في الديمقراطية ومناهج البحث فيها وما له صلة !! – ج١


 

منهج البحث :
سوف تكون هذه المقالة مطولة بعض الشيء وعلى عديد من الحلقات .
ليس من السهل الحديث عن مفهوم واسع وعميق في الحياة الانسانية المعاصرة مثل الديمقراطية باعتباره الحل الامثل لمشكلة الحكم وادارة الشأن العام بشكل شامل دون نقص ؛ احدى اهم جوانب صعوبة الامر هو تداخل المفاهيم مثل الديمقراطية والليبرالية والعلمانية ، لانها شكلت من جهة مفاهيم منفصلة عن بعضها ،لكنها ارتبطت مع بعضها في منظومة المعسكر الغربي الراسمالي ( خلال الحرب الباردة خاصة ) في نسق واحد حتى بدا وكان وجود احدها شرط لوجود الاخريين من جهة ثانية . يزيد من الصعوبة انها مفاهيم متشعبة تصل مدارسها الى حد التناقض ويصبح الوضع معقداً عندما يتصدى للبحث فيها او الحديث حولها من لم يمتلك أساساً مايكفي من التاهيل المعرفي اللازم لذلك .

تزداد الإشكالية تعقيداً عندما ننزل الى الواقع فنرى ان جزءاً مهماً من عالم يضم حوالي ملياري إنسان هو العالم الاسلامي وفي قلبه العالم العربي ما زال خارج نطاق هذا التوجه الذي يضم اغلب دول العالم ( حوالى ١٢٠ دولة ).

ان بلداً مثل ميانمار ، بدا لفترة طويلة من الزمن خارج اي احتمالية للخضوع لموجة الديمقراطية ، يبدو اليوم في طريقه للخضوع لها وان بخطى بطيئة وربما قاصرة ولكنها تسير في الاتجاه المؤدي الى الهدف .
هنالك بلا شك قدر من التعميم في هذا التلخيص المجرد ، فهناك تجارب مؤمِّلة في بعض الدول الاسلامية مثل ماليزيا وإندونيسيا وتركيا وبنغلاديش ، كما نجد في قلب نخبة الحكم في إطار نظام إسلامي – ثيوقراطي مثل نظام الجمهورية الاسلامية في ايران تجربة سياسة تستخدم أدوات ديمقراطية . في جانب اخر نرى تطوراً مهماً داخل المنظومات الفكرية والحوارات الداخلية لحركات الاسلام السياسي في بلدان عربية واسلامية تؤكد انحيازها واستعدادها للالتزام بلعبة سياسية تتم تحت مظلة الديمقراطيه ؛ لقد اقترنت في مواقف هذه الحركات الاقوال بالافعال في حالات كثيرة : في پاكستان يشارك حزب الرابطة الاسلامية بفعالية في الحياة السياسية وفق قواعد اللعبة الديمقراطية رغم تعرضه لانقلاب عسكري في السابق ، وفي المغرب فاز حزب العدالة والتنمية بانتخابات ديمقراطية وهو يمارس الحكم وفق الدستور ، وأبدى حزب حركة النهضة التونسي التزاماً واضحاً بالنظام الديمقراطي الوليد في البلد . في مصر أسفرت موجة الاحتجاجات الشعبية مطلع عام ٢٠١١ عن الشروع في تجربة ديمقراطية فاز الاخوان المسلمون خلالها بعدة جولات انتخابية بضمنها رئاسة الجمهورية حتى أزيحوا عن السلطة ، وهنالك عدد اخر من الأقطار العربية والإسلامية وحركات الاسلام السياسي تشهد توجهاً نحو تبني أنظمة وبرامج سياسية تتجه نحو أنظمة انتخابية في مستويات مختلفة ؛ هنالك اذن توجه واضح نحو نوع من التالف بين بعض المجتمعات والحركات السياسية الاسلامية وأنماط الحكم العصرية وفي مقدمتها الديمقراطية وأصبحت جميع الاتجاهات الاخرى تصنف على انها حركات ارهابية .

