التشكيلي فيصل لعيبي – ألوان تستفز المخيلة وتستدعي المكبوت


 

تتأصل تجربة ( فيصل لعيبي ) التشكيلية بين مقولات افلاطون في فهمه للفن وفلسفته وعمق المعنى وايمانه بالصورة والنحت على انها مكون تجريدي ظلي للحياة كما في مقولته اي –افلاطون – ( ان الذي أقصده بجمال الاشكال لا يعني مايفهمه عامة الناس من الجمال في تصوير الكائنات الحية ، بلأقصد الخطوط المستقيمة والدوائر والمسطحات والحجوم المكونةبواسطة المساطر والزوايا , واؤكد ان مثل هذه الاشكال ليستجميلة جمالا نسبيا وانما جمالها مطلقا ) هذه الحقيقة الفلسفية والجدلية مازالت قائمة لحد الان ، والمقولة الاخرى التي تتماهى معها رسوم ( فيصل لعيبي ) هي مقولة ( نيتشه ) كما يشير الى ذلك (معزوز عبد العالي ) في دراسته (فلسفة الفن عندنيتشه وهيدجر ) (إن الفن هو قلب العدمية، والانتقال من إرادةالنفي إلى إرادة الإثبات (V/d’affirmation):
إثبات مفارقات الحياة وتناقضاتها، وتحويلها إلى ظاهرة فنية وجمالية خلقيةبأن تعاش ويعمل في إطار هذه الاستراتيجية على ابتداعونحت كوكبة من المصطلحات موجهة للقضاء على إرادة النفي: النشوة، المرح، الرقص، الضحك. “أيها الناس الممتازون تعلمواإذن الضحك”. الفن يجعل الحياة ممكنة بل وجديرة بأن تعاش،إنه خلاص (Salut) ولكن ليس بالمعنى المسيحي طالما أنه ليسهروبا من رعب الوجود وعبثه: خلاص ليس بمعنى التعلقبحقيقة ما فوق الوجود الحسي وإنما بمعنى تحويل رعبالوجود وعبثه إلى مظاهر فنية يكون بموجبها هذا الرعب جميلا،وهذا العبث سخرية وضحكا، وهذا الألم انتشاء ) .

هنا تكمن تجربة التشكيلي ( فيصل لعيبي ) التي رسخت الواقعية الفنية الحسية بتمثلاتها ودلالاتها الاجتماعية والسياسية حيث اتخذت من موضوعات الحياة اليومية تراجيديا سوداء ودعوة الى الابتسام بخوف وقلق ، وما آلت اليه الظروف المأساوية التي عاشها المواطن العراقي والعربي على حد سواء من قهر واستلاب ومصادرة لإرادته وحقه الحياتي وأجبر أن يخوض حياة غير الحياة التي يتمناها ويحلم بها ، بل سيق الى حروب عبثية وحياة قسرية ،

جردت فعله الانساني ومسخت وعيه ودوره بالمشاركة في صناعة التاريخ الانساني المشرق ، وحولته الى آلة ميكانيكية خانعة لها ، وأحالته الى انسان مسلوب الارادة والحرية والقدرة على الفعل الجماعي ، واتخذت من ذاكرته وعاء تسجيليا لموروثها القائم على تمجيد الاحادية والطغيان والتسليم له ولإرادته وللمصير الذي أوقعه به دون مقاومة ، وتراه يقول لعيبي ( نحن الجنوبين عندما نزور بغداد وكأننا هبطنا الى قارة أخرى ) وهو يصور حجم المأساة والقهر الذي يعانيه أهل الجنوب وكأن بغداد في حينها تعيش عصرا آخرا يختلف عن باقي مدن العراق ، أي بمعنى ان مدن العراق غير متساوية في نظرة الزعماء وهناك فروق مجتمعية وطبقية بين مجتمعات الشعب العراقي الواحد وكأنهم ينظرون الى الأخر بازدراء ، لهذا تركوه مهمشا مفتقرا الى أبسط سبل العيش والحياة الكريمة .

لهذا يصور لنا ( لعيبي ) في مختلف مراحل حياته الفنية وقائع ومشاهداته اليومية ولما يعانيه الانسان العراقي والعربي فهو يرسم حجم الخراب الذي تركته الحروب على المدن وعلى الطبيعة وعلى الانسان فيقول (المدن مثل الانسان أيضاتشيخ وتموت …​

