بعد مرور سنوات : الثورات العربية هل صنعت تحولاً ديمقراطياً حقيقياً ؟؟


 

مع بداية ما يسمي الثورات العربية فى العام 2011 حيث تطلع الجميع إلى بدء مرحلة ديمقراطية مزدهرة اسمها الربيع العربي ، خاصة بعد سقوط أنظمة شمولية بوليسية فى عدة دول عربية، اذ تنبأ الجميع بحلول ربيع عربي لا نظير له فى منطقتنا العربية بعد مرور عشرات السنوات الطويلة على أنظمة سياسية ومراحل من التسلط والاستبداد والدكتاتورية والاضطهاد .

قد يكون من غير الصواب أحياناً ، أن نتعمق كثيرا فى التعاطى مع مدلولات الديمقراطية ومبادئها دون الوعى والادراك بأن العملية الديمقراطية كفعل واقع وملموس هى نتاج لتراكم ثقافى متواصل سائد فى أى مجتمع ، كفعل تلك الثقافة السائدة فعلها فى بلورة العملية الديمقراطية بصورتها التى هى بحاجة لها .

الديمقراطية ليست فقط ممارسة سياسية لمجموعة نظم قوانين تضعها السلطة المخولة فى النظام وتمنحها منحة ديمقراطية للافراد كحق الترشيح والانتخاب مثلا ، إنما هى واقع ديناميكى حياتى شامل لحياة المجتمع بأفراده على كل مظاهر الحياة، تتمتع هذه المظاهر وأسسها بمجموعة من القيم والعادات التى يعمل على تطوير البيئة الثقافية التعليمية التى هى بدورها تحافظ على استمرارية وتطوير وضع العملية الديمقراطية .

فى حين فإن التحول الديمقراطي المقصود به هو حدوث عملية تبدل أو تغيير جذري وشامل في بنية المجتمع، وذلك بسبب فعل الثورات التي تحدث تأثيرات بالغة على كافة الأنساق الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب النظم السياسية السلطوية القائمة، والتي غالبا ما يتم استبدالها بنظم ديمقراطية فاعلة وحديثة تؤْمن بالتعدديّة السياسيّة والتداول السلميّ للسلطة، من خلال الممارسة الديمقراطيّة عبر صناديق الاقتراع، إلى جانب الإيمان بحريّة التعدديّة الدينيّة والمذهبيّة والقوميّة والثقافيّة والاجتماعيّة للأقلّيّات وحمايتها، ومن ثم تلبي ما عجزت عن تلبيته الأنظمة المستبدة .

التحول الديمقراطي يشير إلى صورة اتساع المشاركة الشعبية ففى عملية صنع القرار وزيادة محاسبة النخبة ، وهنا تجدر الاشارة إلى أن مفهوم التحول الديمقراطى لا يتسم بالثبات وإنما بالديناميكية والتعقد .

فى ظل هذين المفهومين المترابطين يتأتى السؤال التالى هل ثورات الربيع العربي خلقت ماانطلقت من أجله ؟؟ وحققت أهدافها فى الديمقراطية والاستقرار والأمن القومي لبلدانها على الأقل ؟؟
برأيي أن النتيجة التى باتت واضحة أن هذا الربيع انقلب خريفاً كاملاً أو ما يمكن أن نسميه شتاء فوضوياً .
وهذه النتيجة بدورها أيضاً قد أدت إلى جملة من التساؤلات:
أولها لماذا فشلت حقاً دول هذا الربيع في الوصول للتحول السياسي الديمقراطي الحقيقي؟؟
وأين ذهبت التجمعات والتظاهرات المليونية التى انطلقت بكل الحماس والعنفوان لتخبرنا أن التغيير الايجابي آت لامحالة !!
هل التحول المنتظر بات بوابة للموت وفتح للحروب والصراعات الأهلية الطائفية والمذهبية على مصراعيها ؟؟
وهل هذه الثورات كانت بالفعل ما هي إلا مجرد ردات فعل مؤقتة و عبثية ؟؟
لقد فشلت مساعي التغيير فى الوقت الذى يحتاج فيه العالم العربي إلى التشبع بثقافة الديمقراطية ، ولم يعد هنالك أى مقومات محلية أو اقليمية تدعو للتفاؤل بوجود تغيير فى المستقبل القريب مع طغيان حالة التشدد الاسلامي، وصبغة التغيير بعاصفة ارهابية ، أتت
على أواصر الترابط بين أبناء الوطن الواحد .
إن الديمقراطية والتى كانت المفجر لثورات الربيع العربي لم تتحقق، ويرجع هذا الاخفاق فى احدى صوره وليس كاملها إلى صعود تيار الاسلام السياسي والذى قفز على السلطة وهدف إلى تبنى أجندة تحقق مصالحه ولا تتوافق مع القيم والمبادئ الديمقرطية ، وهذا انعكس بكل تأكيد إلى توسع ثقافة اقصاء الآخر ، واشتعال نيران الحرب الأهلية فى بعض دول المنطقة ، وانتشار الفوضى العارمة وغياب دور المؤسسات الرسمية.

لقد أخفقت من وجهة نظري نظم مابعد الثورات العربية فى تحقيق وعود ما قبل انطلاقها ، أخفقت فى تحقيق الديمقراطية المنشودة والتحول الديمقراطي الذى يفترض أن يحقق دولة أكثر استقرارا وأمناً ونمو اقتصادى وثقافي .
ويبقي السؤال معلقاً هل ما كان هو صحوة نحو الديمقراطية أوصلتنا إلى غفوة اللامنتهى !!

لا تعليقات

اترك رد