ما بعد مؤتمر الآستانة : قراءة في البعدين الإقليمي والدولي للازمة السورية – ج٣

 

وإذا كانت نتائج مؤتمر الأستانة الأولية خطوة بالاتجاه الصحيح، فهل سيكون التوصل إلى خريطة طريق ممكناً بعدها، ولا سيّما بغياب واشنطن أم أن الدور الروسي، إضافة إلى الدور الإقليمي، ولا سيّما التركي والإيراني كفيل بذلك؟ وحتى لو لم تكن تركيا ممثلة للأطراف الغائبة، فإن مثل هذا الاتفاق سيكون عاملاً مهماً في الحملة المناهضة للإرهاب وكما قال الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب: إن مكافحة الإرهاب هي من أولوياته، بالتناغم مع الدور الذي تلعبهواشنطن في العراق ضدّ “داعش”، حيث تقود قوات التحالف الدولي لتحرير الموصل، بالتعاون مع القوات العراقية.

مشاريع الدستور
​ثمّة أسئلة ضرورية لبحث حيثيات الأزمة السورية ومنها: هل يحظى مؤتمر الأستانة بالإجماع، بعد أن غابت عنه المعارضة السياسية؟ أم أنه “بروفة” أولية تبعها لقاء لافروف بالمعارضة السورية؟ ولعلّ مثل هذا اللقاء التكميلي مهم لجهة عقد مؤتمر جنيف القادم. وكانت روسيا قد دعت على لسان لافروف: التحلي بالصبر لدى تشجيع المعارضة السورية على المشاركة في مفاوضات السلام، وكان هو ووزير خارجية إيران محمد جواد ظريف قد دعيا إلى الاستفادة من تجربة الأستانة لتفعيل عملية السلام.

​وقد برّرت بعض القوى السياسية المعارضة غيابها عن لقاء لافروف بالصفة الشخصية للدعوة (قائمة الرياض – الهيئة العليا للمفاوضات)، وقال فريق آخر: “قائمة موسكو”، و”قائمة القاهرة” و”قائمة الداخل”، وممثّل عن الكردوآخرين، أن المعارضة ستشكّل فِرقاً لصياغة الدستور السوري الجديد والمقترح، وذلك على هامش لقائهم بوزير الخارجية الروسي، ويأتي مثل هذا التوجّه بعد أن أعدت وزارة الخارجية الروسية مسوّدة مشروع لدستور جديد، أساسه توسيع صلاحيات البرلمان على حساب صلاحيات الرئيس ومنع تدخّل الجيش في المجال السياسي، وتأكيد سمو القانون الدولي في النظام القانوني السوري.

​وكان لافروف قد دعا المعارضة إلى المشاركة النشيطة في ترتيب عملية تفاوضية مستدامة من أجل تسوية الأزمة السورية في جنيف، بالتعاون مع المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، علماً بأن هناك مسوّدة كرديةلمشروع دستور سوري أعدّها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني وسلّمها لوزير الخارجية الروسي، وذلك بتوسيع صلاحيات الأقاليم اللاّمركزية، علماً بأن المسودّة الروسية ترفع اسم “العربية” من الجمهورية العربية السورية، وترفع صفة دين الدولة “الإسلام”، وهو النص الذي تتضمنه جميع دساتير البلدان العربية تقريباً، وتسمح الصيغة المقترحة بإمكانية تغيير الحدود بواسطة الاستفتاء واعتبار اللغتين العربية والكردية متساويتين في مناطق الحكم الذاتي الثقافي الكردي.

​وبرّرت الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا اقتراح مشروع دستور على الأطراف السورية، بقولها: “إن موسكو لا تحاول فرض أفكار ما على أحد، إنما يكمن الهدف من مبادرتها في تحفيز النقاش بين السوريين”.

​ والسؤال الآن: ماذا بعد الأستانة؟ وماذا بعد لقاء موسكو مع المعارضة السورية؟ هل سيكون بالإمكان توفير أرضية صالحة وخصبة لمؤتمر جنيف برعاية الأمم المتحدة؟ والجواب هو ما عبّر عنه الروس من رغبة يمكن الاستدلال عليها من استضافتهم المعارضة السورية، وكان الهدف واضحاً هو استكمال مؤتمر الأستانة تمهيداً لعقد مؤتمر جنيف.

