مدى انعكاسات الأزمة السورية التي لم يقتصر تأثيرها فقط على العرب

 

مدى انعكاسات الأزمة السورية التي لم يقتصر تأثيرها فقط على العرب
بل كذلك على بزوغ الشعبوية في أوربا رغم أنها لم تبلغ ذروتها حتى الآن

في مقابلة أجريت مع رئيس الوزراء البريطاني السابق بلير مع مجلة ( جي كيو ) وصف بلير ما جرى في سوريا بأنه وصمة عار في السياسة الخارجية الغربية مشيرا إلى أن الغرب أخطأ في فهم الشرق الأوسط، ويذكر بلير بأن ما حدث في العراق وأفغانستان قبل ما يسمى الربيع العربي بأن تم إنهاء الديكتاتورية ولكن بدأت المشكلات لاحقا بسبب عدم التمكن من تطوير سلطة انتقالية.

ينتقد بلير ما يجري في سوريا وليبيا في إصرار الغرب على رحيل الأسد ولكنه لم يجعله يرحل لاحقا ومن ثم كان لا مفر من الحرب الأهلية ثم جاء الروس ومن قبل الإيرانيين وكل طرف لديه أجندة خاصة اعتبرها بلير وصمة عار في السياسة الخارجية الغربية.

وينوي بلير مواجهة بريكست قاسية تأتي بعواقب وخيمة على البريطانيين بسبب أن رئيسة الوزراء تيريزا ماي مصممة على تحقيق بريكست بصرف النظر عن الثمن والتي ستخفض مرتبة بريطانيا وتنقلها من المرتبة الأولى إلى مرتبة ثانوية، ويريد بلير مناهضة الشعبوية والتشجيع على تجديد الوسط.

الأزمة السورية امتدت إلى أوربا جعلت السحب القاتمة تحوم على رؤوس الأوربيين الذين يؤمنون بقارة متحدة ومتسامحة ومنفتحة، وبدا القوميون والشعبيون أنصار تيار اليمين كأنهم يسيرون في الركب والتي تنذر ببداية تداعي المشروع الأوربي، فالجبهة الوطنية التي تنتمي إليها لوبان تمكنت من إضافة 1.2 مليون ناخب لنتائج الجولة الأولى عن جولة عام 2012، وحزب الحرية الذي ينتمي إليه فيلدرز يحوز الآن على 20 مقعدا في البرلمان الهولندي مقارنة بخمسة مقاعد في عام 2012.

نفوذ اليمين المتطرف يتجاوز مراكز الاقتراع لكن بدأت تسود اللغة الازدرائية التي لم يكن أحد يستسيغها من قبل في اتحاد شكلته أزمة الحربين العالميتين بل باتت الاعتداءات التي يشنها متطرفوا اليميني في تصاعد مستمر، ففي ألمانيا ارتفع عدد جرائم الكراهية بمعدل 10 اعتداءات يوميا في 2016 وجميعها تستهدف اللاجئين والمهاجرين.

تعاني أوربا من العودة إلى الوطنية الضيقة والانعزالية لكن في الوقت نفسه هناك تيارات وأحزاب تقليدية حولت خطابها صوب اليمين وحقق نجاحات وإن لم تكن كبيرة.

هناك كثير من المحللين يراهنون على ماكرون الذي أظهر عاطفة تجاه وحدة القارة والتعددية الثقافية دون استحياء وامتدح المستشارة أنجيلا ميركل التي قال عنها بأنها أنقذت كرامة الأوربيين جميعا عندما فتحت أبواب بلادها أمام جموع اللاجئين الفارين من بلادهم فيما أكد في حديثه عن الاتحاد الأوربي قال نحن أوربا نحن بروكسل.

يراهن كثير من المحللين على هذه اللغة التي ستؤتي ثمارها عندما يعود الناخبوبن إلى مراكز الاقتراع، مثل هذه اللغة كانت غائبة تماما خلال حملة بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوربي قبل الاستفتاء للخروج ( بريكست ) حيث استشعر القادة الخجل من إبداء ذلك الدعم العاطفي للاتحاد الأوربي وبدلا من ذلك حاولوا الارتكاز والاعتماد على الأرقام والحقائق التي لم تكن ذات فائدة في إقناع المستفتين.

أنجيلا ميركل التي تقود الاتحاد الأوربي تحذر بريطانيا من مضيعة الوقت وتتوقع مفاوضات صعبة تشمل حقوق الأوربيين في بريطانيا وكلفة الخروج ويعتمد الاتحاد الأوربي استراتيجية ثلاثية المحاور للتفاوض مع لندن ستجعل البريطانيين يندمون على خيار ( بريكست )، ما جعل تيرزا ماي تصف تسريبات من أن خروج بريطانيا يمثل خطرا على الصناعة النووية بأنه ثرثرات مصدرها بروكسل، رغم ذلك هي تتخوف من تكتل الاتحاد الأوربي ضد بلادها.

لذلك نجد أن دونالد توسك رئيس مجلس الاتحاد الأوربي إن أحد المبادئ التوجيهية المقترحة للمفاوضات المتوقعة مع بريطانيا حول الخروج من عضوية الاتحاد هي فكرة النهج التدرجي، وفي رسالة إلى قادة دول الاتحاد الأوربي ال27 قبل قمة تعقد في بروكسل لتناقش خروج بريطانيا قال توسك إنه قبل مناقشة مستقبلنا علينا أو تسوية ماضينا يقصد توسك أن المسألة لا تتعلق بتكتيكات فحسب ولكن يجب النظر إلى الإطار الزمني المحدود.

طالب توسك بريطانيا بتسوية مسائل أساسية أولا هي الناس والأموال وايرلندا قبل بدء محادثات بشأن التوصل إلى اتفاق تجاري بعد بريكست، أي أن بريطانيا تحقق تقدما كافيا حول الطلاق من الاتحاد قبل الحديث عن علاقات مستقبلية بعد حرب كلامية جرت بين تيرزا ماي وانجيلا ميركل بشأن المفاوضات التي من المقرر أن تستمر عامين قبل خروج بريطاني من الاتحاد الأوربي في مارس 2019 حيث حذرت ميركل بريطانيا بأن عليها ألا تتوقع الحصول على الحقوق نفسها التي تتمتع بها الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي بعد بريكست منتقدة بعض أوهام لندن الحالية، حيث هناك ثلاثة ملايين مواطن أوربي يعيشون في بريطانيا ومليون بريطاني يعيشون في دول الاتحاد الأوربي وفاتورة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي تقدر ب60 مليار يورو، رغم أن أوربا تسعى نحو التأكيد على أنها تريد علاقات شراكة متميزة مع بريطانيا دون المساومة على قواعد السوق الأوربية المشتركة.

لا تعليقات

اترك رد