعات المعاصرة مما يدل على أنها مشكلة إنسانية معاصرة لكن فى المجتمعات مثل مجتمعاتنا تمر بظروف انتقالية تجعل المشكلة ملخصة وجامعة لأزمة هذا المجتمع والمسألة ببساطة شديدة هي توفير الظروف الحياتية لممارسة القيم والأخلاق، والدعوات الدينية لبها ومظهرها هي الأخلاق، لأن محصلة أي حضارة تنعكس فى القيم والأخلاق وأظهرها الرحمة والأمانة والرأفة والانضباط والاجتهاد وتكافؤ الفرص.. كل هذه الأشياء عندما توجد فى مجتمع فاعلم أنه مجتمع سوى تماما تعيش فيه مطمئنا مختارا.

أن “منظمات المجتمع المدني، هي الأكثر قُـدرة على قيادة الإصلاح ومواجهة السلبيات، شريطة تقديم نماذج جيِّـدة تسعي للعمل التطوعي، لا لتحقيق مكاسِـب شخصية، وأن تقدِّم نماذِج حقيقية لإنكار الذّات والتَّـفاني في خِـدمة الوطن”

أن “السبيل إلى الإصلاح لابد أن يكون كلِّـيا، وليس جزئيا. فيجب أن تكون هناك مُـراقبة لتنفيذ هذه المبادئ في كل قطاعات المجتمع والاهتمام بإصلاح النُّـظم التعليمية. فدور المدرسة لا يجب أن يقتصِـر على تلقين المواد الدراسية، بل يجب عليها أن تُـمارس دوراً أكبر في تعليم التلاميذ السلوك الحَـسن والصِّـدق والثقة في الحياة والمجتمع والدولة” لأننا نعيش في مجتمع يجِـب أن نتفانى في خِـدمته وننكِـر الذّات في سبيله. فليس منطِـقيا أن يردِّد المُـدرِّس شِـعارات الصِّـدق والأمانة والإخلاص في العمل أمام طلاّبه، ثم يطالِـبهم بأن يحصلوا لديه على درس خصوصي”!!

تتشكل الثقافة من مجموعة المعاني والرموز التي تتبلور على هيئة منظومات قيم توجه سلوكيات البشر في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، سواء كانت سوية أو منحرفة. استنادا إلى ذلك تلعب الثقافة ومنظومات القيم دورا محوريا في بناء المجتمع، لكونها هي التي تتولى تنظيم التفاعل الحادث في المجتمع. فالبشر يؤدون أدوارهم وينجزون سلوكياتهم وهم موجهون بقيم الثقافة. ومن ثم فكلما كانت الثقافة ومنظومات القيم أكثر فاعلية في ضبط التفاعل الاجتماعي، توقعنا أن يكون المجتمع أكثر استقرارا. ذلك يفرض علينا تعرف ماهية الثقافة ومنظومات القيم المشكلة لها والكيفية التي تؤدي بها أدوارها في تنظيم التفاعل الاجتماعي.

فإذا تأملنا بناء الثقافة من الداخل فسوف نجده يتشكل من ثلاثة عناصر أو مكونات أساسية، المكون الأول هو منظومة القيم الوجدانية، وهي تشكل القاعدة المعنوية التي يستوعبها الفرد من خلال التنشئة الاجتماعية التي تتم في الأسرة، ثم من المدرسة والإعلام بعد ذلك. وتتمثل الوظيفة الأساسية لمنظومة القيم الوجدانية في كونها تربط الشخص بموضوعات بيئته التي ينشأ فيها عاطفيا ووجدانيا، كالارتباط بالأم والارتباط بالوطن والارتباط بالأسرة والارتباط “بالعلم” رمز الوطن. ومن شأن هذه القيم أن تؤسس قاعدة انتماء الشخص لمرجعيته الاجتماعية والوطنية بكل ما فيها، ويتم استيعاب هذا العنصر فى شخصية الإنسان منذ الصغر وبصورة تلقائية فى العادة.

ويتشكل المكون الثاني من منظومة القيم الإدراكية التي تتشكل من المعارف الحديثة التي يتعلمها الإنسان من المدرسة وحتى الجامعة. وتتميز القيم الإدراكية بكونها ليست من طبيعة عاطفية كالقيم الوجدانية، ولكنها من طبيعة عقلانية بالأساس، ومن شأنها أن تقوي الجانب العقلاني في الإنسان. والمكون الثالث هو مجموعة القيم التفضيلية، وهي القيم التي تشكل مرجعية الإنسان في الاختيار والمفاضلة بين الموضوعات.

