أحلامُ اليقظة … مساحةٌ مشروعةٌ لأرواحِنا


 

أجملُ ما يحدثُ للإنسان؛ تلكَ المساحةُ من الحلم التي قد يمارسها في اليقظة أو في النوم .و الحلمُ في النوم نشاطٌ فكريٌّ يحدث استجابةً لمنبِّه أو دافعٍ ما،وهو عبارة عن سلسلة من الصور أو الأفكار أو الانفعالاتِ التي تتمثل لعقلِ المرءأثناءَ النَّوم، والبعض ذهب إلى أبعدَ من هذا، فاعتبرها مسرحياتٍ تحدث فيالذِّهن، و تنتجُ عن نشاط ٍغيرِ إراديٍّ يلامسُ الجوانبَ اللاشعوريَّةَ من حياةِ النائم.

أما أحلامُ اليقظة ِ؛ فهي عبارةٌ عن استجاباتٍ بديلةٍ للاستجابات الواقعية.فإذا لم يَجدِ الإنسانُ طرقًا لإشباعِ حاجاته في الواقع، فإنه يلجأُ إلى تحقيقِ ذلك الإشباعِ وإن يكنْ جزئياً عن طريق التخيل وأحلام اليقظة ،وبذلك يخِفُّالقلق والتوتُّر المرتبطان بحاجته. فالفقيرُمثلا يحلمُ بالثراء، والفاشلُ قد يتخيلأنه وصلَ إلى قمة المجد. وفاقدُ الحب يتخيل أنه قد التقى بحبيبِ عمره .

الحقيقةُ أنَّ بعضَ التخيُّلاتِ تكونُ هي الدافعُ الأساسيُّ لأنْ ينتقلَ الإنسان من حالة الحلمِ إلى حالة الواقع؛ فيبدأ رحلتَه في نقلِ الحلم من عالم الخيالِ إلى عالم الواقع، خاصة أنه يلجأ إليها هربًا من واقعِهِ، وبحثا عن عالمٍ أقلَّ عدائيةً وظلما يتحركُ بداخله ،ويحققُ ذاته. وكل الأحلام مشروعةٌ حين تبقى في المشروع، فالأحلام دافعٌ للتحرك باتجاه معيَّن، وهي طموحٌ يمتاز بالرغبة الدفينة ليتحقق، ومعظمُ الإنجازات الكبيرةِ كانت حلما في بدايتها، بل وكانت من الأحلام المستحيلة، ولكن لا يمكِننا أن نتجاهلَ أن حالة الحلم في اليقظة، قد تتحولُ لتكون خطرا على الإنسان حين تتمكن منه وتجعله ينسلخ عن واقعه.فالاستغراقُ الشديد فيها إلى درجة استنفاذِ جزءٍ كبير من الطاقة النفسية، يؤدى إلى الإِسراف فيها بشكل عصابيٍّ مرَضيّ، قد ينتهي إلى العجز عنالتمييزِ بين الواقع والخيال.

وقد يختبىء البعضُ في عالم أحلام اليقظة ،لدرجة تحوُّلِه إلى مريض نفسي . فالاستسلام لأحلام اليقظة والاسترسال فيها، أشدُّ خطرًا على العقلالبشريّ من المخدراتِ، فهي تبتعدُ بالحالم عن واقعِه ، وتسحبهُ إلى عالمالخيال فتتوالى في رأسهِ الأفكارُ والصورُ دونَ وجودِ رابط ٍبينها .

هذا التشويشُ وهذه الفوضى يجعلانِ الحالمَ عرضةً لتجاوزات كثيرة ،تُغري الحالم بالبقاء في جوِّها ، فإذا ابتعد عنها قليلا ، يبدُو في المجتمعِوكأنَّه عنصرٌ غريبٌ عاجزٌ عن التكيُّف، وتعمِّقُ الهُوَّةَ بينه وبين من حوله بعضُ الأحلام ، يترتب عليها حالةُ إحباطٍ ويأسٍ واكتئاب شديدة، وتكون سببا فيعصبيَّة لا تدرك أسبابُها الحقيقية .وقد يكون الفراغُ العاطفيُّ أحدَ أسبابِ هروبِ الإنسان باتجاهِ هذه الأحلام. وأكثر الفئاتِ العمريَّة المعرَّضة لهذه الحالةِ هم المراهقون، وهنا على الأهلِ مراقبةُ أبنائهم ودفعُهم لمحاكاةِ الواقع وتقبّلِ قدراتهم ،على أن يكونَ دورُهم داعِمًا وليس محبِطا عن طريق مهاجمةِ المراهق، بل على العكسِ باستيعابِه وتفهمِّهِ ومحاولةِ مساعدتهِ لمعرفة حقيقةِ الحياةِ وطبيعتِها. والتأكيد على شرعية الأحلامِ المبنية على الطُّموح والأمل، والتي يكونُ مسرحُها الواقعَ وليس الخيال..

شارك
المقال السابقاذاعة صوت الجماهير
المقال التالىسينما الشباب – اورغانو

رندة صادق.. اعلامية لبنانية مديرة تحرير عيون وفاء اللبنانية..كاتبة صحفية بعدة صحف عربية..كاتبة عمود أسبوعي في جريدة عٌمان اليوم .. عضو الإتحاد الدولي للإعلاميين
ناشطة اجتماعية وعضوة بعدة جمعية لبنانية وعربية ودولية

....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد