شوكت الربيعي ما بين النقد، وتنوعات الفن التشكيلي

 

تتكثف نتاجات صيغ الأعمال الفنية لدى الفنان – شوكت الربيعي – بمستويات الإنتاج الفكري المتجسد بالنقد والتأليف والكتابة المستمرة لسنوات طويلة، عبر مسيرته الإبداعية، تلك النتاجات التي تتزاوج وتقترن بين التجسيد العملي مع التفكير الإدراكي والمعرفي، الذي يلازم البعض منذ البدايات المبكرة .. لدى البعض… وليس كل الفنانين العمليين. . حيث تلازم هذه الفئة من ألوسط الفني بأنواعه التشكيلية والمسرحية والموسيقية، وتتحول تلك الإتجاهات إلى ضرب من الخيال الفكري الذي يتوسع طرديا مع سعة مساحات البحوث والدراسات النظرية الأكاديمية التربوية على وفق المناهج المقررة إلى إتساع المطالعات الشخصية المستمرة لرفد الجانب المعرفي الذي يصل إلى مرحلة التنظير والتحليل النقدي والتدوين التاريخي، تلك السلوكيات، أنتهجها نخبة من الأساتذة الرواد – شاكر حسن آل سعيد – برغم إن بحوثه ترتبط بالتدوين التاريخي وفلسفته المقتربة من الخيال التصوفي. .

إلا بإشارات نقدية محددة لأجياله، وكذلك الفنان نوري الراوي وجبرا إبراهيم جبرا، ثم تلتهم أجيال أخرى مثل محمد الجزائري وعادل كامل وشوكت الربيعي الذي يخص موضوعنا الحالي، تلك السلوكيات من التنظير والتأليف المتعدد كان لها دور كبير في رافد الحركات التشكيلية في الوطن العربي العراقي تحديدا، إذ تكمن تلك الأهمية من حيث التوثيق والتفسير وتقريب المسافات الإشارية لباثات العمل الفني التشكيلي لاسيما المعاصر إلى نحو أفق واسع من المدركات العقلية لمجتمع المتذوقين ، كما إن دور الكتاب والباحثين في هذا المجال، ينمي الميول التذوقية عند عمومية المجتمعات المبتعدة مهنيا وإدراكيا عن هذه الإتجاهات.

لقد أنجز الكثير من المؤلفات والمقالات والكتابات النقدية المنشورة في مجالات إعلامية مختلفة، تلك الكتابات كانت في مسار إنجازه الإبداعي التشكيلي، إذ يشكلان تكملة لبعضهما الآخر، وبذات العطاء والقدرة والجدية ..أما في مايخص أعماله التشكيلية فإن فيها آفاق واسعة من المساحات والمواضيع، والتكنيكات الأدائية والتعبيرية ، تجمع بين محورين من التضادات الملمسية والرؤية البصرية، لقد تجسدت تلك الإشارات والتجسيدات في إحدى المؤلفات الذي يتوزع ب 555 صفحة من القطع الكبير بعنوان “شوكت الربيعي .. فضاء إبداعي متوهّج” ضم شهادات ودراسات لنخبة من الفنانين والأدباء والنقاد وأساتذة الجامعة، أضاءت مسيرة وجهادية الرجل “الميساني” في الحياة حتى رسّخ أسمه في تاريخ وثقافة العراق والوطن العربي وأضخى من بين الفنانين التشكيليين المدونة آثارهم الإنتاجية في الإبداع، والأسم .

الكتاب ساهم به 70 كاتباً من الذين عرفوا وعايشوا الربيعي أصدرته “موسسة المثقف العربي” في سدني بأستراليا بإشراف رئيس المؤسسة الباحث ماجد الغرباوي، إحتوى على ملف ملون ضم 30 لوحة للفنان شوكت الربيعي وهي من الأعمال المهمة التي تؤشر ملامح التطور الذي رافق مسيرته الإبداعية، والربيعي ابن مدينة “ميسان” ولد فيها سنة 1940، وفي عام 1963 أنهى دراسته الفنية، ولقد أقام اول معرض تشكيلي في اهوار العراق وتحديدا في أهوار”الهدام”، ويحسب له مبادرته في تأسيس جماعة (الجنوب) التشكيلية في مدينة العمارة. وله مبادرات عديدة في أرشفة ومتابعة الفن التشكيلي العراقي، وأضحت كتاباته وتداً مهماً في خيمة الفن في العراق ومصدرا من المصادر، يرفد إنتاجه الإبداعي ثراء من المعرفة للباحثين والمدونين لآثار الحركة التشكيلية في الوطن العربي العراقي. في معارضه التي أقامها في بغداد، نجد إن فعل المتضادات أبرز صفاتها التكوينية ، أي وجود في أماكن اللوحة الرقة والليونة متجاورة مع الحدية والقسوة ، والتطمين يلازم الصدمة، والرموز الإشارية لا تنفصل عن الواقعية المتقنة ، والخيال يتوافق مع المرئيات الشكلية والا شكلية ، والأحياء بإشارات المواجهة، وجه آخر من عالم الغموض.. والغموض يرتدي جسد الوضوح والمعقول كأنه الاّمعقول. وتلك هي أهم صفات الفنان – شوكت الربيعي – عبر سنوات مسيرته التشكيلية،

وهي صفات تؤكد منهجية أصبحت مسايرة له في غالبية أعماله. فضلا عن أمتلاكه مهارة التركيز الأدائي الذي يتضمن ثيمات وأفكار تثري لوحاته قيم البنية التكوينية واللونية، وبذلك يكون هناك توافق وتداخل بين مفهومي البنية التشكيلية للأعمال ومضامينها التعبيرية ، لقد أثارت وتثير أسئلة عديدة في عمق دلالاتها ومعانيها، وترتبط بعض أعماله وكذلك كتاباته في تاريخ الفن التشكيلي في العراق والوطن العربي، فرفد المكتبة 15 كتاباً مهماً، لعل أبرزها “مقدمة في تاريخ الفن العراقي” وكتاب “الفن التشكيلي في العراق” و”لوحات وأفكار” و”رسامون كتاب” و”طائر الشوف الأصفر” وغيرها من النتاجات الصادرة والتي ستصدر لاحقا فضلاً عن دوره الكبير في تأصيل تجارب العديد من أعلام فن التشكيل والنحت العراقي، حيث زين واجهات المكتبات بكتب راقية وعلمية تحدثت عن (فائق حسن ويحيى جواد ونزار سليم و د. قتيبة الشيخ نوري ومحمد غني حكمت وغيرهم) لقد كانت نشاطاته تلك هي الحفاظ على تلك المنجزات ولو لم تكن تلك المبادرات منه ومن ناظروه في البحث والتدوين، لضاعت تجارب الفنانين المذكورين في أتون اللامبالاة التي تستشري في رواق الإبداع العراقي، فالكثير من المبدعين طواهم النسيان بسبب عدم وجود دراسات عنهم. لقد كانت جهود كبيرة لأرشفة وتخليد هذه الفئة المبدعة التي تشكل واجهة البلد بثراءها الجميل،

إلا إن تلك الجهود المبذولة قد تناثرت وتمزقت آثار الأعمال من الواجهات الأثرية بعد عام 2003 ولكن تبقى مدونات الكتب المنشورة والمقالات محفوظة برغم الموجة المكتسحة لمنتجاتها الإبداعية التي تمثل الجانب المفتخر للبلدان ومنها العراق . ولقد دونت كتابات ساندة تؤكد أهمية تلك الإنجازات الإبداعية ومنها التنظيرات المعرفية الكتابية، هي كتابة زميل من جايلوه هو الفنان التشكيلي ماهود احمد بحقه: “كانت كل تفاصيل ذاكرته تتجمع في الدلالة الإنسانية كلما شرع بنقل الأفكار التي تحاصره على قماشة اللوحة، وبالصيغة التي تكشف عن (لحظة التطهر) من الأحزان والعذابات المتواصلة، في لحظة واحدة أشبه بلحظة، يقسم فيه العشاق بالحب .. أيغني لذلك الوجع؟ لا فرق عنده بين اللحن والشعر واللوحة. إنها تشكل قيمة عليا.

وهي قسم العشاق في لحظة الفيض بحب الوطن والحياة .. من بعد أي نوع من الأزمات التي ستجتاح أمته، تتنفس رئتاه الفكرية هواء المعرفة؟ من أين له بمصفاة التخيل حينما تتلوث كل الأجزاء، لتتشوه لباب الأشياء الحبيبة؟ ويظل صامتا أمام اللوحة البيضاء، كالطفل قبل أن يتعلم أبجدية ذاكرته، وهو ينشد تلك اللمسة من فرشاة الوحشة، أيمسك بها كلما أعتصرته مشقة الجفاف، وغيبته لحظات التجلي وهي تنضجه خبزا لأفواه الجياع من أمثاله، فأي طفل شحوب هو يسير في أثلام الستينيات الأخيرة، منكسرا بإتجاه بوابة (إعتلال السبعين) من عمره، هو النائح بل أنين، الجرس الذي لا يقرع .. السلام عليك يا صديقي يوم ولدت ويوم تبدع فنا وأدبا وحبا، تنشره بين ربى وحقول الوطن … العراق . لقد كانت تلك الإشارات مفتتحاً لأستذكارات أصدقاء وزملاء الفنان – شوكت الربيعي . حيث كانت مشاركات الفنان – الربيعي – تروج ضمن مساحات جغرافية مترامية الأطراف ووصلت إلى شعوب وأمم متنوعة ، فقد إنتقلت معارضه وإنتشرت نشاطاته من البلدان الشرقية إلى بلدان أبعد مثل اليابان والصين وإندونيسيا والفلبين والهند إلى الغرب الأمريكي، مرورا بأوروبا الشرقية والغربية، كما رافقت لوحاته محاضرات وندوات عن الفن التشكيلي العراقي للمساهمة والسعي في رقي مكانته بين العالم .

– رؤية إستقرائية –
وفي رؤية استقرائية لفنونه التشكيلية تؤكد عملية التفاؤل لدى الفنان والكاتب –شوكت الربيعي – في روحه الوجدانية، حتى في أعماله التي تتضمن مواضيع حربية وتراجيدية الأثر ،حيث تتجسد لغة الألوان المتفائلة، الفاتحة، الصافية، نحو مناخ الأمل والسلام في داخل الذات البشرية التي تتعلق بديمومة الحياة النقية الوضاءة, تلك المفاهيم هي إنعكاس لروحانية المشاعر لدى الفنان المتطابطة مع إنتاجه الإبداعي، لهذا كانت روحه تتملك الألوان ومفردات اللغة محولة أياها إلى وحدات من تفاصيلها الأولية النقطوية إلى شغف وحماس ومضمون للرؤية المستقبلية. . لقد كانت أعماله إنعكاس لظروف نشأ فيها زمانا ومكانا، عبر صدمات وعراقيل وأوجاع ،فراق الأعزاء، وصدمات البلد من إحتلال وما عقبها من صراعات على السلطة، دفع ثمنها أرواح لشعب مستمر في نزف دمائه وكرامته وخدماته الإنسانية. . لقد إطلع الكاتب والأديب الفنان – شوكت الربيعي – على كثير من المصادر، والكتابات التي تخص الفنون التشكيلية في مراحلها الزمانية والمكانية وفي أدب النقد التشكيلي من العرب والأفرنج شرقا وغربا، ولكنه لم يجد نفسه منقادا إلى منهج هذا الباحث أو ذلك الكاتب إلاّ في ما يتعلق بمنهجية الواقعية النقدية وتجربة (بليخانوف) التي تجاوزتها المرحلة الراهنة كثيرا. تنطق بعض لوحاته بمضامين تثير الإنتباه والتأمل، مثل لوحة “فتاة وفانوس” التي رسمها عام 1964، لا سيما منظر أعواد القصب التي جعل منها غابة كثيفة (موطنأ للسعلاة) لا يمكن أخترافها، حيث تسود الخضرة في كل مكان ومجال، يسودها الوحدة والسكون الجو في مناخها العام، حتى إن الفتاة وفانوسها يوحيان بالحزن والوحدة ولا تعطي القوارب الثلاثة عند جهة اليمنى أية فرصة أمل حتى في العودة إلى الضفة الاخرى، لكونها مهجورة تماما وإذا كان بيت القصب (الكوخ) في الضفة الأخرى يوحي بأنه بيت الأحلام، وبنفس الوقت بيت مسكون باللعنة، لا يستطيع أي شخص ان يسكنه، أو حتى أن يصل إليه، تلك الأعمال فيها مضامين أسطورية. . ولكنها تتحول إلى مرموزات فكرية تعانق الأمل والإنقاذ من شدائد صاخبة. تأخذ أعماله صيغة البنية الشكلانية وكذلك بعضها أحجام الجداريات الكبيرة، تتكثف فيها أنواع من الموضوعات المختلفة، ولكنها تتكامل في غاياتها التعبيرية الهادفة،

وأخيرا نقول إن الفنان والأديب والناقد – شوكت الربيعي –
ولد عام – 1940- في محلة (الجديدة) – القادرية – مدينة العمارة –جنوب العراق، وفي عام19633- أنهى دراسة ألفن وأقام في الرفاشية أول معرض تجريبي على سياج مدرسة الرفاشية في أهوار الهدام. وفي العام 1964- أسس جماعة (الجنوب) للفنون التشكيلية في مدينة العمارة – أقام معرضا شخصيا جديدا في قاعة نقابة المعلمين في العمارة. أنجز معارضه اللاحقة. في العام.. 1970-1973 انتخب رئيساً لجمعية التشكيليين العراقيين – فرع البصرة. لدورتين متتاليتين ومنحته وزارة الإعلام والثقافة ونقابة الفنانين جائزة الفنون الإبداعية، وجائزة النقد الفني. 1960- 1990 أسهم في معارض مشتركة لجمعية ونقابة الفنانين العراقيين وإتحاد التشكيليين العرب والرابطة الدولية للفنون التشكيلية وإشترك بتأسيس رابطة نقاد الفن (الإيكا) المبدئي عام 1975م ثم الإشهار بالتأسيس عام 1982 في العراق، وأسهم في لقاءات المنظمة العربية للتربية والثقافة والفنون التشكيلية ولجنة (الإياب) و(الإيكا) في العراق .


– المؤلفات المطبوعة –
1967- الشاعر عبد الأمير الموسوي – حرره مع القاص الرائدالمرحوم خليل رشيد، مطبعة الغري– النجف الأشرف. 1970- مقدمة في تاريخ الفن العراقي- وزارة الثقافة في العراق – مطبعة دار الحرية. 1972- ألفن التشكيلي المعاصر في العراق- وزارة الثقافة- مطبعة ثنيان. 1976- لوحات وأفكار – وزارة الثقافة – مطبعة دار الحرية – بغداد. 1979- ألفن التشكيلي في الفكر العربي الثوري- وزارة الثقافة -مطبعة دار الحرية – بغداد . 1981- ألفن التشكيلي في الخليج العربي- وزارة الثقافة – مطبعة دار الحرية – بغداد. وصدر في العام 1982- كتاب مصور عن إسلوب وحياة الفنان (فائق حسن 1914م– 1991م) دراسة في حياته وفنه) – وزارة الثقافة – مطبعة الدار العربية (رمزي) بغداد. وفي العام 1983- يحيى جواد (1929–1984م) دراسة في حياته وفنه(النحت) -وزارة الثقافة – مطبعة دار الحرية – بغداد. 1982م – د. قتيبة الشيخ نوري 01924م-1979م) دراسة في حياته وفنه. مطبعة رمزي . 1983- نزار سليم 1924م – 1983م – دراسة في حياته وفنه – جمعية الفنانين العراقيين – مطبعة الدار العربية (رمزي) – بغداد. 1986- ألفن التشكيلي المعاصر في الوطن العربي ط1- دار الشؤون الثقافية – مطبعة آفاق عربية – بغداد. 1987- ألفن التشكيلي المعاصر في الوطن العربي- الهيئة المصرية العامة للكتاب (سلسلة الألف كتاب الثاني) ط2- 1987- أحزان القصب – سيراميك ذاتية – دار الشؤون الثقافية – مطبعة آفاق عربية – بغداد. 1988- رسامون كتاب – من سلسلة كتب الموسوعة الصغيرة، مطبعة دار الحرية للطباعة والنشر – بغداد. رئيس تحرير الموسوعة: القاص المرحوم موسى كريدي . وكان رئيس تحرير مجلة الكلمة التي صدرت في النجف الأشرف. وفي العام 1994م صدر كتاب – النحات محمد غني – حياته وفنه (النحت)- مطبعة الأديب – بغداد. وفي العام – 2000 – صدر كتاب – طائر الشوف الأصفر – المجمع الثقافي – أبو ظبي.وصدر في العام 2002 م – ألفن التشكيلي المعاصر ط 3 – دار نشر هلا – مصر- 2003 م – ألفن التشكيلي المعاصر ط 4 – مركز الشارقة للإبداع الفكري- مكتبة الفنون التشكيلية (21) – 2005 م- ألفن التشكيلي المعاصر ط 5 – ضمن منشورات مكتبة الأسرة – عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. وفي العام – 2007 م – صدر كتاب – ألفن التشكيلي المعاصر في عمان شهر أيلول – سبتمبر– المكتبة التشكيلية رقم واحد مؤسسة الرؤيا للطباعة والنشر– مسقط. وصدر في العام 2008 – كتاب الأمل . المكتبة التشكيلية رقم 2 مؤسسة الرؤيا للطباعة والنشر– مسقط .

لا تعليقات

اترك رد