رغم كل ذلك مازالت توجد في قلب العالم العربي – الاسلامي دول رئيسية لها رمزية خاصة في إطاره تعاني من تخلف مركب في هذا المجال . اضافة الى قضية عدم مواكبتها لتقدم العالم وفق معايير الحكم الرشيد وتفشي موجة فساد غير مسبوقة نتيجة ذلك ، فان مشاكل اخرى ذات طابع ثقافي – اجتماعي تطرح نفسها بقوة مثل قضايا الحداثة والتخلف والبعد عما اصبح يعرف بقيم التنوير وهي مشكلات لايمكن عزلها عن قضية الديمقراطية .

لقد اصبح من المألوف يومياً ان نسمع السؤال التالي : هل نحن العرب او المسلمون بشكل عام صالحون كشعوب للديمقراطية بمعناها العام باعتبارها حكم الشعب ووفق آلياتها المعروفة مثل الانتخابات لاختيار شاغلي مواقع السلطة مع مايترتب عن ذلك ويؤمن تطبيقه بشكل سليم مثل الاحزاب السياسية والصحافة الحرة المستقلة وحد أساسي من الحقوق الاساسية للأفراد والمساواة بينهم على اساس مبدا المواطنة ؟ ان كنّا كذلك فلماذا وجدت ظاهرة تسمى الاستثناء العربي او الاستثناء الاسلامي ؟ هل تشكل العقيدة الدينية عائقاً امام التقدم نحو الديمقراطية وهل ان تسمية الاستثناء العربي – الاسلامي جاءت من فراغ ام ان لها في الواقع المعاصر ما يؤيدها ؟ .

لقد ادى انهيار المعسكر الاشتراكي ورمزه جدار برلين الى انتشار موجة غير مسبوقة من التحول الى الديمقراطية لم تشمل اوروپا الشرقية فقط بل العالم برمته . سقطت أنظمة دكتاتورية في امريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا ولم تستثني تلك الموجة أحداً غير العرب والمسلمين . من اجل الإجابة يتعين علينا فحص هذه الظاهرة من جوانب عدة . ماهي الديمقراطية ولماذا ظهرت في اجزاء محددة من العالم ابتداءاً ؟! هل هي فعلاً نظام تختص به الشعوب التي وصلت الى مراحل معينة من المعرفة والتعلم ؟! هل هي ظاهرة اختصت بها الشعوب المسيحية مثلاً دون غيرها ؟! ماهي الشروط اللازمة لكي يتم تأمين تجربة ديمقراطية في اي مكان من العالم ؟ هل هنالك عوامل ثقافية تسود العالم العربي والإسلامي تجعل الاتجاه نحو الديمقراطية متعذراً وان تم تطبيقها فستكون ذات نتائج كارثية وتقود الى الفوضى ؟ يتعين البحث في اتجاهين : كيف نشأت الديمقراطية في العالم الغربي المعاصر حتى انها ارتبطت باسمه ؟ وهل كانت ثمرة معرفة مسبقة وتوافق في الرأي وهل اجتمع الناس او حكمائهم وقرروا انها الوسيلة الفضلى في الحكم ؟ .
هنالك محاولات كثيرة للإجابة عن هذه التساؤلات في إطار ماأُصطُلح على تسميتها بالنخب العربية تراوحت بين شتم رخيص لامة بكاملها واختزال تاريخها في جانب الصراعات منه وكانه سمة تاريخها الوحيد ، او كأنها الوحيدة في التاريخ التي شهدت صراعات على النفوذ والسلطة ؛ مثل هذه التفسيرات لاتعكس سوى ضحالة وطائفية أصحابها في اغلب الاحيان . هنالك توجه اخر الى تفسيرات ساذجة من نمط تلك التفسيرات التي تشبه وجبات الأكلات السريعة ، وهنالك ايضاٍ محاولات جادة لدراسة الظاهرة وخاصة في العقد الأخير تمت في إطار بعض مراكز التفكير العربية مثل مركز دراسات الوحدة العربية او في إطار نشاط اكاديمي تم في جامعات ومراكز تفكير غربية وخاصة الامريكية .

لكن من المهم جداٍ تحديد منهاج البحث والمفاهيم الاساسية له تجنباً لسطحية البحث او التباس المفاهيم .

