الأسلوبية .. والمعنى التقريبي لمتراكمة الجياشي في : خضابي حين يفقد وجهه..!


 

عهدنا الأبداع والتميز ورصانة الحرف بجوهر نصوص الجياشي، وما اضفى عليها جمال التكثيف باسلوب تجديدي مبتكر وتوظيف علمي مدروس هو مزج العلامات الرياضية بحروف اللغة وسيلة لأيصال الفكرة بتركيز تجاوز فيه المتعارف والتقليد الى ما بعد الحداثة ،وقد يكون هناك من استخدم العلامات للزخرفة الشكلية للنص وليس لغرض تكثيف المعنى أو لتوصيل الفكرة كما استخدمها الجياشي بهذا التوظيف الواعي ، فنرى ذوبان العلامات العلمية وانصهارها كليا مع الحروف بانسجام يسترعى انتباهنا بالغوص في نصوصه لفهم هذه الابتكارات الجديدة التي لم تخل بالمعنى ولا ببنية النص وهيكله الداخلي والخارجي وليس زجاً عشوائيا ولا عجزا في استيعاب اللغة ولا لزركشة النص بل دعما لمضمون الفكرة بصورها الخيالية وما تحوي الكلمة والعبارة من اسباب وما افرزتها من نتائج تخدمها العلامة الرياضية باختصارها دون المساس بمعمارية النص ولا بانساقه الادبية بل يدل على فلسفة شخصية بما يختزنه من مرجعية معرفية منظمة يمارسها باديولوجية فكرية ينتهجها بمنظور ثقافي عالي الجفر تدعى ب ” بالتراكمية السببية ” كما يسميها الشاعر ،

وهي فلسفة عميقة الأبعاد تنتج من تراكم فيض الاطلاع من ادب وعلم ولغة تواشجت مع الكثير من الظواهر الاجتماعية والتغيرات العصرية يقتنصها الشاعر معلومة ويوظفها وسيلة للغة فينزفها ببوح راقي متميز بنمط جديد ويعبرعنها بتامل وذهنية خيالية نتيجة ما اختمر من وعي ثقافي توالدت منه الفكرة فلا ننكر أن حداثة الشعربابتكار مختلف ،فتكون لغة النص غرائبية النسق مما يحفز المتلقي لأختراق اسرارها وفهم ماهيتها ، ساتطرق اليه في مفصل لاحق من استقرائي للنص .

_ لغة متفردة السبك ونسجة مميزة معاصرة ادبيا وعلميا لنص يحفل برمزية فنية بارعة التميز يرسمها حروفا بعمق وجداني بلوعة العارف والراصد لمحيط جروح الواقع متوسم بشعورية معرفية شفيفة الاحساس ومرجعية منوعة البؤرة تحاور الظاهر منها والباطن باروع خفايا المضمون تسلب خيالنا لعالم الابتكار برؤيا لاتقف بحدود الحرف وتنهمر بوعي انسان متجذر الاصول والانتماء للانسانية يرسم تجليات الكلمة باسرارها المعجمية والنحوية ، وعلاماتها المبتكرة ليبحر المتلقي في شراع ثقافته الشخصية ويستقريء مغزى الشاعر المكتنز بالتراكمية السببية .

_ العنوان ::

عنوان معاصر حداثي الفكرة والرموز بسيمائية البلاغة محمل بفكرة النص ومضمونه الغائر يدلنا على الكثير من الدلائل لنفسر غماره، عنوان مكثف بصورة شعرية مدهشة ، آسرة المعنى رائعة الأحتواء تفوح من ثناياه طيب ورقة ببعد موجع ، ورصانة لغة بعمق التامل ، ثنائية تضاد خير وشر .. تفاؤل وتشاؤم .. تلاقح مختلف انسجم بئتلاف ، يصدم المتلقي من اعتاق رؤاه فيستفزه ليغوص في الاستفسار ويمرق بدهاليز النص باستشفاف ادبي راقي بما حوى من جمالية ورقة بشكله الهندسي واللغوي ،مما يبعث في روح المتلقي الاهتمام بكنه تفاصيله فيرحل مواربا لنوافذ معرفته الشخصية ومدى تفاعله ليكتشف المزيد مما يود ،ويبقى التساؤل كيف للخضاب ان يفقد وجهه ؟ .

