قضية رأي خاص


 

من المفترض بأن أي قضية سياسية أو اقتصادية أو شبهات فساد أو اخفاق حكومي تثار داخل المجتمع أن تصبح قضية رأي عام؛ لما لها من مساس مباشر ومشترك بحياة المواطن، سواء أكانت تأثيراتها عليه سلبية أم إيجابية ، لأن مثل هذه القضايا تدفع المجتمع ــ الذي يشترك بالرأي ــ رغم تباينه الطبقي والثقافي أو الاجتماعي والديني والقومي إلى تكوين فكرة عنها ثم الحكم عليها من قبله، وبالتالي يتعارض رأيه مع الرأي الخاص الذي يشير إلى أمور ومسائل شخصية تتعلق بفرد واحد أو حزب واحد.

ومن المفترض أيضا بأن يكون ذلك التشارك بالرأي نابعا من التأثير العام والمشترك في مصالحهم العامة والخاصة وبالتالي تتوحد الآراء لرفض ومحاربة أي قضية ممكن أن تمس كاهل حياة المواطنين، وبتوحد الآراء ضد أي قضية بالطبع سيكون لها تأثيرا في معالجتها والحد من سلبياتها ومنع تكرارها.

وبعد أن أصبح أغلب التوجه العام داخل المجتمع توجها انتمائيا جهويّا حزبيّا طائفيّا عرقيّا قوميّا بعيدا عن التوجه الوطني والاعتدال الفكري والديني وتقبل الآخر وانعدام الثقة بين الطبقات المجتمعية والطبقات السياسية باتت القضايا التي تمس حياة شريحة من الناس هي ذاتها تصب في مصلحة جهة أو جهات أخرى منهم والعكس صحيح، لأن المصالح الشعبية أصبحت ملازمة لمصالح جهات فردية وحزبية شخصية والتي عمدت هذه الجهات إلى ربط مصائر جمهورها بمصائرها الخاصة وليس بمصير وطني مشترك تحت خيمة الوطن الواحد.

كل ذلك أدى إلى ضعف القضايا العامة والمهمة والتي يجب أن تجابه برأي عام مشترك، كما أن التباين الواضح في الاتجاهات قد أضعف ذلك الرأي وتحوّلت قضايا الفساد وانتهاك سيادة الدولة والتدخلات الإقليمية وحماية الفاسدين وسرقة قوت الشعب ودعوات الانفصال وأقلمة طوائف المجتمع ومحاولة تجهيل الناس وضرب مفاصل التعليم والقضاء وانعدام الخدمات وانتشار الأمراض وانعدام المؤسسات الصحية الرصينة وانعدام الصناعة والزراعة وانتشار الشهادات المزوّرة وإضعاف هيبتها وهيبة الرتب العسكرية وانعدام الرقابة لأموال البلد السائبة والتي تجمعت بأيدي فئات محددة على حساب ملايين الشهداء والفقراء وأراملهم وأيتامهم كل هذه القضايا لم تعد قضايا رأي عام بل تحوّلت بفعل دُبّر بليلٍ داخل أروقة الأحزاب والمتنفذين وذيول الدول الأقليمية إلى قضايا رأي خاص تتحكم بها تلك الجهات المحددة، دون النظر إلى مخلفات تلك الأمور على المواطن العراقي.

وفي خضم ذلك الاحتكار كله للمسائل المهمة يقف دور المدعي العام جامدا عاجزا عن أداء مهامه المناطة إليه والذي هو رأس الهرم في جهاز النيابة العامة لأنه ينوب نيابة عامة عن المجتمع في تحريك الدعوى الجزائية أمام المحاكم المختصة، والذي يهدف إلى جعل المجتمع أكثر أمنا من خلال حماية حقوقه القانونية وحريته واستخدام العدالة والاستقلال والتعاون مع شركائه من أجل نشر العدل والأمن في المجتمع والقضاء على الفساد.

إذن بعد تهميش الرأي العام وضعف دور المدعي العام أصبحت الساحة واسعة لتفصيل البلاد على مقاس المتنفذين من خلال انتقائية القرارات ذات الرأي الخاص بهم، في حين ترى أصواتهم أمام الإعلام تُبَح وتتباكى لدغدغة مشاعر الناس وهم أنفسهم الذين اغتنموا قوته وأضعفوا رأيه وسرقوا حلمه بغلاف الدين والمذهب والقومية والوطنية.

لا تعليقات

اترك رد