من اجل تفسير وتحليل وفهم عمليات التحول الاجتماعي والثقافي هنالك مدرستان سادتا العلوم الاجتماعية منذ القرن السابع عشر هما المدرسة المثالية والمدرسة المادية – التاريخية .
منذ أفلاطون وحتى امانويل كانت وفيلهلم هيغل واتباعهم تم تطوير المدرسة المثالية التي ترى ان الوعي او الفكر وأنماطه المسبقة هي التي تصنع الوقائع . وهكذا يصنع الانسان التاريخ وفق تصورات مسبقة ؛ جاء هيغل ليمنح هذا الفهم بعداً اخر فأشار الى ان كل فكرة تحمل نقيضها في داخلها ومن تناقضها تنتج فكرة جديدة وتتكرر الدورة . بذلك تكون بين أيدينا نظرية تفسر حركة الفكر ومن ثم حركة التاريخ وتعتبر ان الوعي هو الذي يصنع الواقع وتسمى الجدلية الفكرية { هذا تلخيص مُخِلْ رغم انه يمثل المفهوم الأساسي وهو مايسمح به المجال هنا }.

ظلت هذه المدرسة تسيطر على عالم المعرفة حتى جاء ماركس وزميله انغلز اللذان قلبا هذا التفسير واعتبرا ان الواقع الاجتماعي عبارة عن بناء مؤلف من طابقين : الطابق الأساس وهو العلاقات الاجتماعية التي تقررها درجة تطور علاقة الانسان الفعلية بالطبيعة تترجمها درجة تطور وسائل الانتاج ، وينقسم المجتمع الى طبقات تحددها نوعية علاقة افراد المجتمع بوسائل الانتاج . من هذه النقطة نبدأ بالتحول الى الطابق العلوي الذي يبدأ بما يسمى وعي كل طبقة بذاتها وبوحدة مصالحها في مقابل الطبقات الاخرى وترتبط جميع الطبقات في الكيان الاجتماعي بصيغة طبقات مهيمنة واُخرى مهيمن عليها ، ويتم تأطير هذه العلاقة بقوانين ومنظومات سياسية واخلاقية وحقوقية وفلسفات متناقضة تكرس مصالح كل طبقة . ان وسائل الانتاج تتطور بالتجربة والخطأ وتراكم المعرفة التقنية ، وهذا يرتب تطوراً في كل المنظومة اللاحقة في الطابقين ؛ هذه التطورات تاخذ في البداية شكل تراكم كمي ثم يتحول في نقطة معينة تحت وطأة هذا التراكم الى تطور نوعي . طور انغلز في إطار النظرية تفاصيل شاملة غطت تاريخ الانسانية باكمله بدءاً بالمشاعة الاولى ومرورا بمرحلة العبودية ثم الاقطاع ثم الرأسمالية وينتهي التاريخ بعد ان تستنفذ الرأسمالية دورها المحتوم بالشيوعية الاخيرة بعد المرور بمرحلة الاشتراكية الانتقالية . وخلاصة النظرية ان الواقع هو الذي يصنع الوعي .

رغم ان التجربة الاشتراكية قد انتهت الى الفشل والانهيار الا ان المادية – الجدلية وتطبيقها العملي في المادية – التاريخية قد تركا أثراً عميقاً وثورياً في العلوم الاجتماعية . لقد اثبتت تطورات لاحقة في هذه العلوم ، جراء ادخال المنهاج التجريبي وتوفر الروابط الإحصائية على نطاق واسع في دراسة الظواهر الاجتماعية ، ان بعض المفاهيم الاساسية للنظرية المادية صحيحة الى حد كبير . الإسهام الكبير الذي لعبته هذه المدرسة في تصويب اتجاه العلوم الاجتماعية ليس استنتاجا شخصياً بل هو خلاصة تبناها على سبيل المثال قاموس أوكسفورد السياسي .

المصلحة ، الطبقة ، الوعي الطبقي ، البنى المادية ، البنى الفوقية .. هذه المصطلحات التي أنتجتها المدرسة المادية وجدت طريقها بشكل او باخر الى ادبيات ومدارس مختلف العلوم الاجتماعية المعاصرة حتى التي اتخذت موقف العداء الايديولوجي من الماركسية اوحتى لو توصلت الى خلاصات مختلفة عنها بشان مصائر تاريخ المجتمعات الانسانية ؛ لقد اصبحت من عدة التحليل الضرورية في هذا الميدان . بالتالي يمكن القول ان الماركسية قدمت خدمة كبيرة للعلوم الاجتماعية بعد تنقيتها من القوالب الجامدة التي وضعتها او التي أُسيءَ فهمها او تلك التي فُرضت عليها حين صارت فلسفة رسمية لانظمة سياسية حملت اسمها . اهم ما قدمته انها أعادت وضع التاريخ في مسيرته العامة على قاعدته الصحيحة .

