حوار مع الدكتور حميد اتباتو


 

ثقافة الصورة تقنية للحفاظ على توازن الاصالة والمعاصرة

يعرف الدكتور حميد اتباتو بنضاله الجمعوي وعشقه لكل ما هو ثقافي وفني ، حضوره الدائم في التظاهرات و المهرجانات كناقد سينمائي و باحث في مجال فن الصوت و الصورة تكشف عن مكانته المتميزة و أخلاقه العالية ، عضو ناشط في الاندية السينمائية باعتبارها تأشيرة الدخول الى عوالم السينما من الباب الصحيح حيث يتم تحسيس السينفيليين بأهمية الثقافة السينمائية .متمكن من أدواته النقدية ، في جعبته عدد كبير من البحوث و المقالات و اصدارات ساهمت في اغناء المكتبة السينمائية المغربية ، اهتماماته بثقافة الهامش وضعته في الصدارة وجعلت منه احدى الاسماء المحتفى بها في المهرجانات السينمائية و المحافل الفنية.

حميد اتباتو ،ابن اقليم تاونات المغربية التي تنتمي لجهة فاس و مكناس الواقعة في شمال المملكة المغربية القريبة من جبال الريف ، حسه الصعيدي جعله حريصا على توثيق الهوية المغربية الاصيلة البعيدة عن النظرة الفولكلورية و البطاقات ألسياحية معروف برفضه للقبح الفني و دفاعه عن الفن الأصيل بدءا من المسرح و مرورا بالسينما ، من اصداراته : ”السينما المغربية ،قضايا الابداع و الهوية ” ، “رهانات الكتاب السينمائي بالمغرب” . لنقترب أكثر من فكر الدكتور اتباتو أجرى موقع الصدى حوارا معه يأتي كالتالي .

س:كناقد سينمائي متتبع للحركة السينمائية في المغرب ، هل تعتقد أن هناك حركة نقدية مواكبة لهستيريا المهرجانات السينمائية التي تعرفها جل المدن المغربية و هل هذا يساهم في خدمة الثقافة السينمائية في البلد بمعنى آخر هل من اضافات ايجابية للسينما الوطنية ؟

ج:أربط ما أكتبه عن السينما بالبحث و ليس بالنقد لكون صفة باحث تحيل على التعلم و عدم الاكتمال،و تترجم معاني خاصة للكتابة يعنيني الانشغال بها. بصدد السؤال أقول إن الكتابة عن السينما بالمغرب تبني موقعها، وقد راكم النقاد و الباحثون و رجال الإعلام إسهامات هامة في المجال ،تقرأ مجموع علاقات الحقل السينمائي، وتبني موقفا من إبداعية أعماله ، وحركية إنتاجه و قيمة ما يتراكم فيه من مداخل مختلفة.

