مواطن جمال المرأة في الشعر الجاهلي


 

ان الجوانب الخلقیة والجمال النفسي للمرأة، لا یقل أثراً في نفس الرجل، عن جمال الجسد، بل لعلّه أعمق منه وأقوی اجتذاباً فالمرأة العفیفة والمتمنعة هي‌ اسمى وأکثر تفضیلاً‌ في نظر الرجل، وأن القلب عادة یعاف المرأة المتبذلة، فالمرأة المصونة تحمي ‌نفسها وذویها من العار ومن اعين الرقباء..

اقتصرت أغلب القصائد الغزلية في الشعرالجاهلي على وصف الجمال الخارجي للمرأة كجمال الوجه والجسم والمظهر الخارجي وكان الشعراء يتفننون بوصف هذا الجمال , لكنهم قلما تطرقوا إلى وصف ما ترك هذا الجمال من اثر في عواطفهم ونفوسهم .فقد احب العرب في المرأة بعض الصفات التي توجد فيها ومن خلال ما ذكر قصائد الغزل في الشعر الجاهلي .لذا يمكننا أن نستخلص أوصاف المرأة في هذا العصر التي أحبّها الشعراء وتغنوا فيها بشعرهم عامة . فقال الشاعر النابغة الذبياني :

بَیِضاءُ کالشّمْسِ وافَتْ یَومَ أسْعَدها
لَمْ تُؤذِ أهلاً ولم تُفحش علی جار
أقولُ وَالنّجْمُ قَدْ مَالَتْ أواخِرُهُ
إلی المَغیبِ تُبیتُ نظرة حارِ

أَلَمْحَةٌ مِنْ سَنا بَرْقٍ رَأی بَصَري
أمْ وَجْهُ نعمٍ بَدا لِي، أمْ سَنَا ناَرِ؟

بَلْ وَجُهُ نُعمٍ بَدا، وَالَّلیْلُ مُعْتَکرٌ
فَلاحَ مِنْ بَیْنِ أَثْوابٍ وَأَسْتارِ

فالعرب احبوا المرأة وتغنى شعراء فيها فأجاد الكثير منهم وصف ما احبوه فيها وخاصة مفاتنها وما يسحرهم فيها فقد احبوا جسدها بما فيه الصدر والنهد والخصر والبطن والردف الثقيل واحبوا تناسق هذا الجسد واظهروه في الصورة الشعرية للجمال مع تناسق الطول والقد. وهنا اود ان ابين كل ما احبه الشعراء فيها ومواطن الجمال في جسدها الناعم وما تغنوا فيه واذكر بعض مواطن هذا الجمال في المرأة وتغنيهم به :

1- الصدر والنهد: وصف الشاعرالجاهلي كل ما اثاره في جسم المرأة وما رغّبه فيها ومن اوائل ما تغنوا فيه صدر المرأة المثير بدءا من نحرها و سحرها فجعلوه مفتاحا للتكون الجنسي بما يتجاوز حدوده العالم الحسّي، وشبهوا ما فيه من نهود ها بالرمان في استدارته، وبحُق العاج لصفائه. وبياضه بالمرمرالناصع واطلقوا على نهديها بالثمار، واطلق على المرأة أسماء بشكل نهديها، فالكاعب : الصغيرة التي كانت نهداها في أول بروزهما ، والناهد من كبر نهداها واستقرت وقد ورد في القرآن الكريم اوصاف نساء الجنة في عدة ايات في سور مختلفة ومنها ( كواعب أترابا ) بمعني مكتملة النهدين مكتنزة اعمارهن متقاربة في سن المراهقة والشباب .
ومن اجمل ما في النهدين الحلمتان وما كان نافرا ورديا، تُسمّى الحلمتان (نقطة العنبر) فهذا الشاعر النابغة الذبياني يقول:

والبطن ذو عُكَن خميص طيّه
والصدر تنفجه بثدي مُقعـد

ويقول الشاعر عمرو بن كلثوم يصف النهدين وبعض اجزاء جسدها :

وثدياً مثلَ حُقِّ العاجَ رَخْصاً
حَصاناً من أكفِّ اللاّمسينا

ومتني لدنه سمقت وطالت
روادها تنوء بما ولينا

وما كمة يضيق الباب عنها
وكَشْحاً قد جُنِنْتُ به جُنونَا

2- البطن : اما البطن فقد تولّه الشعراء العرب بها واحتل وجدانهم الشعري السمين والممتلئ مع ضمور في الخصر من جسد المرأة فشبّهوا البطن وطيّاته بالأقمشة وبالأمواج الرقراقة ثم ما لبث الذوق أن تحوّل إلى محبّة البطن الضامر ففي البطن جمال أخّاذ وفيه بعض مكامن الإثارة والاشتهاء،وخاصة السُّرة الواسعة وقد رسمها بعض الشعراء وصفا بمُذهُنُ العاج، إشارة إلى اتساعها فقيل فيها : إنها تسِع أوقِية من المسك. فهذا عنترة يصفها بقوله :

