الليل بين الإلهام والإحجام – ج١


 

ذُكرت مفردة “الليل” وترددت في القرآن الكريم ثلاثاً وسبعين مرة ، كما وردت ايضا تسع عشرة مرة أخرى بالفاظ مختلفة أخرى كـ: (لیل ، لیلة ، لیلاً ، لیالٍ ، لیلها و لیالي)
ولم يرد في هذه الايات الاثنين والتسعين أي وصف لليل وإنما جاءت بين حثٍ على العبادة ووصفٍ لخلق “الليل” وبعض صفاته، وقد جاء وصف خلقه بصفات عديدة كالإختلاف والإيلاج والغشيان والسكون والتسخير والتقليب والإلباس والإنسلاخ والتكوير والتقدير ، والتقدير هنا بمعنى الاحصاء من “قَدَرَ” وليس من “قَدَّرَ”
كما اتت بعض الآيات كدلالات على قدرة الله في خلقه واشارة الى العذاب بالليل بجعله سرمداً على الناس في قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ

وقد كان الليل -منذ نشأة الشعر العربي- ولا يزال همّاً للشعراء وبغيةً لخيالهم وضالةً لوصفهم ومطلباً لتشبيههم ، يشكونه ويتذمرون منه وهو في حقيقته صاحبُهم وأنيسُهم ونجومُه سمراؤهم وندمانهم بل هو حياتُهم اذ لا يذوقون فيه طعمَ الكرى ولا لذة الوسن فكان ملهمَهم الذي لا عوض عنه، فوصفوه وشبهوه وسرّحوا فيه الفكْر ، فمنهم من عاد له فكره بصورة ووصف ومنهم من تاه فكره في غياهب الليل وظلماته ولم يرجع، وهم بين مجيدٍ مبدعٍ وبين من هو دون ذلك ولكل منهم غاية يريد ان يدركها بما أتيح له من خيال وفكر وقريحة وصنعة ليصف بها هذا الرداء الضافي والستار المحيط والملم بكل شيء والذي أسمه الليل والآتي على الخلائق لا محالة.

وقد أجهد الليلُ الشعراء في الوصف والتشبيه وأعيتهم صعوبتُه والاحاطة به فجنحوا الى البديل عن طلبه بوصف خصائصه طولاً وسواداً وهماً وحزناً وشكوى وما الى ذلك من الصفات المتعلقة به والمترادفة معه دون الوصول الى كنهه وذاته

وأقدم ما وصلنا في وصف الليل من شعر، ما جاء في معلقة امرئ القيس في قوله:
ولَـيْـلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخى سُدُوْلَهُ … عَلَيَّ بأَنْوَاعِ الهُمُوْمِ لِـيَـبْتَلي
فَـقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَـمَــطَّــى بِـصُــلْــبِـهِ … وأَرْدَفَ أَعْجَازاً وَنَاءَ بِـكَلْكَـلِ

ومن الغريب أن يصف شاعر مثل امريء القيس الليل ويشبهه بموج البحر حيث ان عادة الشعراء المبالغة في الوصف الى اقصى حد تصل اليه خيالاتهم وتصوراتهم وشاعر مثله أفنى حياتَه في البادية يتأمل الليل ويسامر النجوم ويسرّح فيه النظر ثم يشبهه بموج البحر، وان كان من وجهة النظر الفنية انه أتى بجديد وحدّث في المعنى الا ان البحر مهما كان زاخرَ الموجةِ غامرَ اللجةِ مضطرباً هائجاً مائجاً لا يمكن لعبّابه مهما اتسع أو ارتفع ان يصل الى جزء يسير من حجم الليل وعظمته ، فالليل أوسع وأعم وأشمل من البحر وما سواه ولا يمكن مقارنته بشئ من خلائق الله جل وعلا الا بالنهار وقد تقدم الليل في الذكر المجيد على النهار في كل الآيات لعظمته وفضله وسلطانه.
ولعلنا نسطيع ان نتخيل نظرة امرىء القيس للبحر وموجِهِ في حالين : فهو إما نظر الى البحر وهو على الساحل وإما نظر اليه وهو في مركب
فأما النظر اليه من الساحل فهو هين اذ لن يرى هائل موجته وعظمتها ولن تترك فيه الفزع او تلقي في قلبه الرعب لإحساسه بالأمن وهو على الارض فلن يصل حينها الى ذروة التأثر ثم الإبداع في الوصف.