ميزان القوى الجديد
​إن التطوّرات الجديدة والتبدّل في موازين القوى قد يسهم في تغيير أو تعديل توجهات بعض أجندات المعارضة، لا سيّما إذا حصل نوع من التفاهم الروسي – الأمريكي، بعد التوافق الروسي – التركي، على الرغم من وجود بعض المنغصّات الدولية الأخرى، وذلك غير دول الخليج وتردّد الولايات المتحدة،ونعني به تحفّظات فرنسا وألمانيا التي لم يحظ مؤتمر الأستانة برضاهما، كما كان دور الأمم المتحدة فيه محدوداً، ولعلّ من أسباب نقد بعض القوى للمؤتمر، أنه انعقد في رحاب مدينة محسوبة على موسكو التي لها دور مؤثّر في قراراتها.

​وإذا كان ثمّة أسباب داخلية دفعت تركيا إلى المشاركة الفاعلة في مؤتمر الأستانة، فإن هناك أسباباً أخرى منها مشاكل المهجرين واللاجئين السوريين وعدم إيفاء أوروبا بوعودها والتزاماتها، وهو ما كانت تركيا تريد به ابتزاز أوروبا، فضلاً عن محاولتها محاصرة حزب العمال الكردستاني PKK، الذي لا زال وجوده يؤرقها، فهي حتى الآن لا تعترف بحقوق الكرد القومية، وتتخذ موقفاً استعلائياً وشوفينياً من القضية الكردية ومن قضايا المجاميع الثقافية الأخرى، يضاف إلى ذلك أن حزب العمال الكردستاني لا يقتصر نفوذه السياسي والعسكري داخل تركيا، بل إنه يتمدّد داخل الأراضي السورية، ولا سيّما في عفرين والقامشلي، وكذلك داخل الأراضي العراقية في جبل قنديل.

​وقد تمكّن مؤخراً من فرض سيطرته على قضاء سنجار، الأمر الذي حاولت تركيا أن تضغط فيه على إقليم كردستان وعلى حكومة بغداد، بل أعطت تعهداً بانسحاب قواتها من العراق، بعد أن كانت تتمنّع عن مثل هذا الالتزام وتتذرّع بأن أولوياتها محاربة القوى الإرهابية التي تشنّ عليها حملات من داخل الأراضي العراقية، وبالمقابل فقد تعهّدت إربيل وبغداد بمواجهة حزب العمال الكردستاني وإبعاده عن سنجار، حتى وإنْ لم يتمكنا، لا سيّما وأن المعركة مع “داعش” لم تحسم، ولا يمكن الدخول في معركتين في آن واحد.

​وبغض النظر عن اختلاف التقييمات بخصوص مؤتمر الأستانة، فإنه نجح حتى الآن في تثبيت وقف إطلاق النار، وهذه خطوة لصالح الحكومة السورية التي سيكون بمقدورها إعادة الانتشار وإعادة السيطرة الإدارية على مناطق البلاد التي أفلتت من قبضتها خلال السنوات الخمس ونيّف الماضية من الحرب، وقد يقلّص من قدرة المعارضة والجماعات المسلحة التي أصبحت الممرّات أمامها مغلقة، ويمكن استهدافها فرادى، علماً بأن هدف الإيرانيين والروس هو الشروع بالتفاوض الطويل الأمد، خصوصاً بتقوية مواقع الجيش السوري.

​وإذا كان ثمة اختلافات في الرؤية بين الإيرانيين والروس، فإن إيران التي ساهمت منذ البداية في دعم الحكومة السورية، لا تريد تجيير ذلك لمصلحة الروس، كما أن الروس الذين كان لهم دور حاسم في ضرب مواقع الإرهاب والجماعات المسلّحة، ولا سيّما في معارك حلب، لا يريدون الخروج من المشهد دون وضع بصمتهم الواضحة عليه، ويعتبرون سوريا حليفة لهم بدءًا من الحكومة، مثلما هي بعض أطراف المعارضة التي يستميلونها، ولذلك يطمحون في إجراء تقارب بينهما لتتمكّن روسيا أن تلعب دور مستقبلي في سوريا وعند أي تغيير محتمل أيضاً.

​أما تركيا، فإن وضعها الخاص سيتوضّح لاحقاً، لا سيّما في جنيف، فيما إذا كانت قد قرّرت التخلّص من عبء علاقتها بالجماعات المسلحة والمعارضة، بل يمكن أن تذهب أبعد من ذلك، حيث يمكنها التطبيع مع الحكومة السورية بعد أن اختل ميزان القوى لصالح استمرار النظام برئاسة بشار الأسد.

​واللاّفت في مفاوضات الأستانة أن الذي مثل المعارضة المسلّحة، هم ممن لهم فعل على الأرض، وليسوا من معارضة الخارج، في حين أن اللقاءات السابقة ضمّت مجاميع سياسية معارضة، لكنها لا تملك رصيداً قوياً على الأرض، وخصوصاً في الجانب العسكري.

يتبع

لا تعليقات

اترك رد