قراءة ضد فكرة الأنتحار – ج1

 

الموت يعني المكوث خارج المنزل والى الأبد ، ورويدا رويدا تكرُّ من فوقنا الدهور فنضيع تماماً في ذلك النسيان ، وهنا تغريني الكتابة عن الموت الذي أقترب منه في كل لحظة ، إنه هناك ينتظرني في أقاصي اللحظة الأخيرة من حياتي ، طبعا سيجدني الموت ميتا وهذه مروية مليئة برائحة الخيال ، مثلما سأجد الموت غير موجود ، وهذه غرابة تكمن في أن يلتقي كائنان لقاءً شديد الرهبة دون أن يرى أحدهما الآخر ، وهذا ببساطة لأننا التقينا خارج الحياة .. هناك على مصاطب العدم ، هذا لان الموت هنا غير موجود بل إننا نموت فحسب !

ثمة الخلود ، يقف مقابلا للموت حاملا مخاتلةً مرعبة ومفعمة بدلالة تتصل بأثر الميت ، أي ما تركه وخلّفه هذا الميت في مخازن الحياة وسلات مهملاتها المليئة بما يتركه الميتون ، وهنا يكون للميت وجودان وجوده هو عندما يكون وبكل جدية في اللاوجود ، ووجود ما خلفه من اثر يحكي عن سيرته التي تبتعد يوما بعد آخر عن وجوده ، ليظل الأثر موجودا في الوجود بينما صاحبه يتوارى في سُدم اللاوجود ، يتوه ، يضمحل ، يتلاشى ، يذوب في الميتافيزيقيا ، هنا يبدو وكأن الخلود يسرق من الموتى تلك الآثار التي عاشوا من أجلها وأفنوا وجودهم وحياتهم بسببها ليهبوها الى الوجود الفيزيقي ، الأحياء ، يسرقون مخلفات موتاهم في النهاية وفي وضح الموت ، يجردونهم من كل ما عاشوا من أجله ثم يطوحون بهم الى المقبرة ، وسرقة الأحياء للموتى تُنبأ عن غباء الموتى أنفسهم ، لان الأحياء ما كانوا ليسرقوهم لولا أنهم أضاعوا وبكل جدية ممتلكات الخلود في لحظة سريعة وغامضة وخاطفة ألهتهم عما يملكون ، لأنهم وباختصار كانوا يموتون ، وهناك موتى مفلسين لن يفتش الخلود جيوبهم لانها خالية وفارغة فيمضون لحال سبيلهم عابرين الى عدمهم لا يلتفت إليهم أحد .

لكن دعوني أتواصل في فك دلالة العلاقة ما بين الموت والخلود ، فعلى طول الحياة الموغلة في القِدم ثمة موتى أضاعوا كنوزا تهافت عليها الأحياء ، سرقوها فحسب ، ففي سرديات التاريخ وكما روت ليّ الكتب ذلك ، ثمة ألواح طينية مكتوبة باللغة الأكدية تتحدث عن ملك ثلثيه بشر وثلثه الباقي إله ، هذا الملك وذات يوم جال في خاطره أن لا يموت فهام على وجهه يعبر القفار والفيافي وظلام الغابات باحثا عن عشبة الخلود ليبعد الموت عنه ، وفي أحدى محطات استراحاته دخل حانة سومرية ، فثمل وروى حكايته لصاحبة الحانة التي قالت له :- إن الحياة التي تبغي لن تجد ، هذا الملك الدكتاتور مات في النهاية ، دون أن يترك سوى هذه الحكاية التي دوّنها مؤلف أكدي مجهول ، لا أدري إن مات هو الآخر أم ما زال حيا ، الخلود سرق الألواح ثم أطلق ساقيه للريح ، واضعا هذه الحكاية وبطلها في بطون سرديات التاريخ لكن البطل الملك والدكتاتور توارى الى الأبد فيما ظل الأحياء يرددون حكايته ويثملون لفيض جمالها ، هكذا يلعب الخلود بمخلفات الموتى

لا تعليقات

اترك رد