وأما اذا نظر اليه من مركب وقد أجّ ومجَّ ، فهاجت موجته وثارت لجته واطبقت عليه السماء بسواد غيمها وتقاذفته الأمواج ذات اليمين وذات الشمال وبلغ الأثر في قلبه ذروته والتأثر قمته فحينها يكون من المناسب ان يصف ويشبه البحر بالليل ، شان من يشبه الأقل بالاكثر والاصغر بالأعظم وليس العكس

غير ان امرأ القيس لم يقف عند هذا الحد ، بل أردف في البيت الذي يليه قائلا “تمطّى بصلبه” وهنا جعل امرؤ القيس الليل جسماً شاخصاً محسوساً له هيأة محددة وهيكل يستطيع الخيال ان يدركه ويتخيله من خلال الفعل “تمطّى” ومن ثم من خلال مفردة “صلبه” وهذا التخيل مع جمال صورته ورائع حركته الا انه حدد الليل هذا الشي العظيم بما يستطيع الخيال لـَمَهُ والفكرُ احتواءَه

وعند المقارنة بين تشبيه امرئ القيس لليل مع تشبيه آخر أجد من العدل ان لا نقارن الصورة بالصورة فقط وانما الزمن بالزمن والبيئة بالبيئة واللغة باللغة والشاعرية بالشاعرية، ولم اجد من تتوفر فيه كل تلك الصفات من اهل زمانه وطبقته في الشعر الا النابغة الذبياني فكلاهما من عصر واحد وطبقة واحدة بالرغم ان إبن قتيبة صاحب طبقات الشعراء جعل امرء القيس على رأس طبقاته وجعل النابغة رابعاً

يقول النابغة الذبياني في وصف الليل

كِلـيـنـي لِهَمٍّ يـا أُميمةَ نــاصبِ … ولـيـلٍ أقـاسـيه بطيءِ الـكواكبِ
تطاولَ حتّى قُلتُ ليسَ بِمُنقَضٍ … وليس الذي يَرْعى النجومَ بآيبِ

وأول جمال لهذا الوصف هي الكناية الرائعة عن طول الليل بقوله “بطيء الكواكب” ومن المعلوم ان الكواكب كالشمس والقمر لها طلوع وأفول وحركة وقوله “بطيء الكواكب” هو كناية عن طول الليل فهو لم يشبه الليل بشئ آخر وانما وصف جزءاً منه للأشارة الى العظم وذلك بوصف الكواكب وبطئها ليعود في البيت الذي يليه ليقول “تطاول” وهنا جعل حركة الليل ذاتية في قوله “تطاول” وهذه اشارة أخرى على عظمته بقدرته على ان يطول مجازا وكأنه يقول ان الليل يتحكم بنفسه في الطول والقصر ثم يردفها بمبالغة تتلاءم مع عظمة هذا الليل بقوله “حتى قلت ليس بمنقض”ٍ وهنا نَفْيُ انقضاءِ الليل هو مبالغة مطلقة لم تحدد بزمان ليحار في جمالها الفكر حين يتخيل ان هذا الليل مطلق دون نهاية وفضاء بلا حدود
لم يكتف النابغة بهذا الوصف بل اعقبه ايضاً بقوله “وليس الذي يرعى النجوم بآيب”، وراعي النجوم هنا كناية أخرى جميلة عن الصباح وقد نفى عنه الرجوع والإياب وجعل الفعل لليل بانه لم يتطاول فحسب بل ومنع الصباح من العودة ،

