فسحة معرفة (9) – متلازمة المثقف وصناعة الرأي

 

ماذا يعني ان تكون مثقفا ً ؟
لماذا ينتظر المجتمع دورا من المثقف دون غيره ؟
هل الثقافة مسؤولية ؟

هذه الاسئلة الوجودية هي اسئلة جوهرية تواجه كل المثقفين الاحرار، فالثقافة ليست مهنة بل هي هماً إنسانياً عاماً يحمله المثقف كرسالة ، لذا حينما تسألت ماذا يعني ان تكون مثقفا ببساطة شديدة يجيبني احد الشعراء الروس فيقول :
إنه يعني فهما ً للأمور بتعمق ٍ كامل وتسليحا ً لذاتك بالرقة والحساسية وأن يعيش المبدأ في دمائك ويغتسل في عروقك ، وبما ان المثقف سواء كان شاعرا، مسرحيا، اعلامي ،اكاديمي ،سينمائيا، تشكيليا او أي فنان يتسلح بالفكر والمعلومة والقدرة على حمل المسؤولية والمواجهة فالمجتمع يمنحه شرف التصدي للظلم ، فالثقافة مسؤولية إنسانية وليست ترفاً فكرياً . فكم من المثقفين الأحرار في عالمنا هذا جعل حياته محطةُ مواجهةٍ مع الطغيان والظلم . من أجل ان يصنع رأيا إنسانيا أو يدافع عن فكرة تلامس حياة الناس
في هذه الحلقة ساستعرض لكم نموذج للمثقف الذي يعتبر الثقافة هما ً ومسؤولية

إنها الشاعرة الروسية الشهيرة وأحد الاسماء الكبيرة في عالم الشعر الروسي ، أنا أندريفنا أخماتوفا التي إشتهرت بمواجهتها الشجاعة لاستبداد جوزيف ستالين ، فقد هاجمته وانتقدته بضراوة في قصائدها، ما دفع النظام إلى سجنها سبعة عشر عاما، بعد أن اتّهمها بـالترويج للانحلال البورجوازي.أعدمت السلطات زوجها الشاعر نيكولاي غوميليف بعد اتهامه بالضلوع في مؤامرة لقلب النظام. ولم تلبث السلطة أن اعتقلت ابنها الوحيد ونفته إلى سيبيريا.

بعد تلك الأحداث أصبحت اخماتوفا أسيرة للحزن والعزلة والصمت، وعانت من إقصاء وتجاهل زملائها من الشعراء والأدباء الروس.
هاجمها الحزب الشيوعي بعنف واتّهمها بتسخير شعرها للترويج للإباحية والتصوّف واللامبالاة السياسية، الأمر الذي أدّى إلى طردها في النهاية من اتحاد الكتّاب السوفيات.

تأمل عزيزي القارئ التهم الجاهزة التي تقدمها الأنظمة الديكتاتورية لمعاريضيهم ، قلب نظام الحكم، الترويج للإباحية واللامبالاة السياسية، انها تهم تثير السخرية والاستهزاء ، وكأن ستالين كان اخوانياً متطرفا يدافع عن قيم السماء، هذه التهم في الوقت ذاتها ومن حسن حظ المعارضين تخرج من أنظمة غبية ليسجل التاريخ إنسانية المعارضين وهمجية الديكتاتوريات.

كان نظام ستالين يعتبر اخماتوفا عدوّة للشعب وامتداد للنظام القديم يعني من جماعة النظام السابق ( الفلول) . وعلى عكس ما فعله العديد من زملائها الأدباء والشعراء الروس، فضّلت الشاعرة البقاء في روسيا على الذهاب إلى المنفى. كانت شعبيّتها كبيرة جدّا لدرجة أن ستالين نفسه لم يكن يجازف بمهاجمتها على الملأ.
عاشت حياة صعبة جسّدتها في أعظم قصائدها بعنوان “نشيد جنائزي”. وفي هذه القصيدة تحكي اخماتوفا بإحساس عميق بالعجز واليأس عن تجربة الشعب الروسي تحت حكم ستالين، خاصّة معاناة النساء اللاتي كنّ يقفن معها خارج أبواب المعتقلات بانتظار رؤية أزواجهنّ وأبنائهنّ.

بعد وفاتها نمت شهرتها أكثر وتُرجمت أشعارها إلى معظم اللغات الحيّة، واعتبرت إحدى أعظم الشاعرات في العالم
يغلب على أشعارها التأمّل والحزن.

ليست أخماتوفا الوحيدة التي نذرت نفسها للدفاع عن قيمها الانسانية وعن وطنها بل هناك الكثير من أمثالها كأحمد مطر وعبد الله البردوني وأبو القاسم الشابي ودعبل الخزاعي ، وابن السكِّيت وغيرهم الذين يمكن تسميتهم بمثقفي الرفض هؤلاء الذين صنعوا رأيا عاما و تيارا ً إنسانيا ً ، فهم يفهمون الثقافة موقف ومسؤولية ، فالثقافة وصناعة التنوير اي صناعة الرأي الانساني متلازمة لايمكن ان تنفصل .

رسم لها ناثان آلتمان هذا البورتريه الذي يُعتبر أشهر أعماله بالإضافة إلى كونه أحد أشهر الأعمال الفنّية العالمية.
وفيه تبدو الشاعرة جالسة على أريكة ومرتدية فستانا ازرق بينما لفّت حول ذراعيها وشاحا اصفر. البورتريه يغلب عليه اللونان الأزرق والأخضر وظلالهما.

لا تعليقات

اترك رد