“ايديا” .. “مي” عيشة .. أسفون


 

خلف الأبواب المغلقة في البوادي وفي المدن ..في زمن العولمة المتوحش،زمن يأكل الكبير الصغير ويسلب الغني الفقير حتى قوت يومه،في زمن البترودولار وغياب القيم والمبادئ غذت فيه السياسة مطية لكل وصولي يريد أن يقتات من خيرات الوطن،أما الشرفاء فبين منكفء على الذات ولاجئ وطريد ..حلمنا بخيرات نتقاسمها جميعا وبوطن ينصفنا ويحتضننا بعطف ..حلمنا بعيش كريم للجميع ..أحببنا الوطن وترابه وأزقته ودروبه الضيقة وأسواره الموغلة في القدم ..أحببنا شوارعه الفسيحة والميغامول ومتاجره الكبرى ومشروع نور بورزازات ..حب المغرب في الدم والقلب بعلمه الأحمر تتوسطه نجمة خماسية خضراء،فحب الأوطان لا ثمن له،وهو من الإيمان كما علمونا .لكن تعتصرنا المرارة وتجيش حتى عيوننا دموعا،عندما نتلقف بعض ما يعانيه البسطاء.

حكايتان تختصران ربما جميع مشاكل المغرب الاجتماعية،الفقر والبؤس والحرمان، والظلم الاجتماعي والتفاوت المجالي بين الأقاليم والجهات ..هما حكايتان بطلاتها عنصر نسوي،فرقت بينهما السنون والمسافات، وجمعهما الظلم والتهميش.

الأولى،هي الطفلة “ايديا” إبنة جماعة توذغى العليا بمدينة تنغير. والثانية،”مي عيشة” ذات الخمسين خريفا من العمر،التي حاولت الانتحار بشارع قريب من قبة البرلمان في محاكمة شعبية لهؤلاء النائمون،الذين يمثلون أمثال “مي عيشة” ولم يرفعوا عنها الظلم والفقر،وهي امرأة مسنة أنهكها الدهر وأثقلتها مصاعب ومشاكل الزمن. فمن هي ايديا؟ومن هي مي عيشة؟

“ايديا” تختصر المغرب العميق..موت الطفولة بسبب سكانير

“ايديا”،طفلة عمرها سنتان،من جماعة توذعى العليا اقليم تنغير،سقطت أرضا وتعرضت لنزيف دماغي. ذهب بها أهلها للمستشفى الاقليمي بتنغير فتعذر اسعافها لغياب سكانير بالمشفى،ليتم نقلها لمدينة الراشيداية ومنها لمدينة فاس حيث وافتها المنية. قطعت “ايديا” 500 كلم لاسعافها ولم تجد من يسعفها،لأن وزارة الصحة هي نفسها في حاجة إلى اسعاف ..حكاية “ايديا” تلخص مأساة الجنوب الشرقي والتنمية الغائبة،ماتت “ايديا” لأنها إبنة الجنوب الشرقي الفقير،لا صحة،لا تعليم ولا…فأين رئيس الجهة “الشوباني” صاحب صفقة السيارات رباعية الدفع..بينما إقليم من جهته بل كل جهته يفتقد فيها المواطن لأبسط شروط المواطنة الحقة،وهو الحق في الصحة والعلاج.

الطفلة “ايديا”،تلخص طفولة الجنوبب الشرقي،في ورزازات وزاكورة والريش. سيقول قائل لما المبالغة ؟ كل شيء بخير .أقول: له الصحة ليست بخير في الجنوب الشرقي،ولك مثال: في عمالة زاكورة،مستشفى الدراق يفتقر للأطر الطبية وللأجهزة الطبية .فهل سننتظر “ايديا” جديدة ؟،وجماعة لكتاوة بنفس الاقليم المحاذية للحدود المغربية الجزائرية،يوجد ممرض واحد بمركزها الصحي،بناية فارغة من التجهيزات الا منه،مهمته اسعاف ساكنة الجماعة القروية بكاملها بدواويرها المترامية( البليدة والركبة وتيراف و…). فأين الصحة إذن؟.

“مي عيشة” المسنة وحكاية الانتحار ..أسفون

في يوم مناقشة التصريح الحكومي،وبشارع علال بن عبد الله بمدينة الرباط المحاذي للبرلمان المغربي،تسلقت إمرأة مسنة من دوار اولاد نعيم قيادة الحدادة عمالة القنيطرة،يقارب عمرها الخمسين سنة،عمودا كهربائيا حتى وصلت أعلاه،مهددة بالقاء نفسها من أعلى بسبب الاحساس بالظلم والقهر والحكرة والغبن، نتيجة فقدانها لأرضها،وتعرضها للحجز وحكم نهائي ببيعها في المزاد العلني بسبب خلاف ليست طرفا فيه.

الغبن الذي تعرضت له هاته المسنة،جعلها تحاول الانتحار في منظر تراجيدي وغريب،دام ساعتان،وبتدخل من الوقاية المدنية تم انقاذها،بعدما تعبت ويئست بعد طرقها لمختلف الأبواب،راسلت الوزير الأول الأسبق ووزير العدل ومختلف الادارات ولا من مجيب،لم تجد من يرفع عنها الظلم من خلال تبني قضيتها،عجوز أنهكها الدهر وتجاعيد وجهها تحكي قساوة الحياة وصعوبتها وتفاصيل رحلة مليئة بالعذاب .

“مي عيشة”،لم ينصفها الزمان ولا القضاء،الزمان تعرفنا على تفاصيل حياتها وقساوتها،أما القضاء فلا ندري تفاصيل القضية وذلك من اختصاص الهيئات المختصة،لكن مراسلات “مي عيشة” وسلكها للطرق الادارية لم تنصفها،ربما انصفها صعودها لعمود كهربائي وتهديدها بالانتحار،فقد أوصلت عن طريقه قضيتها للجميع،ووجدت التعاطف من المغاربة صغيرهم وكبيرهم، وتبنى قضيتها السيد المحامي “زيان” أمين عام الحزب الليبرالي المغربي.

“ايديا” يا طفلة حالمة ببراءة الصبيان..أسفون على تقصيرنا وعلى اغتيال الطفولة. “مي عيشة”يا أبنة القرية يا ذات التجاعيد والجسم النحيل.. أسفون,لم تنصفك ولم تسمع شكواك اداراتنا ومكاتبنا ومسؤولينا واخترت أن تبتي شكواك لعمود كهربائي ربما هو أحن من هاته القلوب الانسانية المتحجرة..أسفون.

لا تعليقات

اترك رد