وقريب من قول النابغة قول حندج المري يصف ليله في مدينة “صول” وهي من بلاد الترك فيقول:
فِي ليلِ صولَ تناهى العرضُ والطولُ … كَأَنَّمَا ليله بِاللَّيْلِ مَوْصُول

فنفى عن الليل الحدود بأجمل مبالغة جاعلاً طولَه وعرضَه دون نهاية لتصوير السعَة والامتداد ثم اعقبها بصورة اخرى لليل وكأَنهُ مَوْصُول بلَيْل آخر ثم بآخر بلا نهاية فنفى عنه التحديد والنهاية في التصور والخيال كأنه قارب من قول النابغة “تطاولَ حتّى قُلتُ ليسَ بِمُنقَضٍ”

غير ان كلا الشاعرين كانا وكأنهما في سباق في تكملة الوصف ببيت ثالث للبيتين الآنفين لكل منهما، أما بيت امريء القيس التالي فهو
ألاَ أَيُّهَا اللَّـيْـلُ الطَّوِيْلُ ألاَ انْجَلِ … بِصُبْحٍ، وَمَا الإصْبَاحُ منِكَ بِأَمْثَلِ

اما النابغة فقال مكملا بيتيه
و صدرٍ أراحَ الليلُ عازبَ همهِ … تضاعَفَ فيه الحزْنُ من كلّ جانبِ

وسأكتفي بذكر عبارة الدكتور زكي مبارك في كتابه “الموازنة بين الشعراء” عن بيت النابغة الثالث اذ يقول:
و صدرٍ أراحَ الليلُ عازبَ همهِ … تضاعَفَ فيه الحزْنُ من كلّ جانبِ
وهذه صورة شعريه لثمثيل الغرض الذي قصد اليه الشاعر في مطلع قصيدته فقد تحدث عن همه الممض الموجع وليله الذي طال بطوله بثه وشجاه وصدره الذي اراح الليل ما عزب من همه (والعازب هو المنفرد النائي من القطيع) وهذا ايضاً خيال رائع فقد صور الهموم بصورة الابل تسرح نهارا ثم تراح ليلا الى الحضيرة وكذلك ينشغل المرء عن همومه في النهار فاذا انقطعت شواغله في الليل دبت الهموم اى صدره فاحتلته من جديد وهذا المعنى اروع من قول امرئ القيس :

ألاَ أَيُّهَا اللَّـيْـلُ الطَّوِيْلُ ألاَ انْجَلِ … بِصُبْحٍ، وَمَا الإصْبَاحُ منِكَ بِأَمْثَلِ
انتهى قول د. زكي مبارك

وقد عَدَّ ابنُ سلام الجمحي النابغةَ في كتابه “طبقات فحول الشعراء” في الطبقة الإولى بعد امرئ القيس مباشرة وقال في مقارنة اخرى بين امرئ القيس والنابغة في وصف الليل

فَيَا لَكَ مَــنْ لَـيْـلٍ كَــأنَّ نُجُـومَهُ … بكل مغار الفـتل شُدّت بـيذبلِ
كَأَنَّ الثُرَيّا عُلِّقَت في مَصامِها … بِأَمْرَاسِ كَتَّانٍ إِلَى صُمِّ جَنْدَل ِ

وقد خيروه بينه وبين قول النابغة:
فإنك كالليل الذي هو مدركي … وإن خِلتُ أن المنتأى عنك واسع
فقال : زعم بعض الأشياخ أن بيت النابغة أحكمُهما…انتهى قول ابن سلّام

ومما تقدم يتبين لنا أن النابغة الذبياني قد بلغ الغاية في وصفه لليل ولصفةِ الليل فقد كان أبعد مدىً وأوسع أفقاً اذ جعل وصفه مطلق النهايات دون تقييد وتحديد حتى جعل العقل سابحاً في فضاء الفكر وبحر الخيال

لا تعليقات

اترك رد