ما بعد مؤتمر الأستانة : قراءة في البعدين الإقليمي والدولي للأزمة السورية – ج٢

 

دبلوماسية ما بعد حلب و”المناطق الآمنة”
​لقد فتحت استعادة الحكومة السورية سيطرتها على حلب، وإخراج المسلّحين وهزيمة الإرهابيين، الباب أمام حركة دبلوماسية سريعة وكثيفة بشأن الحلّ السياسي، خصوصاً وأن الحل العسكري أو الأمني لم يكن بإمكانه إنهاء الصراع في سوريا، فلم تتمكّن الدولة حتى الآن من القضاء على المجموعات الإرهابية والمسلّحة، أو إنهاء المعارضة، فضلاً عن الدعم الإقليمي والدولي، والتسليح والتجهيز والتمويل.

​كما لم تتمكّن المجموعات الإرهابية والمسلّحة ومن ضمنها المعارضة، من الإطاحة بنظام الحكم، حتى وإن أضعفوا الدولة، لكن تماسك الجيش ووجود نواة صلبة ملتفّة حوله، حال دون الانهيار، وذلك بمساعدة إقليمية – دولية، منها الدعم اللوجستي الذي قدّمه حزب الله اللبناني، إضافة إلى الدعم الإيراني المتعدّد الوجوه عسكرياً وأمنياً وسياسياً واقتصادياً، يضاف إلى ذلك الدعم الروسي العسكري، وخصوصاً من خلال الضربات الجويّة التي كانت مؤثّرة جداً في إلحاق هزيمة بالقوى الإرهابية التكفيرية، الأمر الذي غيّر من موازين القوى بين الفرقاء المتنازعين في الأزمة السورية.

​لكن القوى الإرهابية والمسلّحة وبقية قوى المعارضة لم تفلظ أنفاسها، و إنحسر دورها وتمزّقت وحدتها، إلاّ أنها ما تزال عنصر مشاغلة وتهديد وورقة بيد القوى الدولية التي تبحث عن موطىء قدم لها في سوريا، بعد أن فشلت في الإطاحة بالدولة، فعلى الأقل قد تجد فرصة في “مناطق آمنة” Safety Zone أوSafety Area واختراقات محدودة، لكي تبقى بؤرة توترات مستديمة ومستمرة ومصدر إزعاج مستقبلي.

​وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد اقترح بعد مؤتمر الأستانة، إقامة “مناطق آمنة” لإيواء النازحين واللاّجئين، وتقديم المساعدات الضرورية لهم، وأبدى وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف استعداد موسكو مناقشة الفكرة شريطة التنسيق مع دمشق وموافقتها، وجاء ردّ الفعل السوري سريعاً على لسان وزير الخارجية وليد المعلم، الذي حذّر من تداعيات خطيرة قد يسفر عنها تحقيق هذه الفكرة دون التنسيق مع الحكومة السورية، لأنه سيؤدي إلى المساس بالسيادة الوطنية. وكانت دمشق قد رحّبت بنتائج مؤتمر الأستانة، واعتبرت وقف إطلاق النار خطوة تمهيدية للحوار السوري – السوري.

​ويعيد مفهوم المناطق الآمنة إلى الأذهان القرار الذي اتخذ بشأن الملاذ الآمن في شمال العراق، لا سيّما بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 688 في 5 نيسان (أبريل) 1991، الذي أدان القمع الذي يتعرّض له المدنيون العراقيون في أجزاء كثيرة من العراق، والذي شمل مؤخراً المناطق السكانية الكردية، وتُهدّد نتائجه السلم والأمن الدوليين في المنطقة، وهو مسألة ترفضها الحكومة السورية بشدّة، لأنها تدرك أن وجود مثل هذه المناطق ودون الاتفاق معها يعني ثلم جزء من سيادتها، وهو الأمر الذي ارتبط بفرض الحصار على العراق، الذي استمر أكثر من 12 عاماً، وكان ذلك تمهيداً لغزوه.