ونحن إذا تأملنا منظومات القيم هذه فسوف نجد أن القيم الوجدانية هي الأكثر فاعلية في الصغر، وكلما كبر الإنسان اتجه إلى العمل وفقا للقيم الإدراكية العقلانية، وكذلك تتسق هذه القيم مع السياق الاجتماعي، ففي السياق الريفي مثلا نجد أن القيم الوجدانية هي الأكثر فاعلية وتأثيرا، وإذا تحركنا إلى السياق الحضري فإن القيم العقلانية “الإدراكية” تكون هي بالرغم أن الحالة المثالية للمجتمع تؤكد على ضرورة أن يمتلك المجتمع منظومة قيمية واحدة. فإننا نلاحظ انفصالا في بنية الثقافة بين القيم والمعايير والقواعد ذات العلاقة العضوية بكل من النظام السياسي والمجتمع. إضافة إلى التناقض الداخلي بين المنظومات القيمية التي تنتمي لكل منهما. قد يرجع ذلك في بعض منه إلى أن الدولة القومية في العالم العربي لم تتطور من رحم المجتمع وتراثه. أو قد يرجع إلى أن النظام السياسي لم يؤسس مؤسسات لصهر قيم المجتمع مع أيديولوجيا النظام السياسي، كما أنه لم يؤسس علاقات عضوية بين منظومات القيم التي تقع على مستويات متباينة.

في هذا الإطار فإننا نجد أنفسنا في مواجهة منظومات قيم تنتمي بالأساس إلى المجتمع كمنظومة القيم الدينية أو المنظومة التراثية، مضافة إلى منظومات قيم تنتمي إلى النظام السياسي، وهي المنظومات المتضمنة في أيديولوجيته، كمنظومة القيم الليبرالية ومنظومة القيم الاشتراكية. بحيث يعد ذلك أحد أسباب حالة ضعف المعايير لتعددها، لأن قيم كل من المجتمع والنظام السياسي أضعفت بعضها بعضا لأكثر فاعلية وقوة.

أن قضية الأخلاق ليست مجرد تعليم فقط بل تربية، وأن حسن الخلق يتأصل في معرفة الأخلاق في سلوكياتنا، وأن الأخلاق الإسلامية تمتاز عن الوضعية بعدة سمات، منها: أن الأخلاق الإسلامية ثابتة لا تتغير عبر الزمان أو المكان، فبر الوالدين واجب أبدي، والكرم خلق دائم، وكذا الصدق لا تغيره المفاهيم المادية السائدة في المجتمع. أيضا الأخلاق الإسلامية محددة بضوابط الشريعة، وليست متروكة لأهواء الناس، فالحسن في نظر المسلم هو ما حسنه الشرع، والقبيح هو ما قبحه الشرع، مصداقا لقول النبي ” صلى الله عليه وسلم” : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به».

إن المخرج الأول والأهم لإعادة الأخلاق هو الأسرة، باعتبارها مؤسسة التنشئة التعليمية الأولى في المجتمع، ويجب أن تتماسك ويعود الأب بصورته النفسية والبيولوجية القوية كما كان من قبل، من رقابة ومتابعة للأبناء؛ لأن الابن يتقمص قيم أبيه ويسير عليها طوال حياته، وتلي المدرسة الأسرة مباشرة لدعم القيم الفاضلة في نفوس الأجيال؛ لأن الدين لابد له من دعائم يقوم عليها بصورة سليمة، ويأتي بعد ذلك الإعلام، فلا يصح أن تكون صورة الأب في الأعمال الدرامية والفنية ضعيفة ومخادعة.

إذا قامت كل الجهات السابقة بدورها الحقيقي، وكانت هناك توعية جادة للنشء والشباب للاستمساك بصحيح الدين وتفعيله، وتم تجديد الخطاب الديني بما يتفق مع روح الدين وطبيعة العصر، فبالتالي يمكن استعادة الأخلاقيات الغائبة للمجتمعات مرة أخرى.

لا تعليقات

اترك رد