المدنية والرهان الصدري

 
الصدى - التيار الصدري

مثلت دعوة زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر لتظاهرة مليونية في ساحة التحرير وحضوره فيها بشكل شخصي منعطفا مهما في الحركة الاحتجاجية المنادية بالاصلاح والتي أنطلقت صيف العام الماضي حيث أعادت لها الزخم الجماهيري والاهتمام الاعلامي والتأثير السياسي ، ولعل من البديهيات القول وبصرف النظر عن مدى الاتفاق أو الاختلاف مع أجندات الصدريين بأن الحراك الأخير الذي أطلقوه ووقف عند أبواب المنطقة الخضراء الجمعة الماضية ينبغي أن يكون محل تقدير واحترام لهتافه بالشعارات الوطنية وتلونه الحصري بألوان العلم العراقي ناهيك عن تعدد الأطياف المشاركة فيه والراغبة بالخلاص من جحيم نظام المحاصصة الحاكم للبلاد ومنظومة الفساد المهيمنة على مفاصل الدولة .

يمكن فهم تحالف “بعض” التيار المدني مع نظيره الصدري في هذا الحراك الاصلاحي بشكل سياسي في ضوء تلاقي مصالح الطرفين وحاجة كل طرف للأخر ففي الوقت الذي يحتاج فيه الصدريون للشخصيات المدنية لاضفاء الطابع الشعبي على تظاهراتهم واخراجها من قالبها السياسي المحدد واطارها الطائفي الضيق تبدو حاجة التيار المدني أكبر لقدرات وامكانيات التيار الصدري أحد أهم اطراف العملية السياسية في مواجهة “خصوم حكوميين شرسين” يتربعون على سدة السلطة ويملكون المال ولايعوزهم السلاح بطبيعة الحال وقد لايتمكن التيار المدني من تسديد فاتورة الصدام معهم بمعزل عن الصدريين ذوي القاعدة الشعبية العريضة والذراع العسكري المؤثر ، كما لايمكننا اغفال عاملي العشائرية والمناطقية في رسم نقاط التلاقي بين المدنيين والصدريين وقد كان لهذين العاملين تحديدا دورا كبيرا في التمهيد لتحالف البعثيين مع تنظيمات القاعدة وداعش والفصائل الاسلامية الأخرى عقب الغزو الأمريكي للعراق ، مع ضرورة التنبيه الى حقيقة تعدد مكونات الحراك الشعبي في الغالب.

الا ان هذا التخادم المتبادل لايعدو كونه نظرة من زاوية واحدة تغفل عن عدة حقائق لعل أهمها ان أي تحالف سياسي ناجح ينبغي أن يكون بين طرفين متوازيين ودون ذلك سيكون الأمر مجرد املاءات من الطرف القوي على الضعيف وقد يزداد الأمر سوءا اذا مانجح الحراك في تحقيق مطالبه المشروعة وهو ماقد يفضي لمحاولة جديدة من قبل أطراف العملية السياسية لامتصاص فورة الغضب الشعبي الأخذه بالاتساع وتخديرها مجددا بحقنة حكومة التكنوقراط .

ان أهم مايمكن ملاحظته على الشخصية العراقية المتعبة والمرهقة هي عدم ادراكها المطلق لمآلات الخيارات التي تسلكها ولعل حماسة الغالبية الشعبية لفكرة اقتحام المنطقة الخضراء وتهديد السيد الصدر بذلك أهم مثال على ذلك ، ان فكرة اقتحام المنطقة الخضراء تبدو وللوهلة الأولى جذابة وملفتة للنظر وشافية لغليل الأغلبية الشعبية المسحوقة بفعل سياسات ساكنيها ، لكن أسئلة مهمة لاتخطر ببال أحد وهي ماهو البديل المناسب ؟ و ماذا بعد اقتحام الخضراء ؟ ذلك الحدث الذي سيغير وجه العراق والمنطقة (في حال حصوله فعلا) كما طوى سقوط سجن الباستيل صفحة سوداء في تاريخ فرنسا والقارة العجوز عموما !