وبطن كبطن السّابريّةِ ليِّن
أَقَبُّ لطيف ضامرُ الكشحِ مُدمَجُ

3-الشعر الطويل : فقد احب العرب المرأة التي تمتاز بطول شعرها فشعر المرأة الجاهليّة التي أحبّه الشعراء هو الشعر الأسود الفاحم او الحالك كالليل الظلم ، على أن يكون طويلاً وكلما كان طويلا كان اجمل – ولا زلنا كذلك حتى يومنا هذا نحب الشعر الطويل لانه يزيد كما اراه في جمالها – فطول شعر المرأة وشدّة اسوداده او ميله للسواد من عناصر الجمال في المرأة الجاهليّة يقول أمرؤ القيس :

غذائرها مستشذرات إلى العلى
تضّل العقاص في مثنى ومرسل

الغديرة: الخصلة من الشعر او هي الجديلة
مستشزرة : مفتولة أي ملفوفة على بعضها
– العقصة( بالكسر): العقدة في الشعر
– المثنّى: الشعر المطوي بعضه على بعض
– المرسل: الشعر المنسدل او الشعر السرح
و قال ايضا :

وفرع يزيّن المتن أسود فاحما
أثيث كفتؤ النخلة المتعثكل

– الفرع: الشعر-
– المتن: اعلى الظهر
– أثيث: كثيف
– القنو: العذق الجاف الذي جرّد من تمره
– المتعثكل: الذي يبرز منه أشياء كأنّها تتحرّك في الهواء ويمثلها بعثق النخلة .

ومن خلال تتبعي للشعر الجاهلي لاحظت أنّ العرب لم يميلوا إلى الشعر الناعم المستقيم او السرح ، بل إلى السبط المتموّج. وربّما كانت المرأة العربية ترسل بعض الغدائر في مقدّمة رأسها لكي يظهر شعرها متوجا متموجا وفقا للفة الغديرة الواحدة ومن الطبيعي ان الغدائر اذا فلّت او انحل ظفرها يظهر الشعر المفلول متعوجا وفقا لتعرجات الظفيرة فالمرأة عندما تفتح او تفلّ شعر جدائلها يبدو متموجا كنسيمات مرت على على كثيب من الرمل او جدول ماء فحركته جميلة هي. ويزيد من جمالها اذا كان هذا التعرج او الالتواآت ظهر عليها ضوء الشمس او أي ضوء قوي فانه يعكس اشعاعات وتموجات ضوئية في هذا الشعر تزيده جمالا وتحببا الى النفوس ورغبة جانحة الى لمسه وربما أخرجت المرأة من مقدمة ناصيتها بعض غدائرها وفي ذلك يقول الشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكريّ :

(……. وقروناً سابقاً أطرافها)

وقد استحسن امرؤ القيس كثافة هذه القرون حتّى شبّه بها شعر فرسه حيث قال:

لها غدر كقرون النساء

والغدر او الغدائر أي الضفائر مفردها غديرة او ظفيرة
وقرون النساء \ ظفائرها او غدائرها

4 – طول القامة مع بدانة في الجسم : أي قامتها طويلة وتسمى الفارعة مكتنزة الجسم في مواصفات جميلة مشوبة بالسمنة غير الثقيلة ثقيلة الارداف والعجز نحيلة الخصر:
ومن امثلتها يقول الشاعر عمروا بن كلثوم:

في معلق سمنت وطالت
ردافها تنوء بما ولينا

أي سمينة طويلة الارداف ثقيلتها
وقول الشاعر المراد بن منقذ العدوي :

قطف المشي قريبات الخطى
بدّنا مثل الغمام المزمخر

القطوف : البطيء أو البطيئة في السير أي تمشي على مهلها دلالا وتغنجا خطواتها قريبة من الاخرى .
– البادنة : السمينة ذات اللحم المكتنز الملفوف وليست المترهلة
المزمخر: الكثير الصوت مثل الرعد ويكون عادة كثيفا ثقيلا بطيئا

5- سعة العيون وحورها :

احب الشعراء العرب العيون الواسعة التي فيها او في طرفها حور وقد شبهوا عيون المراة بعيون البقرة الوحشية لسعة عيونها حيث تمتاز البقرة الوحشية ( المها ) بسعة العيون وشدة سوادها ونصاعة بياضها والحور هو شدة سواد الحدقة مع شدة بياض العين ومن امثلتها :
يقول امرؤ القيس :

تصد وتبدي عن أسيل وتتقي
بناظرة من وحش وجرة مُطْفِلِ

تصدّ: تنفر، تدير وجهها فيبدو خدّها أسيلا
وتتّقي: تحذر
الوحش: أي البقر الوحشي
– وجرة: اسم مكان
مطفل: لها طفل إذا كانت الظبية مطفلا كانت أشدّ شراسة في دفع الذين يقتربون من اولادها.

