سقوط «عقدة الخواجة» عراقياً!!


 
الصدى - عقدة الخواجة

عبارة (عقدة الخواجة) مترحلة الينا من اخواننا المصريين، والخواجة هو الشخص الاجنبي، الذي كان بعضنا وما زال يتصاغر امامه، لشعوره بأنه اكثر منه علما واناقة، ومن بلد متقدم على بلداننا، وهذا ما يجعله اعلى مرتبة منا، ويفرض علينا احساسنا هذا ان نتعامل معه باحترام ونتمنى ان نكون مثله، وكيف لا وهو صاحب الوجه الاشقر والشعر الاحمر ويرطن امامنا بكلمات لا نفهمها!.. وللحق علينا ان نعترف بأن هذا الشعور ما زال مستشريا بيننا بشكل او بآخر، وان لم يصرّح به اكثرنا.

في العقود الاخيرة، تفاقمت لدينا، كعراقيين، عقدة الخواجة واخذت اشكالا مختلفة، لاسيما بعد الحصار الاقتصادي الذي كرّس بداخلنا شعورا مؤلما، بأننا بلد تخلف عن العالم في كل شيء، بما في ذلك مستوى المدنيّة التي تراجعت بشكل غير مسبوق، وصارت هذه العقدة غير مقترنة بالاجنبي او الاوروبي وحده، وانما حتى بالعربي المجاور ونحن نراه متنعما بحياة افضل من حياتنا المجدبة، وبلده الذي كان عبارة عن خيم وسط الصحراء، بات افضل من بلدنا بكثير من التفاصيل الخدمية والحضارية. ومن ثم تطورت هذه العقدة التي ظلت تحكم عقولنا وتتحكم بتصرفاتنا بصمت تجاه الآخرين، وباتت هذه المرة تجاه اخواننا العراقيين ممن عاشوا في الخارج لأسباب مختلفة، وتهيأ لهم ان يزوروا بلدهم سواء في التسعينيات، ابان الحصار، او بعد الاحتلال، حيث كانت هذه العقدة بارزة في سلوك اغلبنا، وان لم نفصح عنها بشكل مباشر، فما ان يأتي اديب او مثقف عراقي من الخارج في زيارة للعراق، تتحول زيارته الى مهرجان يجمعنا به، اذ تقام له الجلسات وتقال بحقه كلمات الاطراء والاعجاب، سواء كان يستحقها او لا يستحقها، لا لشيء سوى انه جاء من الخارج! ولكن اخطر انواع تلك العقدة هي تلك التي تمثلت بالنظرة الى السياسيين الذين عادوا بعد نيسان 2003.. ولا نذيع سرا عندما نقول ان البعض منا كان ينظر الى كل واحد منهم كما لو انه زعيم الدولة الاوروبية التي اتى منها، وصار المعجبون بهؤلاء القادمين بشعارات الديمقراطية والحرية يماهونهم برموز عالمية أسست لحضارة الغرب التي ستحل بيننا، ما ان يثبت هؤلاء القادمون من هناك اقدامهم في السلطة ويقيموا الدولة الموعودة التي ستجري وسطها انهار اللبن والعسل! ولعل من الامور التي اتذكرها من جلسات الاصدقاء قبيل الاحتلال، انهم رسموا صورا اقرب الى الخرافية لشكل المؤسسات التي سيقيمها هؤلاء (الخواجات) العراقيين، بعد ان اندمجوا في الحياة الاوروبية وتشربوا حضارتها الحديثة، والتي سيرضعوننا اياها دفعة واحدة بعد عودتهم، وستكون لدينا بفضلهم دولة اوروبية تضاهي امم اوروبا ونباهي بها الدول العربية التي توجست من تجربتنا الفريدة!.

لم يطل الوقت ولم تمض سنين طويلة، حتى انكشف الامر، وصارت اوراق التوت الحضارية والمدنية الزائفة، تتساقط بشكل مريع من على جلود هؤلاء التي اخذت تتكشف امامنا وتظهر على حقيقتها، فهي لم تعد تشبه جلودنا، لانها تعرضت لعوامل تعرية قاسية هناك فتشوه الكثير منها او كلها، وايضا لم تشبه جلود الناس في الدول الاوروبية التي اتوا منها، وبذلك صرنا لم نعرف لهم شكلا يدلنا عليهم او يوهمنا بأنهم كانوا يشبهوننا يوما ما.

لقد عاد هؤلاء وهم محملون بأفكار وخطط لم تخطر على بال الشيطان الذي ظل يسعى لتدمير العراق طيلة عقود من عمر الدولة العراقية الحديثة ولم يفلح .. نعم جاؤوا وهم يحملون مخططات التقسيم بدلا من الوحدة، واشاعوا امراض الطائفية والعرقية وحولوا ابناء الشعب الى طوائف ومكونات، ونصبوا انفسهم حماة لها! والاخطر من هذا وذاك، انهم برعوا بشكل لم يألفه العراقيون وغير العراقيين بسرقة المال العام، وتفريغ العراق من مصادر قوته الاقتصادية، وافقار الناس الذين باتوا في عراء العملية السياسية الشوهاء هذه، يتبادلون النظرات الى بعضهم وهم مشدوهون من هؤلاء الذين اثبتوا ان (الخواجة) هي فعلا عقدة وهمية عششت في عقولنا لزمن غير قليل، وان هؤلاء، سواء كانوا ساسة او مثقفين ممن اوهمونا او اوهموا بعضنا بأنهم منقذون ليسوا ابدا افضل منا او اكثر كفاءة وثقافة ووطنية، كما كان بعضنا يظنهم ويفضلهم على نفسه، قبل ان ننتبه جميعا الى حجم الخراب الذي كان مصدره الاول استسلامنا لـ (عقدة الخواجة) التي باتت اليوم في ذمة الذاكرة وسلة النفايات!!.

لا تعليقات

اترك رد