الاسلام .. التنزيل والتأويل


 

لم يتعرض موروث للتأويل كما تعرّض التراث الديني، وفِي المقدمة منه تراث الاسلام، حيث استنسخ المسلمون التجربة اليهودية كاملة في ابعادها الباطنية والتاويلية لدرجة بات فيها النص الاسلامي أسيرا لقراءات تأويلية طوال مسيرته التي اقتربت من الخمسمائة عام بعد الألف .
الاسلام التأويلي ماثل، فاعل، مؤثر، بينما الاسلام النصّي يعتريه غموض فظيع، يكاد ينبئ بغيبوبة تاريخية!

كل ما لدى المسلمين من اسلامهم اجتهادات تأويلية، لا تنتمي لروح النص الاسلامي الاول، ولا تستند لأي مقاربات تاريخية حقيقية، التاريخ الاسلامي تاريخ تعبوي ، وعظّي ، تاويلي وعقائدي، تاريخ مثيولوجي مفرغ من بشرية شخوصه لا يلتزم بالجغرافيا والزمن والفيزياء وحركة الحياة.

النص الاسلامي يشبه نبتةَ بلا جذور ولا أغصان ولا شجرة ولا ارض، نص مقتطع من ظروفه الموضوعية، مقتلع من أرضه وبيئته، وكأنه نصّ تجريدي لا علاقة له ببشرية انسان، وذلك لأسباب كثيرة اهمها تأخر مرحلة التدوين عن النص بنحو قرن من الزمن في اقل تقدير!

لا يوجد ارشيف وثائقي للنصوص الاولى في الاسلام، لا يوجد نسخ عن القران الكريم في زمن الرسول، لا توجد مدونات للحديث النبوي، لا يوجد تاريخ مكتوب عن سيرة حياة الرسول والمجتمع الذي ولد فيه، لا توجد اية وثائق أحفورية او لوحات او منحوتات او رُقُم طينية او اي شي مادي عيني يؤكد حقيقة ما يعتقده المسلمون اليوم، وكل ما لدينا سرديات شفاهية.

التدوين الاسلامي بدا بعد فتح خراسان ونهاوند، حين استعان الخليفة عمر بن الخطاب بموظفي الدولة الساسانية من الفرس على تنظيم سجلات الخلافة الاسلامية، لذلك بقيت وثائق الدولة الاسلامية باللغة الفارسية لمدة نصف قرن تقريبا، حتى تم تعريب الدواوين في زمن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان!

الاسلام تركيبة زرادشتية يهودية مسيحية ولغة نصوصه الاولى عبرية وسريانية وآرامية فضلا عن العربية اللغة الأم، كل ذلك يمثل تداخلا طبيعيا في الكيمياء الدينية، لكن غير الطبيعي ان تكون هذه الجوانب غير حاضرة في النتائج المختبرية للدراسات الاسلامية القديمة والمعاصرة، لا نجد في كتب التفسير والفقه استحضارا لهذه المؤثرات اثناء عملية تشريح النص الديني!

اسلام التنزيل ليس غامضا حسْب بل ملغومٌ ومأزوم، يتطابق مع الفكرة وضدها معاً ! ، اسلام التنزيل اشبه بقطعة أحفورية مثلومة ومتضررة، بحاجة لمختصين منصفين ومخلصين للتعامل معها بأعلى مستويات النزاهة والحرفية هادفين فك لغز هذه الأُحجّية المعقد.

بينما يتجاوز اسلام التأويل ذلك كله ويُخضِع النصوص لعملية تطويع معقّدة ومركبة بشكل مبالغ فيه، مثلا يأتي بالنص ( دون تحليل مختبري ) ثم يدعمه بسلسلة من العنعنات الرجالية ( روى فلان عن فلان عن فلتان .. الخ ) ثم يفترض ان هذه العنعنة تجعل النص حقيقة ثابتة وقطعية، ثم يبدأ بزج النص في سياق استنباطي يتم فيه توظيف اللغة والتاريخ المفترض والمضطرب ثم يبدأ بإقحامه في إطار استدلالي معقد عبر آليات المنطق الأرسطي ومتاهات علم الكلام واصول الفقه وعلوم وقواعد فقهية تشبه الى حد كبير معامل تدوير الزجاج والبلاستيك، تبقي المكونات الرئيسة للنص حاضرة لكنها تصبّه في قوالب تمثل رؤية رجال الدين.

الآية القرآنية التي تقول ( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) المائدة – الآية 44 وهي بصدد الحديث عن انساق التدين في الديانات الإبراهيمية واستدعاء التراث المشترك في إثبات عضوية الاسلام لهذه الأسرة اللاهوتية، لكن الاسلام التأويلي افرغ هذا النص من روحه ومضمونه، واقتطعه بطرق تجزيئية قاهرة ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ليستخرج منه معنى تسبب بتجنيد الاف الإرهابيين للقتل المقدس باسم الله ، حين اقنع المسلمين ان الناس الذين (لا يحكمون) بمعنى (لا يقيموا احكام الشريعة) في حياتهم اليومية، فان أولئك كافرون لأنهم حكموا بحكم غير الحكم الذي شرعه الله، وهو لعمري تجن بشع وتشويه ظالم، وهذا انموذج تماثله شواهد اكثر فظاعة لا يناسب سردها طبيعة المقال.

اسلام التأويل متحكم في تشكيل الفهم المجتمعي لدى المسلمين، وهو النظارات التي ينظر من خلالها المسلم للإسلام والحياة، لدرجة ان رجل دين صديق جمعني به يوما نقاش حول عصمة الانبياء، كان يقول ان آدم لم يعص الله بل ترك الاولى، رغم ان القرآن يؤكد بوضوح ( فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ) طه – الآية 121 فهل شيوخ التأويل اعرف بالاستعمال اللغوي لكلمة ( عصى ) من صاحب القران؟!

العودة من اسلام التأويل الى اسلام التنزيل كفيلة بان تفرز تصورات مختلفة عن الاسلام، هذه العودة توفر فرصة مهمة لتكوين تصورات جديدة عن الحياة وفق المعايير الاسلامية الجديدة، فرصة لعصرنة الاسلام وتحديث مناهجه.

لا تعليقات

اترك رد