والشاعر امرؤ القيس فإحساسه الرهيف بكل ما في نظرة المحبوبة من عطف وحنان او اشتداد وجد ومحبة قد أثَّر في وِجدانه الشعري بالاستجابة والتفاعل من تذوق الجمال وسُمو الرُّؤية الحسِّية.لكن حين ننشد التعبير عن نظرة هذه العين الجميلة الواسعة ، وهذه النظرة العميقة النافذة، وهذا الحنان الذي يشع منها سناءا والعطف الذي يفيض عنها نجد الشاعر يترجمها بنظرة بقرة وحشية مُطْفِل فيها الوداعة او الحذر في آن واحد .

6- جمال الوجه : احب الشعراء العرب في الجاهليّة الوجه الصافي النقيّ فيه بياض تشوبه سمرة قليلة او بياض مائل الى السمرة أي صفاء ونقاء وبياض في سمار ، وقيل ايضا في وصفها – أدماء- والأدمة تعني السمرة، والأديم هو ظاهر الارض ومن امثلتها :
قال زهير بن ابي سلمى :

فأمّا ما فويق العقـــــد منهـا
فمن أدماء مرتعهــــا الكــــلاء

وأمّا المقلتـــــان فمن مهاة
وللدرّ الملاحـــة والصفـــاء
المها: البقر الوحشي
الدرّ: اللؤلؤ
الملاحة : حسن الوجه
والصفاء : الخالي من أي اثر أي الناعم
وقال الأعشى:

ظبية من ظباء وجرة ادماء
تسف الكباث تحت الهـــدال

وجرة: اسم مكان
– أدماء: سمراء
– سفّ الدواء: تناوله
– الكباث: ثمر شجر الأرك
– الهدال: نبات طفيلي يتعلق بالأشجار

فالعرب أحبّوا اللون الابيض الذي يخالط بياضه شيء من الصفرة فيخرج لون كلون القمر أو الدرّ يسمونه (أزهر) .
وقد مدح امرؤ القيس هذا اللون في معلقته في قوله :

كبكر المقاناة البياض بصفرة
غذاها نمير الماء غير المحلّل

وبيضةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها
تمتّعْتُ، من لهوٍ، بها : غيرَ مُعْجِلِ

البكر: الفذّ الذي لم يسبق بمثله وتعني البنت الباكرة التي لم تتزوج ولم يقربها رجل .
– المقاناة: الخلط
– النمير: الماء الصافي
– المحلل: الماء الذي ينزل بقربه أقوام كثيرون فيصبح عكرا
وفي الوجه ايضا احب الشعراء العرب ايضا ذات الخد الاسيل أي الطويل الاملس الناعم الخالي من الشعر او الزغب .

7 – الثغر : وهو الفم و مقدمة الاسنان فيه . فيصف أمرؤ القيس الثغر فيقول:

بثغر كمثل الاقحوان منورّ
نقي الثنايا أشنب غير أثعل

الاقحوان: نبات بريّ بتلاته بيض تشبه الأسنان وقلبه أصفر
– منوّر :مزهر
– أشنب: أبيض
– أثعل: متراكب بعضه فوق بعض

ومن هنا نجد أنّ الشعراء العرب احبوا الأسنان البضاء التي تكون ذات لون نقيّ برّاق منوّر .

8- الشفاه : فالجميل فيها أنّها شديدة الحمرة كالرمل الخالص – من هنا استخدم في هذا العصر( احمرالشفاه ) لتجميل الشفتين او اللمى- ويستحسن أن تكون متضخّمة قليلا ومن امثلتها قول طرفة بن العبد:

وتبسم عن ألمى كأنّ منوّرا
تخلّل حرّ الرمل دعص له ندي

ألمى : فم ذو شفتين سمراوين
تخلل حر الرمل : أسنانها نابتة في لثة حمراء صافية
الدعص : الجانب المكور من الرمل
أمّا الشفاه فقد وصفت باللعس (الميل إلى السمرة) وسميت البنت التي في شفافها سعة – لمياء- كونها يخالطها سمار خفيف

9- الانف : فقد احب العربيّ من الانف ما كان أقني دائماً اي مرتفعاً وسط القصبة فيه ضيق في المنخرين مع استقامة فيه يقول الشاعر معن بن أوس :