ان عدم النظر بجدية لعواقب أي تحرك وتأمل سراب الخلاص بأي وسيلة سيقودنا لتكرار سيناريو سقوط الديكتاتور بيد قوات الغزو الأجنبي والتي أدخلت البلاد في نفق مظلم جعل من أيام الاستبداد مجرد نزهة !! ولايوجد مايحول اليوم دون استنساخ هذه التجربة المريرة في ظل استمرار هذا النمط من التفكير الذي وجد ونشأ في ظلال ظلم سلطة حزب البعث ونما وترعرع نتيجة مرارة حكم حزب الدعوة .

ان الجدية التي يظهرها السيد الصدر في مناورته الحالية ليست غريبة على الرجل المحب دوما لظهور بمظهر المنقذ ولعب أدوار البطولة (ولو خالف في ذلك الاجماع الشيعي) دون الوصول بثبات لخط النهاية أبتداءا بصراعه المسلح مع الأمريكيين عام 2004 ومرورا بخوض مقاتليه للحرب الطائفية في شوارع بغداد وأزقتها ضد فيلق عمر عام 2006 وأخيرا وليس أخرا تزعمه لمحاولة برلمانية فاشلة لسحب الثقة عن حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي عام 2012 ودعمه للتظاهرات السنية عام 2013 ومن هنا فأن امكانية اصداره الأمر لاتباعه باقتحام المنطقة الخضراء واردة لكنها ليست حتمية لكونها لا تدخل السيد الصدر وأتباعه في مواجهة سياسية فعلية وربما عسكرية مع شركائه في التحالف الوطني وفصائل الحشد الشعبي فقط بل انها ستفتح عليه أبواب الغضب الأمريكي (خصوصا اذا ما حصل اعتداء على السفارة) والسخط الايراني ولا أعتقد بقدرته على مواجهة عواقب هذا الخيار الخطير ومن هنا فان باب الحلول الترقيعية سيظل مفتوحا لحين التوصل لتفصيل جديد لحكومة التكنوقراط يرضي كافة الفرقاء وبرعاية اقليمية ودولية والتي لاتريد حتما وصول الأمور الى نقطة اللاعودة في غمرة الصراع مع داعش .

ان أهم مايجب أن يدركه النشطاء المدنيون المنخرطين في التظاهرات الصدرية ان كل مايحصل يبدو في اطار صراع سياسي بين قوى الحكم وان الدولة المدنية هي أبعد ممايتصور بعضهم في ظل المعطيات الحالية وان استمرار الحركة الاحتجاجية المدنية وديمومة زخمها الذاتي مرهون بتشكيل حركة مدنية جامعة تسمو على التوجهات الفردية والميول الشخصية والخلافات الداخلية بحيث تكون قادرة على استغلال موجة السخط الشعبي وتوجيهه بالاتجاه الصحيح ليكون للتيار المدني وجوده الملموس في الشارع الشعبي والحضور المؤثر في المشهد السياسي بشكل يجعل منه رقما صعبا في المعادلة العراقية وهو مايمكنه من فرض شروطه في حال تحالفه مع أي تيار سياسي أخر وبالتالي المضي قدما وبخطوات فعلية نحو الاصلاح الحقيقي المنشود ماعدا ذلك فأن مصير مدنيي العراق لن يكون بأفضل من نظرائهم الليبراليين واليساريين الايرانيين الذين ناضلوا ضد نظام الشاه رفقة التيار الديني قبل أن يجدوا أنفسهم مجرد أدوات تم استغلالها ومن ثم رميها بل وسحقها من قبل منظومة ولاية الفقيه والتي سرعان ما أسلمة ثورة الشعب الايراني وأقامت الجمهورية الاسلامية عام 1979 منكرة دورهم وتضحياتهم !!! أو التيار المدني المصري الذي أقصاه الاخوان المسلمون عقب انتفاضة 25 يناير عام 2011 ذلك الاقصاء الذي دشنه الشيخ يوسف القرضاوي على منصة ساحة التحرير في الجمعة الأولى عقب تنحي مبارك وهو ما أدى بشكل أو بأخر لاستعادة الجيش للسلطة والعودة للمربع الأول في 30 يونيو عام 2013 وهو السيناريو الذي لانريد محاكاته في التجربة العراقية .

 

لا تعليقات

اترك رد