الشيطان في الإبداع الشعري

 

يقال إن الأدب كالطبيعة هو نشاط يبدع مادة حية هي بذاتها برهان نفسها، ويحدث أن ينشط فكر الأديب قليلا، وينقاد وراء الخيال، إذ يبتعد عما هو طبيعي ومألوف، فيغدو كل نتاج فكري يأتيه مربكا للفهم وللإيقاع الداخلي لذهن الإنسان ضربا من ضروب الشيطان، ويقول أبو العلاء: «… كلما رأوا حسنا عدوه من صنعة الجن».

ولقد ميز “شيلي”(1 ) (Shelly) بين الخيال كمبدأ للشعر وبين الفهم، إذ يمكن النظر إلى الفهم على أنه عقل يتأمل علاقات فكرية بفكرة أخرى. وإلى الخيال على أنه عقل فاعل مع هذه الأفكار. فأحدهما هو مبدأ التركيب، والآخر هو مبدأ التحليل. إن الفهم يعكس الفروق، بينما الخيال يعكس مشاكلات الأشياء. فالشعر يجنح بعيدا عبر قناة لغوية غير محددة المعالم باحثا عن ذاته. فالشعر عند هولدرلين «لعب، ومع ذلك فإنه ليس لعبا، فاللعب يجمع الناس ولكن بحيث ينسى كل منهم نفسه في اللعب. أما في العشر فعلى العكس من ذلك يتمركز الإنسان حول أساس آنيته، إنه يصل فيه إلى الهدوء، لكنه ليس الهدوء الوهمي الناتج عن انعدام نشاط الذهن وفراغه»(2 ).

لقد ظل الشاعر سيدا للخيال يرتع في تخوم المجاز، متنقلا مثل حوذي حكيم عبر عوالم لا حصر لها، راسما خطوط الطول والعرض إن شاء لوطن اختاره، أو لمنفى فضله وآثره ومتمردا في نفس الآن على كل القيم العقيمة، رافضا كل أسس الأخلاق التي تهدم مبادئ الإنسانية المبنية على الحرية والحق والجمال. إن التفكير المجرد الذي يسرح في سماوات الخيال «هو إحدى المعجزات، فقد لا أملك الشيء أو لا أراه ولا أصنعه، ولكنني أستطيع فهمه وأعرفه، ومن تم أسيطر عليه تاركا إياه في الوقت نفسه يعيش حياة مستقلة عني»(3 ). لكن كيف للشاعر أن يصاحب شيطانه ؟ وكيف لهذا الشاعر أن يخاطب هذا الكائن الروحي بشكل واضح دون أن يشعر الناس بذلك ؟ بل كيف له أن يجمع بين وجدانه وخرافاته ؟

في “الشيطان الأعرج” عند “ليساج” يدور الحديث التالي بين الطالب و”أسمودي” الشيطان : «مع أن القصة التي تقصها علي مشوقة جدا، إلا أن ما أراه يمنعني من الإصغاء إليك بالقدر الذي أريده من الانتباه. فأنا أرى في أحد البيوت امرأة حسناء تجلس بين شاب وعجوز. إنهم يشربون، على ما يبدو، خمورا لذيذة جدا، وفيما العجوز يقبل السيدة الشابة أرى المحتالة تقدم يدها من وراء ظهره ليقبلها الشاب الذي أظنه عشيقها.

غير أن الأعرج أوضح أن الأمر على العكس تماما. إن الشاب هو زوجها، أما العجوز فعشيقها، فهذا العجوز سيد ذو شأن إنه فارس حائز على وسام “كالاتراف” العسكري، وهو يبذر أمواله على هذه السيدة التي يحتل زوجها منصبا ضئيلا في البلاط. وهي تسرف في مداعبة هذا المغرم العجوز لغاية، وتخدعه حبا منها لزوجها».

إن رؤية الطالب تختلف عن رؤية الشيطان، لهذا كان الإنسان في حاجة دائما إلى قوى غيبية يستعين بها على تفسير ما يعجز عقله عن فهمه واستيعابه. ومادامت القوى الغيبية تنطلق من الطبيعة، فإن اللجوء إلى هذه الأخيرة كان بحد ذاته طلبا لتفسير بعض الظواهر الخارقة، لأن الإنسان كما يبدو غري قادر على استيعاب لهارمونية التناسق الكلي للطبيعة وخفايا الأسرار في الكون وفي داخله هو نفسه. ونجد هذا واضحا في الملاحم مثل: “سيف ذو يزن” و”ألف ليلة وليلة” إذ يتدخل الجن في المواقف الصعبة إما لينجزوا ما عجز الإنسان عن فعله، أو مساعدة البشر إذا ما تعرضوا لمضايقة الأشرار من الجن أو الإنس.