_ يقول الجرجاني (ان الألفاظ اوعية المعاني ومنها يتكون النظم ) وقد سبق الجرجاني نظريات اللسانيين الحديثة وبهذا قاربها بالتوافق ، لنغوص في بحر الالفاظ لنكشف خفايا اوعيتها وما حوت من دلائل ، نرى وجه الأنا الفاعلة بعبارة ( خضابي ) والتي تزيحنا لحالة نفسية معينة للشاعرفهو المتكلم الان ، ثم تلقي ظلالها في احساس المتلقي عندما يكمل العبارة ب حين يفقد وجهه باضاءة بارعة ، قد كتبها الشاعر بلغة ذكية فقلب المعنى من معلن الى غائر فلو قال حين يفقد وجهي خضابه لكانت دون تاثير، بل بمكر الشاعر استغفل المعجمية والمعنى فأراقها بروعة متمرس ونسجها بسحر فاجاد باستعارة وبيان وتشبية، وحين نتدرج بالعنوان نرى فاعليتها … خضاب :فاعل مقدم مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل وهي مضاف، الياء، مضاف اليه ،حين ظرف منصوب بالفتحة على الظرفية الزمانية، يفقد فعل مستمر بحالة الزمن ، ،

وجهه : وجه: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة اخره وهو مضاف، الهاء: مضاف اليه فالخضاب هو اللون والرائحة والبلل فلا خضاب من غير ماء، فاي سمة للخضاب حين يفقد وجهه هل يعني فداحة الشيب ام ضياع العمر حين تفترسه الغربة والآهات مضاجع العطش ؟ فالخضاب رائحة الجنة وسمة التراب حين يتعطر بالمطر، الخضاب وجه الفرح ووشم القوارير فأي وجه من خضابه يعني؟ أم ترى أن الخضاب هو ذلك الواقع المريرالمحيط بالشاعر ومن حوله ؟ بتلك الدلائل المواربة النوافذ لباطن المعنى توقع القارئ في شباك الحيرة ، وقد يشاكس الشاعر في تأمله ويتبع غواية تأويله الموغل في عوالم اللغة الشعرية ، فللقارئ ايهما يختار بقصدية الشاعر المطلة على اللانهاية من التأويلات فليحلق بنا ! ، من فحوى النص ودلائله ، نجد الشاعر ينعي خضاب الحبيب ! وأي حبيب هو ؟ وموطيء القلب ! والشهقة الاولى للحياة !، وفقدان ملامح الفرح فلا هيبة للدمع ولا حرمة للدماء فقد تساقطت الوجوه من نور عطرها في هاوية الوجع وحضرت تساؤلات الزمن في كلمة حين ، ف الفقدان مستمر مما يدل على حدث آني وما زال ، فسلطة العنوان هيمنة باركان المضمون وأرسى منابع الرمز بخبرة شاعر لايحيد عن الكلمة شكلا ومضمونا .

_ لنتابع متن النص وننهل المزيد من الجمال ونفك مكنون ما اعتمره من لواعج الكلم الذي عبق بالمعاناة وشروخ الجسد التي تكللت بألم الصمت الدفين ومنابع الخفوت المتدثرفي اسرار معلنة ،فلم يبق مسكوت عليه وقد تعرى ضمير صوت الشر وما حيك في ليالي الظلمة الفادحة اللون بزوايا التعاريج الوعرة الاقدام لتعلن مخاض ألم الموت للأنقضاض على وجه خضرة الخضاب وسرقة رونقه ورائحته بزيف دُبر له في قماقم الذقون فأنسلوا فوضى جنون غرسوا ضجيج التشتت بمسالك الموت وشاية بأرصفة فجر البشرية ، فاستيقظ الحُلُم على صحوة الموت متحورا بشد رحال الوجوه واغتصاب التراب المعطر بالنبوءة والحضارة فتسربل وجهه بنحول الكهولة وسكنته غمام الغربة تسترق الرؤى من جدران الحدود فضاعت خارطة الحلم في تيه التشظي واصبحت غبارا لبيوت العناكب فهل نجد كتمانا لعرينا ؟ .