ان اسماءاً لامعة من مثل عالمي الاجتماع ماكس فيبر وأميل دوركايم يعتبران من رموز مدارس علم الاجتماع التي تبنت بعض هذه المفاهيم ؛ وقد يصاب البعض بالدهشة حين يعلم مثلاً ان منظراً سياسياْ ليبرالياً كبيراً مثل صامويل هانتغنتون وفيلسوفاً تاريخياً فذاً مثل فرانسيس فوكوياما وغيرهم كثر قد استخدموا الكثير من معطيات المدرسة التي أسسها ماركس في نسيج نظرياتهم او الهياكل التحليلية التي استخدموها ، بل ان اغلب مدارس العلوم الاجتماعية بمختلف تخصصاته تعتبر ان النظم السياسية – الاجتماعية وفلسفتها وأيديولوجياتها ليست سوى نتاجاً لمصالح محددة وان الافكار أسلحة تنتجها النخب التي تعبر عن وعي الشرائح الاجتماعية ( او الطبقات ) بذاتها وتجانس مصالحها وتصبح بمثابة قوة المحرك للجماهير ؛ هذا ايجاز لمضمون المدرسة الواقعية – المادية في مجال العلوم الاجتماعية وهو مثل كل ايجاز يغفل بالضرورة تفاصيل غنية وان كان يحافظ على روح الفكرة .

لم هذه المقدمة النظرية الطويلة ؟!

خلال مناقشات عديدة حول موضوع الديمقراطية والعلمانية والليبرالية وقضية أنظمة الحكم في العالم الاسلامي لمست ان لدى بعض افراد النخب العربية المتعلمة ميل غير طبيعي الى التفسيرات السهلة التي اشرت لها آنفاً والتي تعكس اما كسلاً فكرياً او جهلاً بمناهج التفكير الاجتماعي الحديثة . ربما ظن البعض منهم ان هذا النوع المعمق من البحث في الجذور الاجتماعية – الاقتصادية هو من ثمار الماركسية وقد ولى عهده مع سقوط الشيوعية كمنظومة حكم ، لانهم ببساطة يفتقرون للمهارات المعرفية التي تمكنهم من ادراك ان البحث في تفسير الظواهر السياسية لم يعد ممكناً من الناحية العلمية دون استخدام بعض ألادوات التحليلية للماركسية لانها اصبحت جزءاً اصيلاً من مناهج البحث الحديثة . انهم غارقون في التفسيرات السهلة والاحكام المسبقة الجاهزة . هذا الميل للنمط السهل من التفكير يعكس في تقديري مهرباً سهلاً من تحمل المسؤولية التاريخية التي يتعين على نخبنا الاعتراف بها . لقد وجد البعض منهم ان منهاج اتهام أمة باكملها على نمط ” يا أمة ضحكت من جهلها الامم ” حلاً لازمته كمثقف ، وهذا هو الجهل بعينه في ضوء حقيقة ان الامم هي رهن بدرجة وعي نخبها ، وعندما نرى من هؤلاء الشاتمين من يتحول من الشيوعية الى أقصى اليمين الديني الطائفي ، او من يتخذ من موقعه النخبوي وسيلة للتعبير عن ميول ايديولوجية ويغرق نفسه في احكام مسبقة فان من المفيد التذكير بالحدود الدنيا المطلوبة من المعرفة الموضوعية عند التعاطي مع قضايا تقع تحت مظلة العلوم الاجتماعية ؛ يعرف التاريخ كتاباً وأدباءاً عظاماً كانوا في طليعة الحراك السياسي التقدمي في مجتمعاتهم وقد كرسوا مهاراتهم الكتابية والأدبية وبلاغتهم للدفاع عن قيمها دون ان يورطوا انفسهم في مغبة محاولات التفسير الفني للظواهر الاجتماعية والتاريخية ؛ هذا شان الباحثين المتخصصين في العلوم الاجتماعية وان اراد الشاعر او الأديب ان يخوض هذا المعترك فعليه ان يؤهل نفسه لذلك لان القصائد الجميلة والنثر البليغ لايكفي لخوض معترك التحليل الاجتماعي الذي يتطلب إتقان مهارات فنية محددة تتجاوز التفسيرات الأيديولوجية وتعميم الانطباعات الشخصية والقفز فوق الحقائق من خلال اعتماد مصادر للمعلومات تعتمد الإشاعة والدعاية وعدم الدقة مثل مواقع التواصل الاجتماعي او اليوتيوب وغيرها مما لايمكن التحقق من صحة مايرد فيها فضلاً عن خلوها من جهة تحريرية مسؤولة عن صحة مضمونها . لقد اصبحت العلوم الاجتماعية علوماً تجريبية الى حد كبير تعتمد أنماط وهياكل تحليلية وتعتمد على المؤشرات الرقمية والإحصائية واستطلاعات الرأي العام وبحوث الميدان وغيرها من طرق البحث العلمي التجريبي ، وخلاف ذلك يتحول الحديث فيها الى نوع من احاديث العامة او حوارات المقاهي وحتى الترويج للإشاعات .