لقد ارتسم الشيطان في الذهن منذ القديم مرتبطا بالتمرد والتكبر وعصيان الأمر الإلهي، وقرن الشعراء بالشياطين. ونعلم أنه في الجاهلية كان الشعراء يزعمون أنها توسوس لهم بأمور خفية، وأسرار دقت معانيها لا يقدر البشر على كشف كنهها أو الوصول إلى ماهيتها إلا بواسطة الشياطين من الجن ومساعدتهم.

يقول امرئ القيس:

أنا الشاعر الموهوب حولي توابعي من الجن تروي ما أقول وتعزف

ويقول أبو نواس:

ناديت إبليس ثم قلــت لــه لا تسق هذا الشراب عذا لــي

أما جرير فينشد قائلا:

وإني ليلقي علي الشعر مكتهــل من الشياطين إبليس الأبالــس

ويزعم الفرزدق أن قصيدته التي يقول في مطلعها “عزفت بأعشاش وما كدت تعزف” كانت من إيحاء الجن إذ يقول: “أتيت منزلي، فأقبلت أصعد وأصوب في كل فن من الشعر، فكأني مفحم، لم أقل شعرا قط، حتى إذا نادى المنادي بالفجر، رحلت ناقتي ثم أخذت بزمامها، فقدت بها حتى أتيت ذبابا (مكان بالمدينة) ثم ناديت بأعلى صوتي: أجيبوا أخاكم أبا لبينا، فجاش صدري كما يجيش المرجل، فعلقت ناقتي وتوسدت ذراعها، فما قمت حتى قلت مائة وثلاثين عشر بيتا.

وقد أتى الفرزدق إلى الحسن وقال له: إنني قد هجوت إبليس فاسمع. قال له الحسن: اسكت. قال الفرزدق: إن لم لسمع فسأخرج إلى الناس، وأقول إن الحسن ينهى عن هجاء إبليس. قال له الحسن: اسكت يا فرزدق فإنك بلسانه تنطق، فكست الفرزدق مفحما ومضى في حال سبيله.

كان أبو نواس يكثر من ذكر الشيطان، بل يستعين به في قضاء مآربه ومغامراته وفساده، إذ يقول:

لم يرض إبليس الظريف فعالنــا حتى أعان فسادنـا بفســاد

هناك ظاهرة أخرى تتجلى في وحدة الشيطان بين شاعرين وخير نموذج لهذا المثال هما جرير والفرزدق. «وتتمثل هذه الظاهرة في أنه كان يوحى إلى واحد منهما في مكان فيقول الشعر، أو البيت أو البيتين في الغالب، ويتوقع أن يقول صاحب هذا القول ثم يحدث ما توقعه. فإذا سئل عن ذلك مع استحالة الاتصال بينهما، وانتقال الأبيات من مكان إلى مكان كان تحليل ذلك عندهما: “أمت علمت أن شيطاننا واحد”»( 4)، حيث ورد في كتاب الأغاني أن الفرزدق نزل هو ومن معه بقوم من العرب فأكرموه وأحسنوا قراه. فلما كان في الليل دبَّ إلى جارية منهم فراودها عن نفسها، فصاحت، فتبادر القوم إليها، فأنقذوها منه ولاموه على فعلته، فجعل يتفكر ويهيم، فقال له صاحب البيت: أتحب أن أزوجك من هذه الجارية ؟ قال: لا والله وما ذلك بي، ولكن كأني بابن المراغة (أي جرير) قد بلغه هذا الخبر قال:

وكنت إذا حللت بدار قـــوم رحلت بحرية وتركت عــارا

قال الرجل: لعله لا يفطن لهذا. قال: عسى أن يكون ذاك، فوالله بعد أن مر بهم راكب ينشد هذا البيت، فسألوه عنه، فأنشدهم قصيدة لجرير فيها هذا البيت بعينه، ويعبره بذلك الفعل فيها.

من خلال هذه الظاهرة «علل الدكتور عبد الرزاق حميدة في كتابه “شياطين الشعراء” حدوث هذه الظاهرة بسبب تشابه نشأتهما ووحدة قبيلتهما وطول ما كان بينهما من الهجاء وحفظ كل منهما لشعر صاحبه إضافة إلى أن كلا منهما كان يفهم روح صاحبه وطريقته الفنية وقاموس ألفاظه»( 5).

وقد اعتبر العقاد(6 ) أن الشيطان هنا، هو شيطان فني أو أستاذ فنان لا شأن له بوساوس الضمائر ووساوس الأخلاق. وكل شأنه أن يصنع ما يعجز الإنس عن صنعته لدقته أو عظمته.