وأقنى كحدّ السيف يشرب قبلها

و الأقنى: الذي يشبه القناة أو الرمح في الاستقا مة

10- جمال اليدين : فقد اختلف الشعراء في جمال اليد بدءا من المعصم وانتهاءا بالاصابع وبما أنّ الوشم كان الصفة المتبعة أنذاك فقد وجد بعض الشعراء أنّ اليد الخالية من الوشم هي الاجمل . ومن امثلتها يقول الشاعرعبيد بن الابرص:

وإنّها كمهاة الجوّ ناعمة
تدني النصيف بكفّ غير موشوم

المها: بقرة الوحش
النصيف:الغطاء

11- الارداف والافخاذ : وقد أحب العرب الأرداف الطويلة الضخمة الممتلئة والافخاذ المليانة المكتنزة المدورة الملساء والخالية من الشعر اوالزغب مع بياض مشوب بحمرة وكانت عندهم فُسحة مُضيئة في خريطة الجمال والأنوثة والرغبة لديهم، وقد شبّهوا الردفين بكثيب الرمل ، بالدعص ،وبالموج يقول الشاعر النابغة الذبياني:

مخطوطة المتنين،غير مفاضة
ريَّا الروادف ، بضّة المتجرّد

يقول اخر يصف حبيبته :

مخطوطة المتنين مُضمَرة الخَشا
ريَّا الروادف، خلقها ممكور

والفخدان تفضيان الى مكامن السحر والجمال فيهما الإغواء والإغراء والشهوة .لذا كانت الفخذ الجميلة هي اللَّفاء المكتنزة ، تتناسق مع عظم الردف وتدويره وقيل فيه إنه أنعم من الحرير وألين من الزبد، والساق الاملس او الاجمل فهي الساق الرّيّا الممتلئة القوية .وشبَّه الشعراء الساقين بعمودين من المرمر .

يقول النابغة الذبياني:

سقط النصيف ولم تُرد إسقاطه
فتناولنه واتَّقَتنا ،بالــــيد

بمخضَّب رخص كأن بنانــــه
عنم على أغصانه لم يُعقد

ويقول امرئ القيس فيه :

وكسح لطيف كالجديل مُخضَرّ
وساق كأُنبوب السقي المُذَلَّل

12- النحر او العنق : فقد فضل الشعراء ذات العنق الطويلة ومثلوها بالناقة لذا ينطبق عليها ما ينطبق على الوجه من حيث اللون . أمّأ من حيث الطول فتفضل ذات العنق الطويلة .بيضاء اللون وهي حتما تكون بيضاء لانها مستورة بالحجاب وغير معرضة .يقول امرؤ القيس :

وجيد كجيد الرئم ليس بفاحشٍ
– إذا هي نصَّتْه – ولا بِمُعَطَّلِ

13- الخصر الضامر : أحب العرب من الخصور الضّامرة والنحيلة الناعمة وهو الحزام الأنثوي الذي يفصل بين عقل الاشتهاء واشتهاء العقل ، بين أعلى الجسد وبين أسفله أعباؤه لا حصر لها،فالخصر يحمل فوقه صدرا بارزا و مكتنزا ونهدين يفيضان بالحلم والنشوة ومشدود من اسفله بردفين عظيمين مستديرين يمنحان الناظرين عشق الحياة وجمال المرأة قال ابن الدمينة:

عقيليّة ،أما مَلاتُ إزارها فدِعْصُ ،وأما خصرها فبتيلُ

والدعص : المستدير
البتيل : الضامر
وقال الاخر :

وشربت كأس مدامة من كفها
مقرونة بمدامة من ثغرها

وتمايلت فضحكت من أردافها
عجبا ولكني بكيت لخصرها

فنظرالشاعر العربي إلى هذه الأوصاف الجسدية في تناسقها فجسّدها في شعره وكذلك اعتبر حركة المرأة ومشيها عنصرا من عناصر الفتنة والإغراء فدلالها مغناطيس وجاذبية بخلاف السكون الذي ربما يقلل الإثارة ويحدد مفاتن الجسد عندها ، لذا جاء الشعر مشوبا بأوصاف تُمجد الحركة في الأنثى حيث وصفوها بغصن البان والمها او البقرة الوحشية وبحقف النّقا، ومشيها بمسير الغمام وخطى القطا تمشي الهوينا .
هذه هي الصفات التي وجدت في شعر الغزل عند الجاهليين والتي أحبّها الرجل في المرأة في ذلك العصر . وبالعودة إلى الصفات المذكورة سابقا والتي أعلن الشاعر الجاهليّ أنّه يحبها في المرأة فتتمثل هذه الامور فيها لتكون عنوان جمالها . فإنها صفات لا تزال محبوبة حتّى يومنا هذا، مع اختلاف فيما يتعلّق بضخامة ورشاقة المرأة وحسب الامزجة والاهواء النفسية .

1 تعليقك

اترك رد