هنالك اخرون خولوا انفسهم حق الفتوى في الدين فرتبوا مايشاؤون وبطريقة انتقائية وأحياناً ساذجة في فبركتها ليسهل عليهم مهاجمته ، ومن المؤسف ان ترى من يروج لهم رغم علمه بجهلهم في ابسط أوليات الموضوع ويفتقرون لاي معرفة جادة فيه ومحركهم هو كراهية واضحة تلمسها في نمط خطابهم وتدني قيمته المعرفية .

هذه ليست دعوة لاحتكار المعرفة بل دعوة لاستخدام الاداة التي مكنت الغرب من التقدم والتفوق وهي التفكير العلمي ونبذ الخرافة في تفسير الظواهر الاجتماعية مهما كانت بلاغة الخطاب الذي يقدمها او النوايا الحسنة التي تقف خلفها . ان شيوع استخدام بعض المصطلحات على اقلام بعض الكتاب مثل ” الشعوب المثقفة والشعوب الهمجية والشعوب المتحضرة ” دليل على هذا ألنط البدائي من التفكير الذي يهمل أوليات ثوابت البحث العلمي الرصين ويحول الخطاب الى نوع من الدوغما لاتختلف عن الخطاب الديني المتشدد ونظرية الفسطاطين لان هذه المصطلحات ليست مما يشيع استخدامه في ادبيات العلوم الاجتماعية للدلالة على مستويات التعليم او نوعيته في مجتمع من المجتمعات ؛ انها مصطلحات من النمط الذي يسود الخطاب الفاشي او الشعبوي الذي تصاعدت نبرته في العالم الغربي خلال السنوات القليلة الماضية ووجد من يردده من المُسْتَلبين في شرقنا ،

كل ذلك اشاع قدراٍ غير يسير من الفوضى الفكرية جعلت من قضية تثبيت منهاج البحث والملاحظات اللاحقة ضرورة أساسية ؛ فوضى أَحَلَّتْ بدل الخطاب العلمي نوعاً من خطاب الحماسة الغوغائي صارت له سوقاً رائجة تحت وطأة ما نعانيه من مشكلات يومية تحت وطأة تداعيات عوامل اغلبها خارجي مفروض وبعضها ذاتي جراء الركود الحضاري الذي روحة تحته منطقتنا في دورة الحضارة كما سأفصل الحديث فيها في مكانها من هذه الدراسة .

في ضوء هذا الفهم لصيرورة التاريخ سأحاول فهم تاريخ الديمقراطية ، بعد الاعتراف بأن عودتها للحياة في العصور الحديثة هو منتج قدمه الغرب للبشرية ، ودراسة إمكانياتها للتوائم مع تطلعات العرب والمسلمين ومدى امكانية تعايشها مع تراث تاريخي عميق امتزج بنكهة الدين على اختلاف الوانه .