يربط البعض النقد السينمائي بالكتابة عن الإبداع الفيلمي وقراءته، وأربطه شخصيا بمتابعة علاقات الحقل العامة، ولهذا يكون من مهامه متابعة و تحليل كل ما يرتبط بالسينما ، بما في ذلك أوجهها الاقتصادية و المؤسساتية و القانونية و الثقافية و الاحتفالية…ارتباطا بهذا يكون تقييم الفعل السينمائي من داخل حركية المهرجانات السينمائية بالمغرب مسألة طبيعية، وأقول بصدد الموضوع إن ما أسميته ب”هيستيريا تنظيم المهرجانات السينمائية”، مسألة إيجابية لو تم توجيهها لخدمة إنعاش الوعي الفني وتجديده، ونشر الثقافة السينمائية، وتكريس مشروعية السينما ثقافة و فرجة ووعي وعلاقة في الصراع الاجتماعي،خاصة بعد أن انحصر دور القاعات السينمائية ، و دور البرمجة البديلة التي كان يقترحها عمل الأندية السينمائية في صورتها البهية السابقة.إنه ما لا يتحقق للأسف لأن سياسة مهرجانات السينما أخضعت المبادرة في المجال لتصور رسمي ينتصر لمهرجانات محددة تنظمها المؤسسة الرسمية ، أو تحسب عليها، أو تستجيب لمنظورها.منظور يربط المهرجان ودعمه بتنظيم مسابقات، والخضوع لما يسمى دفتر تحملات من مميزاته بناء المهرجانات السينمائية وفق نموذج موحد يجعل ما يخرج عنه من دون قيمة .مهرجانات عديدة تدعم من طرف لجنة دعم المهرجانات أو من جهات رسمية أو حتى من خواص كما لو أن سياسة الدعم خلقت من أجلها وهو ما يقال عن مهرجان مراكش و المهرجان الوطني و المهرجانات المنظمة بالصحراء كأمثلة…مهرجانات أخرى روعي في قيمة دعمها قرب منظميها أو بعدهم عن بعض لجان الدعم، وعن بعض المسؤولين في المركز السينمائي المغربي،في هذه المرحلة أو تلك.ما يؤسف هو أن تكاثر عدد المهرجانات الصغيرة يوهم بأهمية الدعم ، فيما الجزأ الأهم منه يوجه لمهرجانات الدولة و المؤسسة الرسمية ، لكن يغطى على ذلك بفتات يوزع على عدد كبير من التظاهرات الصغيرة، و أن في فتح باب الاستفادة من الدعم بكل أوجهه و لو كان ضعيفا فتح المجال أمان قناصي الاستفادة و الانتفاع الشخصي، فصارت قيمة المهرجانات و نوعيتها تقرأ انطلاقا من عناصر لا علاقة لها السينما و ثقافتها هي التغذية و الإقامة و السياحة و التعويضات،ما يمكن توفيره لبعض الذوات المشرفة عليها.

هذا الحكم لا يجب أن يعمم لوجود مناضلين و مكافحين بنوا تظاهرات في وجود دعم مقبول أو صغير أو غير كاف، و من دون دعم.أسسوا تظاهرات كبيرة أو صغيرة فيها الكثيرمن الصدق و العطاء و الإفادة ، لكن يظهر أن مد التنميط و فيضان البهرجة و الخواء قد يكرهها على الانمحاء و التوقف ، أو الخضوع للنموذج.

لقد صارت المهرجانات الفضاء الأهم الذي يمكن من ملاقاة الأفلام بعد انحصار عروض القاعات،وكان بإمكانها أن تشكل مدرسة حقيقية للتثقيف السينمائي، وتوسيع دائرة المرتبطين بالثقافة السينمائية لو تم بناؤها على تصور يربط المهرجانات بالثقافة و التكوين وليس بالمسابقات و تكريمات المجاملة و البهرجة و السياحة وصناعة وهم النجومية.

كثرة المهرجانات لم ترفع من الوعي السينمائي، ولم ترفع من عدد الكتب و المنشورات السينمائية ، و لم تنم منطقة ما تنظم بها ، وتخلق الكثير من الوهم بصدد وجود حركية سينمائية إلخ، يشبه التراكم العددي للمهرجانات التراكم العددي للأفلام المغربية، ففي القراءة الكمية لهذه الدينامية ، يغيب الأهم هو النوعي.

س:هل يمكن الحديث عن النقد في المغرب كممارسة ثقافية لها قواعدها و أسسها في غياب سينما وطنية مع العلم أن النقد ينمو ويتطور في حضن الإبداع السينمائي ؟

ج:النقد ممارسة ثقافية في البدء و المنتهى، ويتحقق بهذه الصفة في مجالنا الغربي، وأعتبر ما تراكم لحدود الآن بقيمة هامة لكونه صادر باسم أصحابه، وخارج أي دعم مؤسساتي، و نتيجة لمجهود شخصي من أصحابه تعلموا مشاهدة السينما و عشقها ، واطلعوا عل تاريخها ونظرياتها ، واستفادوا من تكويناتهم الثقافية و الأكاديمية في السينما و في حقول أخرى لإنتاج دراسات و كتب و مقالات لها علاقة بالسينما تدرج في مجالات النقد أو البحث أو المتبعة الصحافية.