يقول أبو العلاء: «كلما رأوا حسنا عدوه من صنعة الجن». من هنا نتساءل لماذا كان كل أمر فارق أو بديع يأتي به الفرد ينسب إلى الجن، وأنه جاء بمعونتهم ؟

لقد كان كل شاعر يصنع شيطانه على الصورة التي يتخيلها وكأنه أحد أبطال ملاحمه، تكون له مواقف وردود أفعال. ففي قصيدة “الفردوس المفقود “لميلتون (Milton) يرى الشيطان أن كلمة الخضوع تعني الاحتقار. وبهذا أصبح سجينا لهذه الفكرة التي أصبحت الشغل الشاغل له، وبذلك أثرت كثيرا في قراراته، وأصبح ينظر إلى نفسه أنه شخصية محتقرة. لهذا كان شيطان ميلتون ثائرا. والشاعر الإيطالي “كاردوتشي” (Carducci) هو أيضا صور شيطانه متكبرا وثائرا.

وقد أرجع النقاد سبب هذا التصوير إلى أن الشاعرين عاصرا ثورة عنيفة فوضعا على لسانه الكلام الذي يريدانه ويخفيانه في مضامين القول. ويذهب العقاد إلى أنه من خلال «هذا الارتباط بين ثورة إنجلترا وشيطان ميلتون، وثورة إيطاليا وشيطان كاردوتشي، يرى النقاد أن هذين الشياطين نسخة مقتبسة من أقدم الشياطين المتمردين في آداب العالم المحفوظ، وهو الرب اليوناني القديم بروميثيوس (Prometheus) الذي تمرد على رب الأرباب زيوس (Zeus) ليعلم أبناء آدم ما أخفاه الأرباب عنهم. ويتخذ من هؤلاء الآدميين تلاميذ له ومريدين»( 7).

كما كان كل شيطان يعرف باسم كل شاعر الذي اختاره، هناك شيطان الشاعر لرمنتوف (Lermontov) الذي عاش في أوائل القرن 19، وشيطان غوته (Goethe) في روايته فاوست (Faust) الذي يرمز إلى السحر والمعرفة الباطنية واسمه “مفنستوكليس”.

 


لماذا يختار كل شاعر شيطانه الخاص ؟

لأن الظروف التي عاصرها هؤلاء هي التي كانت تحدد شروط اختيار شيطان معين، فكما سبق الذكر إن الشاعرين كاردوتشي وميلتون، اختارا شيطان التمرد والتحدي والغضب، لأنهما كانا يثوران على سلطني الملوك والكهان. أما غوته فهو عاصر النهضة العلمية في بلده لذلك اختار شيطان المعرفة لأنها كانت الدعامة الأساسية لتلك النهضة. أما شيطان لرمنتوف فهو في حقيقة الأمر لرمنتوف نفسه، مع بعض المزايا التي يتمناها الإنسان ويعجز عن نيلها بسهولة. وهذا الشيطان يحب فتاة من الإنس ويتراءى لها متجملا في أبهى حلله وتكاد أن تهجم خطيبها من أجله. يغار الشيطان من خطيبها فيقتله وينقل جثته إليها لتوقن من وفاته وتنساه فتنقلب الآية وتحزن عليه، فتهجر محاسن الحياة إلى الدير، وتنذر الرهبانية مدى الحياة، يجن جنون الشيطان ويلاحقها ويتصدى له الملك الحارس عند الباب فينصر عليه، ويدخل إلى غرفة الفتاة فيملك الجسد وتصعد الروح إلى السماء، ويعلق العقاد على هذه القصة قائلا: «ولم يتصرف لرمنتوف كثيرا في نقل الصورة من ذات نفسه، ولم يبتعد بالحادثة كلها عن المكان الذي قام فيه وهو يكتب القصة، فقد أرجاها في بلاد القوقاز حيث كان يقيم منفيا مغضوبا عليه»( 8).

لعل السبب الرئيسي الذي كان يدفع كل هؤلاء أن يزعموا وجود علاقة لهم الشياطين هو إثارة انتباه الآخرين إليهم وإضفاء طابع العبقرية على إبداعاتهم، كما أن هذا الأمر كان من باب التفاخر والتباهي.

هوامش:

1 – غيورغي غاتشف –الوعي والفن- (ترجمة نوفل نيوف) عالم المعرفة عدد 146، ص: 235.

2 -مارتن هايدجر، هيلدرلين وماهية الشعر (ترجمة: فؤاد كامل)، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1974، ص: 142.

3 – غيورغي غاتشف –الوعي والفن- ص: 198.

4 – فهد السبعي – شياطين الشعر بين الحقيقة والخيال- جريدة الرياض، عدد 13476 (17 ماي 2005).

5 – نفس المصدر السابق.

6 – عباس محمود العقاد –أبو نواس- الحسن بن هانئ – دار الرشاد الحديثة، ص: 95.

7 – نفس المصدر السابق، ص: 96.

8 -نفس المصدر السابق، ص: 99

لا تعليقات

اترك رد