​وعلى الرغم من الغموض والإبهام فيما يتعلّق بإقامة المناطق الآمنة في سوريا وجوارها، فإن الرئيس ترامب زادها غموضاً والتباساً خلال مهاتفته الملك سلمان بن عبد العزيز “ملك المملكة العربية السعودية”، لا سيّما حين عوّم المسألة وعمّمها بشموله دول الجوار الإقليمي. وإذا كان الأمر يتعلّق بالنازحين واللاجئين السوريين، فمن باب أولى التنسيق والتعاون مع دمشق التي تشترط موافقتها على أي منطقة آمنة لأغراض إنسانية. أما إذا كان الأمر يمتد إلى جوار سوريا (عمان وبيروت وأنقرة) حيث الكثافة الكبيرة للاجئين السوريين، فيقتضي موافقة حكومات هذه البلدان.

​وبالعودة إلى سوريا كيف سيتمّ اختيار المناطق الآمنة؟ ومن سيديرها؟ وكيف ستتكفّل الجهات الدولية تقديم المساعدة لها؟ وهل ستكون الدول الضامنة لمؤتمر الأستانة الدور الأساسي فيها؟ وكيف سيتم التنسيق مع الأمم المتحدة والهيئات الإنسانية الأخرى؟ هذه وغيرها أسئلة تحتاج إلى تفاهمات مسبقة، تتم مع دمشق، خصوصاً وأن هناك رؤى مختلفة ومتعارضة إزاء موضوع إدارة المناطق، فـ”وحدات الحماية الكردية” تعمل بالتعاون مع قوات التحالف الدولي “الأمريكي” باسم “قوات سوريا الديمقراطية” وهناك مناطق تابعة للجيش التركي في وسط منطقة جرابلس، حيث يوجد فيها الآن، مثلما هناك مناطق تحت سيطرة الجماعات الإرهابية، مثل “جبهة فتح الشام”، و”داعش” وغيرها، مثل إدلب والرّقة، فكيف سيتم التعامل معها؟

​لقد اضطرّت القوى المعارضة، إضافة إلى الجماعات المسلّحة – دون أن نُدخل في حسابنا الجماعات الإرهابية والتكفيرية، سواء “داعش” أو “جبهة فتح الشام” أو أخواتها – إلى القبول بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، والأمر يتعلّق أولاً باختلال موازين القوى على الأرض، ولا سيّما بعد خروجها من حلب، بل إنها كانت في حالة تراجع وتقهقر مستمرين، وثانياً أصبح واضحاً وبعد نحو 6 سنوات أن القوى الدولية الإقليمية تهمّها مصالحها، وأنها غير معنية باستمرار الحرب الأهلية حتى لو تم تدمير كامل سوريا، فذلك إحدى أهدافها، وسيكون المستفيد الأول منها “إسرائيل” والصهيونية، وثالثاً أن الضغوط التي تعرّضت لها من جانب تركيا أجبرتها على قبول الحوار مع الحكومة السورية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وربما ساعد ذلك في دفع العملية السياسية.

​وقد يكون للداخل التركي انعكاساً إيجابياً على الأزمة السورية، “فربّ ضارّة نافعة” – كما يُقال – خصوصاً بعد تعرّض النظام التركي لهزّة عميقة إثر محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز (يوليو) العام الماضي 2016، والتي لا تزال تداعياتها مستمرّة حتى الآن، وتواجه سياسة تركيا الإقليمية تحدّيات عديدة، إضافة إلى ردود فعل داخلية وخارجية، فالانقلاب ترك ندوباً وآثاراً على الدولة التركية، بل وصورة تركيا التي تم رسمها على نحو إيجابي في السنوات الخمسة عشر الماضية، باعتبارها تمثل نموذجاً “للإسلام المعتدل” و”الدولة المدنية”والحداثية، وهو الأمر الذي أصبحت الشكوك بشأنه تكبر، ليس في الغرب فحسب، بل في دول الإقليم، بسبب تدخلاتها من جهة، وفي الداخل التركي أيضاً حيث يتخذ الصراع طابعاً عنفياً.

​وكانت مفاوضات الأستانة (كانون الثاني/ يناير/ 2017)، قد شملت قضيتين أساسيتين تم الاتفاق عليهما وهما:

يتبع

المقال السابقلوحة الأمل
المقال التالىكلمات أماكن ومعاني
المفكر عبد الحسين شعبان مفكر وباحث عراقي متخصص في القضايا الاستراتيجية العربية والدولية درس وتعلّم في النجف وبغداد وتخرج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بغداد واستكمل دراسته العليا في براغ حين نال درجتي الماجستير والدكتوراه (مرشح علوم) في القانون (دكتوراه فلسفة في العلوم القانونية). عضو ف....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد