الحياة في تمثال

 
الصدى - الحياة في تمثال

تظلُ الذاكرة الشعبية تشير للمارين على جسر الشهداء إصرارها وتمسكها على تسمية ساحة الرصافي في عبق الاسم كدلالة مرتبطة بالوجدان العراقي، وإشارة تلمع بإنجازات كبيرة عن شخصية شاعرها الفذ بماضٍ مضيء، ومنجز مجيد، ويستطيع القادم من” الشواكة” ان يقرأ بوضوح على قاعدة التمثال الأمامية اسم “معروف عبد الغني الرصافي “ وهو يتأبط دفء المكان، فالاسم يلخص تاريخاً باذخاً وحاضراً يشع ويشير الى أهمية التمثال وصاحبه.

ساحة الرصافي كتاب مفتوح يروي القيمة الإبداعية للوعي الحضاري والإنساني عند مبدعي حاضرة الدنيا بغداد، كما تبرز بوضوح هيبة الاسم على نهر “دجلة “ الخالد وهيبة تسمية الجسر بالشهداء، تكريماً لرجال العراق العظام الذين رفعوا أرواحهم لافتات عريضة قبل ان تطلق عليهم نيران المواقف الخاسرة. في تلك الساحة تتوهج ذاكرة المدينة وتحيى بامتداد شارع “الرشيد” الذي يبدأ من” الميدان” ويتوقف عند التمثال، لكي يسلم عليه، ويستمر حتى يرتبط بشارع أبي نؤاس ثم يمتدُ طولا على شفة النهر عبر تقويس يشبه هلال القلب النابض بحزن الملوك .

ومن قرب التمثال يفترش شارع “زبيدة “ خلفياته الآمنة برغم قصر المسافة ليكون عنواناً بارزاً ، تلتقي فيه حوادث التاريخ وأسماء العظماء عبر الطرقات والاتجاهات الأربعة ، لذلك لا يوجد في هذه المنطقة أي اسم لشارع لا يحمل غير أبناء العراق، وبذلك تتوسد الأسماء قاعدة التمثال الراسخة في الهيبة ، وعلى بعد نظرة قصيرة يلتف شارع المتنبي، ليفاجأ الناظر ببناية “القشلة” ثم يعرج يساراً الى جامع “الوزير” حيث كان الرصافي يلقي خطبه السياسية وقصائده الخالدة داخل سوق “السراجين” ويعتبر الرصافي مؤلفاً من الطراز الأول قبل أن يكون شاعراً، ولكن المناهج الدراسية قدمتْ شعره للدراسة والحفظ لما فيه من معاني ودروس في الوطنية والوعي، وتبقى مؤلفاته تستأثر باهتمام الباحثين والدارسين، ولم يتركوا شاردة عنه إلا أحصوها، ويأتي ذلك بسبب ارآئه وأسلوب حياته الخاصة. ومن مؤلفاته “الأدب الرفيع في ميزان الشعر” و” الآلة والأداة وما يتبعهما من الملابس والهنات” و” النيل والفرات” و”دفع الهجنة في ارتضاح اللكنة” و”الرسالة العراقية في السياسة والدين والاجتماع”، وكتاب “ شرح ديوان معروف الرصافي” وكتاب “ديوان معروف الرصافي: شاعر العراق والأمة العربية، الذي ترجمه وحققه عصام عبد الفتاح و” دروس في تاريخ آداب اللغة العربية” و” على باب سجن أبي العلاء” الذي يعلن فيه مخالفته لعموم استنتاجات الدكتور طه حسين وتخريجاته واستنباطاته من تعليمات فيلسوف المعرَّة، فضلا عن أهم مؤلفاته كتاب “ الشخصية المحمدية أو اللغز المقدس” الذي أثار كثير من المناقشات والتي أدت الى منع صدور الكتاب حتى بادرت “دار الجمل” في المانيا الى اصداره، وأجمل ما قيل عن الرصافي بأنه الشاعر النهضوي، اليس هو القائل: إذا كان في الأوطانِ الناس غايةٌ .. فحريِّة الأفكار غايتها الكبرى.

لا تعليقات

اترك رد