حرية الرأي في العالم العربي ودور المثقف العضوي


 

المثقف العضوي، مثقف يؤمن بأفكار حرة مدنية، لكنه أيضاً عملي بوعيه العملي المنفتح على شؤون الناس، هو ميداني بالسلوك أكثر مما هو مثقف نظريات حالمة بالتغيير من وراء صفحات الكتب، على طريقة أهل ومثقفي اليسار –وغيرهم- الذين ما فتئوا يحلمون بالتغيير الواسع والجذري والانقلابي) من خلال تدبيج النصوص ومراجعات الكتب ورومانسية النظريات الحالمة، حتى باغتتهم الأحداث والتغيرات والمستجدات الكونية وأصابتهم في مقتل.

إذاً، المثقف العضوي هو رجل فكر وعقلانية واقعية أكثر مما هو رجل تأمُّل وتفذلك فلسفي غير منتج.. وكثير من دول وحضارات العالم التي نجحت في مساراتها الحياتية والعمراني الفردية والجماعية، كان لهذا المثقف دور مهم وحيوي في نهضتها وحداثتها وعمرانها المعنوي والمادي، حيث تمكنت من تثبيت مبادئ حقوق الإنسان وتنظيم الحريات العامة والخاصة وبناء آليات الحكم الديمقراطي المدني التعددي القائم أساساً على معيار جوهري هو قيمة الحرية وأهمية “الإنسان-الفرد” باعتباره نواة أي فعل وحضور وتطور وازدهار، فهو غاية الغايات ولا شيء سواه قادر على تحقيق الوجود الفعال والمؤثر.
من هنا:

المثقف النقدي (العضوي) الحقيقي ليس هو ذاك الذي يسكن في الأبراج العاجية العالية بعيداً عن واقع الناس وهموم المجتمع ومشاغل أفراده على كل المستويات والأصعدة، وليس ذاك الذي يكتب وينتج خطابات فكرية أدبية وغير أدبية من خلال نشاطه العقلي والذهني، ليكتفي بتضخيم نتاجاته النظرية (تنظير وحكي وقيل وقال…)، بل هو المثقف الميداني الذي يؤدّي دوراً اجتماعياً ووظيفة حياتية مجتمعية غاية في الأهمية والحيوية (ولنقل عنه: دوراً طليعياً لا نخبوياً) يحرضه للدفاع عن المبادئ الإنسانية، وحقوق الناس المدنية، وتعزيز مناعة المجتمع في مواجهة الفساد والحرمان والتسلط والظلم الاجتماعي وتغوّل مختلف مواقعه وامتداداته ومظاهره الفردية والعامة، بعيداً عن الفوضى والعبثية واللا جدوى.. وبما يؤدي إلى خلق قوى اجتماعية حية قوية وقادرة على منع الإساءة لقيم الدولة المدنية (من عدل ومساواة وغيرها)، والتصدي بقوة للتلاعب بمقدراتها واستنزاف وسرقة مواردها وطاقاتها.

هذا هو المثقف النقدي الحر (المتمرد بطبيعته على واقع الاستحكام والهيمنة والاستلحاق) والذي لا يمارس أية وصائية فكرية على أحد، بل هو مثل باقي أفراد المجتمع، منضبط ومنتظم ضمن منظومة حقوق دستورية قانونية يخضع لها، ويدافع عنها لأنها تحقق مصلحة المجموع العام.. وعندما تذهب الحرية (وهي المبدأ الجوهري الذي يدافع عنه هذا المثقف باعتبارها قيم القيم)، وتذهب معه العلاقات الانسانية الاجتماعية وغير الاجتماعية.. فما قيمة أي شيء آخر في الحياة؟! ما نفع الوجود كله؟ ما معنى الحداثة والعمران والتغني بالشعارات الجميلة الفضفاضة والواسعة؟!.. ما هو معنى الحجر والشجر والطبيعة الجميلة الغناء والمعاني العذبة والصافية؟!. ما معنى أن تسافر الى أروع الأماكن وأجمل بقاع الدنيا، وتحوز على أرفع الجوائز، وتحقق أعلى وأميز المطالب والأمنيات والغايات الكبرى.. ولكنك أنت في داخلك حزين بائس تفتقر للراحة والسكينة والتصالح مع الذات؟!.

بطبيعة الحال الإنسان-المثقف الحر الواعي والمتوازن المنسجم مع ذاته، هو من يضفي ويعطي للوجود كله، معناه الحقيقي، بوعيه العقلاني، وفكره النيّر الرصين، وارادته الحية الفاعلة، وعطاءاته العملية المميزة، وسلوكه الحضاري النبيل.. فهل إلى ذلك من سبيل حالياً؟!!..

للأسف، الإجابة سلبية حتى اليوم في هذا العالم العربي الذي يلّفه الحزن والسواد على وضع الإنسان، ووضع المثقف وقيمة الحرية التي يرفع لواءها رغم الصعاب والأهوال… إذْ كيف نريد للشجر الجديد (شجر الفكر والعقل والمدنية والتطلع لبناء دول الحق والعدل والمساواة كقيم نهائية) أن ينمو ويثمر في أرضٍ يباب، ما زالتْ تربتها مالحة، وماؤها صديد، وتعج فيها المستنقعات الآسنة..؟!! في ظل ما قامت (وتقوم به) نخب الحكم العربي من ممارسات سلطوية، تهيمن من خلالها على كافة مواقع المجال العام، فكراً وسياسة، واجتماعاً واقتصاداً، لتمنع بموجبه المثقف من ممارسة رسالته ودوره في النقد والمساءلة، والإشارة إلى مواطن الخلل والاهتراء والتفكك التي تظلل وجودنا العربي.. بما جعل كثيراً من مثقفينا مجرد منفعلين بالأحداث، هامشيين وتابعين لرحل السياسة، بدلاً من أن يكونوا عناصر فاعلة وقوية في أي مشروع نهضوي مجتمعي عام.
إن الخوف من كلمة المثقف الحر، هو خوف السلطات الوجودي والمصيري من قوة حضور هذه الكلمة (النقدية الحرة)، وشدة وقْعها وتأثيرها على الرأي العام والمجال العام.. ولهذا تشتغل (تلك السلطات) على تشويه الوعي، وتحريف الوقائع، والتلاعب بالرأي العام، والضغط على المثقف لمنع قول الحقيقة، وهذه أمور من أصعب ما يمر على الاجتماع البشري، نظراً لفاعليتها المؤثرة سلباً على حياة الفرد ومستقبله.. خاصةً في مجتمعات متخلفة كمجتمعاتنا العربية.. وهنا يلعب الإعلام (الموجّه) أكثر الأداور سلبيةً وعدمية نتيجة انحيازه للرأي الواحد والفكر الواحد..!!.

لا تعليقات

اترك رد