_ وذكر الدكتور وليد شاكر نعاس في كتاب قراءات في النقد المعاصر ، أن دريدا يرى حضور المعنى وتثبيته غير قابل للتحقيق ،كون معنى الاشارة انما هو محدد بقدر اختلافه عن الرموز الاخرى في سلسلة الاشارات اللغوية اللاحقة او السابقة لها ، لذلك ، اي اننا لانستطيع ان نجد اشارة لغوية نقية وممتلئة لكل جوانب المعنى ، لكننا نستطيع ان نعثر في كل اشارة لغوية على اثر المدلولات السابقة واللاحقة التي استبعدتها لاثبات هويتها ،محدثة تفتيتا لحضور المعنى ،أي ان المعنى لايمكن ان يكون حاضرا تماما لانه مرجأ في حركة دائمة ، وهذا ما يطلق عليه دريدا الارجاء ، الذي يلازم كل اختلاف بين الدال والمدلول ،بل هو الذي ينتج الاختلافات بين الاشارات ، وهو الذي يجعل المعنى غير ممكن في المدلول ، إلا في حالة حضور عنصر لغوي ينتسب الى غير ذاته وبذات الوقت محتفظا في ذاته بعلامة العنصر السابق وتاركا نفسه تحفر علامة علاقة بالعنصر اللاحق ، مسمياعلاقة العنصر بالسابق واللاحق اثرا ، عن كتاب قراءات في النقد المعاصر للدكتور وليد شاكر نعاس

_ لو نحلق مع تكنيك الشاعروما ادخل للنص من آليات ابتكار نلاحظ وضع علامة الزائد (+) ما بين ثلاث فقرات نسميها اسباب من عتبة النص ، لا … في ظلمتها، ثم + حناياها ….الداكن، ثم + من مسالك … بتمحور الاسرار ،ثم + من نقيع … هنا مكث ، فكل ما سبق سبب وعندما تراكمت الاسباب تمثلت في مضاعفاتها بعلامة الضرب( X) ، قد اوحى بالرموز واحال بالدلائل لتوصيل مقصدية النص عند استخدامها في موقع ادت معنى الغرض التراكمي السببي إذ يرى الشاعرفي فلسفته الشعرية المستقاة من الفلسفة السببية أن هناك أثر منتج لاسباب قد لاتتعالق بشكل ما مع السبب الاساس الذي أوجد الاثر المنتج ، مما يعني انها وسيلة لتوصيل الرؤى من باحة التأمل، وما زال يواصل الفكرة بوجع يكبل القلب فيرثي مكوث الجهل في تعاريج سبلنا لاستلاب ما تبقى من عقولنا ، فنستقرأ نبضه الدامي والمختنق بويل العبرات على تراب وطن مُزق تراثه وتلوث وجه خضابه بليل قاتم حزين حتى تآكلته بيوت العنكبوت فخلف نزف الوجع ، نلاحظ ان كل ما سبق من علامات الزائد من جزئيات الحدث قد انتهت بنتيجة هي الجدب لذا نرى قد وضع علامة ال (=)، استعاضة بها على دليل التحصيل النهائي بنتائجه الممثلة بتراكمية الأسباب التي أطفئت شعلة البلل فانزلق الوطن في هاوية الضياع ويبست عناقيد المحبة برحلة الفراق فاصطبغ وجه الخضاب ببلل الجدب .

_ أضافة الى علامات الخط المائل والنقطتين هي فسحةالبياض لرؤيا المتلقي ليبعث في نفسه الرؤى وما يشاء من اضافة تاويلية بفضاء حر لخياله ، كذلك كل علامة تعجب ترمز لانفعال معين لم يضعه اعتباطا بل لتفسير العبارة واشارة للقارئ الباحث والمتربص تغدق عليها ابعادا اخرى تترفع لمستوى خطابي حديث وما بعده فيستحق ان يوصف ما بعد الحداثة ، اضافة الى ما نراه من خطوط التعرج ( /\/\/\ ) والتي تشير لاستمرارية التراكم السببي الذي يسعى له الجياشي في معظم نصوصه مؤكداً فلسفته الشعرية الخاصة به ، فيجعلها حاضرة بشتى أدوات التعبير عنها مظهراً تباينها في صعود ونزول لا بوتيرة واحدة فالزمن يختلف والاماكن تتعدد والعمر ليس بشاكلة واحدة رغم تقييدة بالعدم قد يكون بالحياة او الموت ، وهناك مفاجأة أخرى تنتظر القارئ بما رسمه من سفين الرحيل بشكله المرئي والمقصود بهذه العلامات /___\ بميزة ابتكار تمهد لرؤى القارئ ان تبصر رحيل العقول البشرية عبر شواطئ الجهل بغرق ينخر المعرفة فتتآكل هلامة العمر بوجع كامن نستره او نكتمه تفضحنا طيات الذاكرة بصمت يشتت الآه .