الكتابة عن السينما التي تعنينا ، كتابة تعي نفسها ممارسة اجتماعية تسائل ذاتها في مساءلة السينما، وتقرأ في السينما هزائم الواقع.كتابة تعنى بمساءلة ما يعد يقينيات و مسلمات في حقلنا السينمائي ، وصدمها خدمة للسينما و للثقافة و لما يتكثف من أبعاد داخلهما.

ما يتوفر من كتابات لا يحتكم لنفس المنظور، ولا لنفس المنهج، و لا لنفس آليات القراءة و هذا ما يغني، الكتابة عن السينما ويعطيها طابع التنوع.في هذا التراكم ما يرتبط بالتأريخ و بالتنظير و بالتحليل و القراءة و بالمتابعة إلخ، وكل هذا مفيد.فيه ما هو متماسك لصدوره عن أسماء لها دراية ومتمرسة في المجال، ارتباطه بأسماء لها قيمتها في المجال، وفيه ما ليس كذلك لارتباطه بمبتدئين أو عابرين بالمجال، وهو ما نعتبره طبيعيا، لكن ما ليس كذلك هو أن تصدر المتابة عن السينما من خارج وعي يربطها باحتياجات المجتمع، وبعيدا عن ما يعد حاجة في منطق السينما و شرطها التاريخي الحالي.أسماء و كتابات وجدت دوما لتمجيد رؤى و سياسات و أعمال بئيسة، وتخدم السائد في الذوق و الإبداع. الكتابة عن السينما التي تعنينا ، كتابة تعي نفسها ممارسة اجتماعية تسائل ذاتها في مساءلة السينما، وتقرأ في السينما هزائم الواقع.كتابة تعنى بمساءلة ما يعد يقينيات و مسلمات في حقلنا السينمائي ، وصدمها خدمة للسينما و للثقافة و لما يتكثف من أبعاد من داخلهما.

السينما الوطنية مشروع للتبلور بشكل فاعل، وأعتبر ما تحقق من أعمال قوية في تاريخنا السينمائي إما يعد مؤسسا لهذا المشروع ،أو مؤصلا له، أو مجددا و محينا له. السينما الوطنية ليست جوهرا ثابتا، وليست مشروع يقال له كن فيكون ، بل هو صيرورة إنتاجية و إبداعية و علاقاتية، وما له علاقة بالتصور العام للممارسة السينمائية، الذي لم يتحقق بصيغة نموذج مكتمل في مرحلة ما، لكن أشياء عديدة تؤكد ما له علاقة به في المسار التاريخي لسينمانا.للأسف يربط الحديث عن السينما الوطنية بسياق تاريخي محدد، وبفهم مقلص لمعانيه، فيما يربطه التحديد الموضوعي بكل تاريخ السينما المغربية ، وربط ما هو محلي بما هو كوني، و ما هو خاص بما هو إنساني.

الكتابة عن السينما بالمغرب، ولنسميها نقدا أو بحثا أو شيئا آخر،لا نقصد بها ما يكتب عن السينما المغربية ، أو ما يكتب عن الأفلام و الإبداع السينمائي فقط ، بل ما يكتب باسم أسماء مغربية عن علاقات السينما مغربية كانت أو أخرى، وفي هذا نجد تراكما مقبولا و مفيدا من حيث تنوعه، واختلاف مرجعياته، وطبيعة انشغالاته،و ما يتأسس عليه من رهانات تهم السينما و الكتابة عنها عامة.أغلب ما كتب وصدر بصيغة إصدارات ودراسات تولد من داخل احتكاك فاعل بمشاهدة موسعة للأفلام، ومعرفة بتاريخ أفكار ونظريات وجماليات السينما و الثقافة و الآليات المنهجية إلخ، وبالانطلاق من متابعة تطور السينما المغربية. الكتابة عن السينما بالمغرب ولدها الارتباط العاشق بهذا الفن لمن يكتبون عنه، ومنطلق العشق هو المعايشة و الاحتكاك، ولا يهم أن تكون عندنا صناعة سينمائية أم لا ، كما لا يهم أن نسمي ما عندنا بأفلام أم سينما مغربية أم سينما وطنية ، الأساسي أن تراكما بقيمة بارز تحقق في مجال الكتابة عن السينما ، وهذا شيء جميل، و الأهم أن ما وجد من كتابات وفر للبعض متنا للدراسة و النقد، وأيضا لفهم بعض خصائص السينما المغربية.