ولادة الديمقراطية الحديثة :
الديمقراطية ليست منظومة فكرية متجانسة او كياناً فكرياً موحدا او متناسقاً بل هي كما يقول علماء الاجتماع – السياسي المعاصرون ثمرة الميل الفطري لدى الجماعات البشرية لتنظيم شؤونها المشتركة وان اول أشكال الحكم التي عرفتها الجماعة البشرية كانت الديمقراطية ، وان كانت بأشكال بدائية متنوعة تتناسب مع وسائل تعامل البشرية مع محيطها منذ نشأة مجتمعات التمدن الاولى ؛ هذه الديمقراطية لم يفسدها سوى الطغيان . هي اذن ثمرة نبعت من طبيعة الاجتماع الإنساني الاول ولم تكن عقداً مكتوباً جلس المتعلمون وسطروه ، كما لم تكن المجموعات البشرية التي مارستها قد بعثت ابنائها الى مؤسسات تعليمية متخصصة بتخريج شعوب ديمقراطية .

لو عدنا الى التاريخ المكتوب سنجد ، وخلافا للرواية الشعبية الشائعة ، ان أولى الحضارات البشرية والتي نشأت في بلاد الرافدين ومصر القديمة وفي بعض أنحاء بلاد الشام مثل حضارة ماري على نهر الفرات وحضارة اريحا في فلسطين شهدت ألوان من ادارةٍ شؤونها العامة بما في ذلك سن قوانينها اما بشكل جماعي او من خلال مجالس تمثيلية تحت مسميات عدة وهي في الغالب ثمرة ممارسة اخذت شكل العرف ثم القانون . ان نظرية الملك الاله صانع القوانين او الملك الذي يتلقى القوانين من الاله وكيلاً عنه لم تنشأ الا في مراحل متاخرة وبشكل متدرج وتحديداً في عصر الإمبراطوريات التي نتجت عن تطور قوى الانتاج الى الحد الذي قاد الى تركيز موارد الثروة في يد طبقات محددة وتوفرت لها المعرفة التقنية اللازمة لتطوير الاسلحة ووسائل الانتاج على حد سواء مثل اكتشاف البرونز ثم الحديد والتي شكلت ثورة تقنية نوعية مفصلية في عالم تقنية الانتاج فضلاً عن عامل الجغرافيا . في الشرق الاوسط وحول حوض البحر الأبيض حيث نشأت اولى الإمبراطوريات المتوسط لاتوجد موانع مادية طبيعية تحول دون تمدد القوى التي نشأت هناك لتشكل نمط الإمبرطوريات بديلاً عن نظام جمهوريات او ممالك المدن التي كانت تمثل اول أنماط التنظيم السياسي مافوق الاسري او القبلي .

هذه التجارب المبكرة في الديمقراطية انتقلت الى المجتمعات المتحضرة حديثاً انذاك مثل البعض من المدن اليونانية من خلال المستوطنات التجارية التي اسستها الحضارات الشرقية على البر الاوروپي في ركنه الجنوبي – الشرقي الاقرب الى البر الآسيوي ، وهي مستوطنات الفينيقيين وسكّان مصر الفرعونية تحديداً ، ورغم انها لم تحظ بالشعبية الكبيرة في دول اليونان انذاك باستثناء اثينا وعدد محدود من المدن الاخرى ، لكن المؤرخين الغربيين ولأسباب تعود الى تفشي نوع من الروح العنصرية والعداء للسامية في القرن السابع عشر جعلت اليونان مصدر الوحي في قيم الديمقراطية رغم معرفتها ان هذا ليس الحقيقة ؛ في تلك الحقبة سادت الأيديولوجيا العنصرية التي استدعتها موجة الفتوحات الاستعمارية الكبرى في العصر الحديث وانتشرت على المستوى الشعبي على حساب الحقيقة ، وفي هذا كتب الكثير في الاوساط الأكاديمية لكنه لم يتحول الى ثقافة شعبية اذ لم ينتقل الى مناهج التدريس في المراحل الاساسية او الى وسائل صناعة الرأي العام والثقافة الشعبية ، فيما ظلت الحقيقة حبيسة رفوف المكتبات ولا يعرفها الا الباحثين الذين عادة مايعيدون انتاج موادهم العلمية لنظرائهم من النخب . اختار بعض التاريخ والسياسة ان يطرح الامر للعامة ، فكانت هنالك موجة من التعريف بالموضوع خاضها عديد منهم ومن هؤلاء اخص بالذكر الپروفيسور ” مارتن بيرنال ” الذي كرس حياته العلمية لخدمة هذا الهدف .