_ وهنا نجد في نص الجياشي تشكل المعنى يأخذ ما اتى عليه من منحى دريدا ،إذ نرى المعنى لديه لايتشكل الا ان اخضعنا اشاراته ، للارجاء المتحرك والسابق اللاحق اثراً ، فالمعنى يبدأ سيرورته لديه من خضابي حتى الجدب والضمور في اخر النص تباعا فالعنصر لايمكن ان يستحظر معناه الا إن استقى من سابقه ولاحقه .

_ ذكر الجرجاني( ان التعليق يكون بين معاني الالفاظ ولا يتم بين الالفاظ مجردة من المعاني وفي اشارة منه الى ما يعرف اليوم بالمعنى الوظيفي والمعنى المعجمي للأفاظ ، والى المعنى المقامي الذي يكون معهما ما يعرف بالمعنى الدلالي كما ذكره في كتاب دلائل الاعجاز ) فنرى باطلالة التمعن صياغة براعة الانساق واسلوب متوائم الصورالشعرية الجميلة بمعناها الغائر خلف اصواتها ومعجميتها رغم بساطة اللفظ لكن العبارة تؤدي صداها بصورتها الافقية والعمودية ، وانثيالاتها تشكل مضمون لذات التامل وروح الخيال بواقع التصدع، رغم توشحها بالحزن المر فقد تجاوز الجياشي الكثير باكتناز مقتدر الخبرة جاوز القواعد الكلاسيكية في كتابة النصوص .. فنرى ابتكاره بصهر سبيكة النص بمزوجات ادبية وعلمية اضفت الدهشة بما توحي للباحث أو المستقريء من جمالية ابداع لنص تعددت دلالته مع ترتيب لفظه وتركيبه في نسيج لغوي محكم التناسق فنرى نظم الكلمات وفق معانيها بمعمارية وبناء جمل متراصة اللبنات .

_ وبأراقة الدلائل المحتجبة وتأويلها بذهنية المتلقي نرى الوجوة في فصول خريف تساقطت واحدة تلو الاخرى ، خلعت خضابها على ذوائب ريح اكتنفتها عاصفة الغيوم بألوان البشر فتباين النور ضباب حقيقة حالكة العتمة اشعلت وجه الواقع المشوب بقلق وجودي شديد الوطأة ، وتجاعيد فرقة ، فذبلت شجرة المحبة وتساقطت دموع ودم في خضم حدث مريع ، رغم الخضاب للجمال الا ان له دلائل اخرى بتأويلات ما نحن فيه من معاناة الوجع، فرمزية الوجه ثيمة بروعة راقية للانسان اثمرت ايقونة باذخة الاستعارة فارتسمت أختلاف مؤتلف .

_ بخاتمة لا تخلو من وتيرة التشاؤم ولا حتى بصيص امل يلوح في افق الحياة.. نجد قد توضأ خيال الشاعر بعمق الجروح لوطن غاب عن وعيه ورحل لشيخوخة مبكرة لعدم التداوي ببلسم القلوب والتسامي بالتسامح ، النص خطاب مؤلم برصد الكثير من المعاناة الأنسانية من هوس الاحداث وضحالة الفكر بتمزق وشاج الوحدة وغربة الأُلفة ، وبايماءاته المتنوعة اضاء عتمة النفوس لاستراق مضمون خلاق ، بقصدية تأمل رصد سلبيات تعيق سلامة الفكر وتهدد جوهرية وجود الانسان بعقله الواعي ولمنع تشظي بوصلة المعرفة في متاهات تؤدي الى استنزاف الروح البشرية وحرمانها من عطاء الحياة.

لا تعليقات

اترك رد