فأنظر للطرق والبيوت والازقة وخاصة المدن الاسلامية فقد شوهت صورتها وتاريخها وفقدت روحها …
المدن القديمة هي حيوات خاصة مثل القسطنطينية وعنابة فيهانشاط روحي ومشاعر جميلة بلا نفعية ) ، لذا نجده يستحضرالمدن المنسية التي تركت مهملة وسلخت هويتها الحضارية واشراقتها وضحكتها مما أصابها العبث الممنهج بفعل الاهمال ، وتحولت المدينة الذاكرة بمكوناتها الجمالية التراثية كالمقاهي والدكاكين الصغيرة للحرف اليدوية والازقة الضيقة والشناشيل التي تزين واجهات البيوتات كقطع نحتية فقد أحيلت بفعل ماكنة التدمير والعمل العشوائي الى بيوت خراب تجتاحها المواد البنائية الصناعية كالصب والخرسان والابواب والنوافذ الحديدية التي شوهت منظرها وشوهت ذائقة أبنائها فيقول بحرقة ( بغداد هي الأجنحة التي طرت بها الى العالم )

ويقصد هنا عندما ترك وطنه وغادره الى اوربا فاصطحب معه ذاكرته عن مدن العراق الجميلة وعاصمته مدينة السلام والجمال وعاش في ظل هذه الذاكرة اليقظة وسجل حياته وقصصه وحبه الاول الذي شاركه فيه صديقه ( نعمان ) اللذان عملا معرضا فنيا مشتركا لكي تحضر حبيبتهم وتشاهد ما رسماه لها ، هذا الحب العفوي الصادق البريء للاثنين كانا يعيشانه دون معرفة حبيبتهما .

آمن ( فيصل لعيبي ) بالمرأة كآلهة تستمد ألوهيتها من خصبها وشفيف روحها ، اتخذ من عنفوان ثديها فرشاة تلون حياته وكائناته وشخوصه ، سطعت هالاتها على فضاء لوحاته وتشكلاتها مما أعطاها بعدا وجوديا فصيحا ، أدهشت ناظرها وأجبرته أن يقف أمامها خاشعا لألوانها الصاخبة النورانية الكثيفة لتعلن عن ذاتها بذاكرة يقظة وحية ومتجذرة في وعيه ومهيمنة على فكره بذات الوقت ، وبفطنة فنان محترف وواع لما يريد أن يجسده أو ينحت فيه باللون والفكرة والاسلوب وقد شاكست مكبوت الرجل الشرقي المغرم والوله للمرأة ولخصبها الانثوي ، لذا جاءت رسوماته مختلفة عن السائد متميزة عن الآخر أو عن أقرانه .

( فيصل لعيبي ) رسوماته توثق الجمال للأثر والتراث والواقع اليومي وللخزان المعرفي لديه ورؤياه للوجود ونظرته للتاريخ والمستقبل ، انها ذاكرة حية تثير الاسئلة ولا تتوارى خلفها بل تضع اجابات ورؤى صريحة لها وواثقة ومتحدية للوجود والفناء وحلولا لألغازها وأسرارها وغموضها ، وتفصح عنمضامينها وفلسفتها : بأن الخلود فيها ليس بالبحث عن عشبة نبتت بالبحرين أو في غابات الأرز أو ورقة قات اخضرت في اليمن ، بل هي قدرة الانسان على تلقيها بصدق وتفاعله معها بالفرح والحزن والأمل ، وكذلك مقدار صدقه معها ومع ذاته ومع الآخر ، واخلاصه لكل دقائقها ، والسعي لترك أثرا فيها …

عندما تنظر الى شخوص لوحاته تجد روح الدعابة والفكاهة وهذا مرده الى أمرين : الأمر الاول اشتغاله لفترة طويلة برسم الكاريكاتير ومن متطلباته أن تطغى عليه روح المرح والمشاكسة في أغلب الاحيان ، وقد تكون هنا الدعابة هي سخرية أو امتعاض من واقع ما ، والأمر الثاني : هو تصوير لملامح الشخوص التي عاشت معه في حياته وتفاصيلها من أجواء مرحة بسيطة شعبية تركت أثرا في نفسيته ووجدانه ومازالت عالقة لحد هذا الوقت في ضميره .

يستخدم التشكيلي ( فيصل لعيبي ) اللون الناصع والمكثف والمضيء فتجده في أغلب لوحاته وكأنه يستدعي الذاكرة الشعبية الحياتية ويستدعي الواقع المعاش في زمن مضى لكي لا تسرقه الغربة وتذيبه بفعل الالم ، فلوحاته تعبر عن حنين وعاطفة كبيرة للموروث القديم وللحياة التي تركها خلفه وهاجر ليكتشف ذاته وابداعه وليتعرف على عوالم ليس عوالمه لكي تضيف الى خبرته وموهبته ، وليطلع على عظام الفنانين ويتعرف على تاريخ الفن بالدراسة والمشاهدة ،

لكن لم نلحظ على ( فيصل لعيبي ) ميوله وتشبثه لأسلوب فني بعينه وانما رسم بمختلف الاساليب والمدارس الفنية التشكيلية وجرب الكثير منها حتى أصبحت لوحاته تعبر عن اسلوبه الخاص الذي لا يختلف عليه اثنان بان لوحة لعيبي تفصح عن هويته ولا تشبه أحدا من خلال ألوانها وتكنيكه والحركة الايقاعية لشخوصه .

لا تعليقات

اترك رد