اذن فالديمقراطية نمط فطري لإدارة الحياة المشتركة للأفراد باعتبار ان الناس قد خلقوا في إطار مجتمعات وان مايسمى بالروح الفردانية المطلقة لاوجود لها أصلا ، وان فرضية جان جاك روسو بان الطبيعة خلقت الانسان فردا وهذه الفردانية الطبيعية هي مصدر الحقوق ، وان النظم الاجتماعية – السياسية صناعية وطارئة تتطلب قبول الأفراد لتكتسب شرعيتها . لكن روسو لم يقدم لنا واقعة تاريخية واحدة من فجر التاريخ تؤيد تصوراته رغم نبل مقاصدها ، لان الانسان لم يوجد قط الا في إطار علاقات تستوجب التنظيم وبالتالي فهي ليست صحيحة ؛ كما ان الفكرة الأساس التي ينطلق منها الفكر اللبرالي باعتبار ان الصراعات الحديثة من اجل قيم الحرية والديمقراطية هي صرخات إلانا الفردية في وجه مؤسسات التنظيم او الضبط الاجتماعي . هذه نظرية ليست صحيحة هي الاخرى وهي من نسج الخيال وان تاريخ العالم يشير الى قصة مختلفة حول نشوء الديمقراطية ونداءات الحرية . بل ان تياراً تصحيحياً داخل الفكر اللبرالي او ما يسمى بالليبرالية الاجتماعية يؤكد ان الفرد لايستطيع تأمين متطلبات حريته وتفتح فردانيته دون العيش مع الاخرين وان القانون وتقييد بعض جوانب الحرية هو امر لازم لحفظ مايتبقى منها بعد التضحية بجزء منها ثمناً لذلك . الحرية الفردية مقدسة لكن حدودها اكثر قداسة ؛ حدود الحرية لاتعني تقييدها ( ما عدا تعرضها لتهديدات الصغيان ) بل حمايتها من خلال الاعتراف بحقيقة انها علاقة وليست حقاً فردياً مطلقاً ؛ ان آية علاقة تقتضي حدوداً تضمن بقائها وتعايشها مع حريات الاخرين ، وان فقدان هذه الحدود يعني الفوضى وهي السم الزعاف الذي يقتل الحرية نفسها . بهذا الاتجاه ذهب بعض رواد فكرة الحرية بمفهومها اللبرالي مثل مونتسكيو بمقولته الشهيرة : ان حرية الفرد تنتهي عندما تبدا حرية الاخرين ، وان الحرية هي الحق في عمل مايبيحه القانون ، وبذات الاتجاه وضع جون ستيوارت مل مفهومه الهام حول عدم جواز إيقاع ” الضرر Harm ” بالآخرين جراء ممارسة الحرية الفردية في مقالته المطولة الشهيرة ” في الحرية On Liberty ” .

لم تكن الديمقراطية مشروطة بنوع ” مثقف ” من المجتمعات او بتوفر درجات محددة من التعليم او انواع معينة من الثقافة السياسية ، كما لم تنشأ في ظل ماسمي فيما بعد بالعلمانية ، بل انها نشأت في ظل مرحلة كانت الكنيسة مازالت تحكم فيها قبضتها ولامدٍ دام اكثر من ثلاثة قرون على ولادة أولى بذور الديمقراطية الحديثة ؛ وان بعضاً من أغنى مايترتب عنها مثل حرية الضمير والاعتقاد والعبادة ولدت في حضن ثورات الإصلاح الديني .
لقد ولدت مبادئ اللبرالية السياسية والحقوقية لاحقاً للبرالية الاقتصادية التي وجدت أفضل توصيفاتها في كتاب آدم سميث ” بحث في طبيعة وأسباب ثروة الامم ” الذي عبر أفضل ماتم التعبير عنه عن روح ومبادئ الاقتصاد الراسمالي في النصف الثاني للقرن الثامن عشر حين بلغت الرأسمالية سن بلوغها متوجة بالتقسيم الاجتماعي للعمل واستخدام النقود حصراً كمعبر عن القيمة وبأهم منتجات الثورة الصناعية من خلال توظيفها لقوة البخار ومن خلال التحكم بنبض حركة اجزاء الاَلات بعد اختراع المسننات والمحاور القلابة ثم باستخدام المقاييس الموحدة لوصلات الربط لأجزاء الماكينات الصناعية فكانت أولى الوسائل المادية التي مهدت لنشر ثمار الثورة الصناعية من خلال الانتاج واسع النطاق نحو الاستخدام الحياتي اليومي للجمهور داخل الحدود الوطنية التي صارت لها قداسة خاصة ، ثم لتتوجه الى خارج الحدود الوطنية لمهدها من اجل تأمين مواد الانتاج الأولية وموارد الطاقة فضلاً عن البحث عن الاسواق لتصريف منتجاتها وهي الخطوة التي سوف تتطور ، الى جانب ما تم تطويره في داخل الحدود الوطنية من مفاهيم ثقافية وسياسية وحقوقية ترتبت عن ممارستها ، لتعرف بالاستعمار والامپريالية واخيراً بالعولمة .