الأهم أن كتابا يصرون على قناعة متابعة السينما ، والتفكير فيها باعتبارها ظاهرة ثقافية و جمالية ، وعلاقة اجتماعية قابلة للقراءة و التحليل و النقد، والأكثر أهمية هو إصرارهم على خدمة المجال بالاعتماد على إمكانياتهم وجهوداتهم الخاصة في التثقيف الذاتي ، و النشر و التوزيع و كل ما تبقى، و بالمناسبة أقول بئس دعم للثقافة و للسينما لا يضع ضمن أهدافه دعم الكاتب ومن يكتب الكتاب وليس جهة أخرى في مجال السينما و في بقية الحقول الأخرى.

س:ساهمت بكثير في إغناء المكتبة السينمائية بدراسات و بحوث حول الهم السينمائي و الابداع داخل هذا الحقل فماذا استنتجت من عملك و هل خرجت بخلاصات عن الوضع الحقيقي الذي يعيشه الفن السابع علما أننا نفتقر الى مؤسسات انتاجية و مشاكل على مستوى التوزيع ناهيك عن أزمة القاعات السينمائية التي تترجم فضاءلتها الى المقاهي و البنايات العليا ؟

س:الكتابة كما القراءة تعلمنا إعادة التأمل العميق، وإعادة النظر في ما يبدو يقينيا خاصة حين يتم ربط ذلك بالقناعات الفكرية الخاصة ، وبالمتعة.الارتباط بالسينما من مدخل متابعة عوالمها، والقراءة الكتابة عنها ، وإن أربك ارتباطي بالمسرح مجال تخصصي الأكاديمي و عشقي الآخر، فقد أفادني من حيث اكتشاف عوالم، والأهم الانغسال من الكثير من الأوهام،التقرب أكثر من مجاهل واقع و حقل يعج بالسماسرة و المتطفلين و قناصي الفرص و المتعالمين ومن لا قناعة أصيلة لهم إلخ.عرفت قيمة الصدق في المجال، وعنف الحصار الذي شغله البعض بتواطؤ مع الكثيرين ضد بعض الكبار و الصادقين الذين ارتبطوا بالمجال من مداخل القناعات الأصيلة و الرهانات الكبرى و الإيمان بالمسؤولية و التجاوب مع نداءات التاريخ و الشرط الاجتماعي.

ما علمتنا إياه العلاقة بالسينما هو أن الحقل عاش دوما إكراه تسلط المنظور الرسمي الذي عني دوما بتكريس السائد و فرض ثقافة القداسة وإخضاع الجميع لمركزية قراراته،لهذا أفنى غياب التوزيع و الاستغلال و الدعم و حرية التعبير آمال السينما المغربية في عقود سابقة، ولهذا فإن منطق السوقية و تنميط الإبداع و السياسات العامة في المجال و إغلاق القاعات و تمجيد الخواء “وتماهي مناصري التغيير بالأمس” مع المهيمن، وتثبيت التهافت قاعدة ونموذجا، يفني بقايا الأمل في المجال.لهذا يكون الدرس هو تصليب القناعة في مجالات الكتابة وتنظيم المهرجانات و تدريس السينما و الحديث عنها ، وتكوين الشباب من الموقع المضاد من صميم احتياجات المرحلة ، ومن صميم ما يمكنه إنعاش مجاري الأمل المتبقية، والمدخل لكل هذا هو ربط النقد بوظيفة الانغسال من الأوهام.

لا تعليقات

اترك رد