لكن هذه الثورة الاقتصادية – الصناعية لم تولد فجاة بل جاءت عبر تغييرات بنيوية بدات منذ حوالى القرن الثالث عشر في اوروپا بظهور مايمكن تسميته بالرأسمالية المركنتلية او التجارية والتي وفرت الأسس لها فوائض الانتاج الزراعي والحرفي ونشأت إمكانيات تبادل هذه الفوائض من خلال استخدام متزايد للنقود فبدأت أسس النظام الاقطاعي بالتفكك وأصبحت لحائزي الثروات المالية الجديدة كلمتهم في مقاطعاتهم بعد ان أصبحوا مصدر تمويل لأمراء الاقطاع المحليين ، وهنا بدا البحث في شرعية السلطات القائمة الممثلة بالملوك والكنيسة وأمراء الاقطاع وبدا البحث لاول مرة في شرعية النظام الاقطاعي القائم برمته وبكافة تجلياته . أسفر ذلك عن صراعات تحركها المصالح الناشئة وكانت بريطانيا هي النموذج الأوفر حظاً لترجمة هذا الوضع الجديد على مستوى الحقوق فجاءت وثيقة الماغنا كارتا .

كتبت وثيقة الماغنا كارتا وهي اول وثيقة ديمقراطية في العصر الحديث عام ١٢٢٥ بعد ان كتبت عدة مرات في فترات متقاربة قبل وبعد هذا التاريخ الذي يعتبر التاريخ المتفق عليه للوثيقة التي بين أيدينا اليوم .
ان اهم ما عبرت عنه الماغنا كارتا هو انها ترجمت على المستوى الحقوقي حقيقة تفتت احتكار السلطة من قبل الملوك بفعل ظهور شريحة اجتماعية جديدة هي شريحة التجار المتحالفين مع أمراء الاقطاع والذين كرست الوثيقة اجزاء مهمة لحقهم في الحماية من تعسف رجال السلطة في مناطق عبور البضائع والاشخاص بين مختلف المقاطعات وبين الدول وحقهم في محاكمات عادلة عند الاقتضاء وهي من البنود التي ستظل قائمة حتى يومنا هذا كما ان هذه المواد وغيره اقتُبست روحاً او نصاً في دساتير كثيرة ومنها الدستور الامريكي كما انها شكلت الأساس لاحكام قضائية في بريطانيا والولايات المتحدة حتى الوقت الحاضر . لقد خلخلت الرأسمالية المركنتلية أسس الحقوق المقدسة القائمة ورتبت تداعيات بنيوية ستنخر بقية ماظل منها مع تطور النظام الراسمالي داخل رحم النظام الاقطاعي وبناه التحتية والفوقية .

لم تكن الماغنا كارتا قد وصلت الى حد حقوق العامة ولكنها فتحت الباب لمبدأ تعدد مصادر السلطة في المجتمع والدولة . لذلك لا ينبغي لمن يسعى من اجل الديمقراطية ان يظن انها نبت ثقافة او موهبة اختصت بها شعوب معينة بل هي ترجمة حقوقية – سياسية لواقع اقتصادي -اجتماعي نشأ من داخل رحم المجتمعات الإقطاعية ؛ كما انها لم تكن ثمرة ثورة ضد الدين بل ان موقف الكنيسة في النزاع الناشب بين أمراء الاقطاع والتجار من جهة وبين الملك من جهة ثانية قد اخذت جانب الأوائل .
( يتبع )

لا تعليقات

اترك رد