التطبيل ليس حكرا على الجاهل


 

لا شك أن من بين أسباب ما وصلنا إليه اليوم من شتات فكر ونظرة سلبية لمستقبلنا وإحباطلدى الطبقة الخلاّقة في استثمار طاقاتها من أجل بناء دولة القانون والرقي بها إلى مصاف الدول، لا نقول المتقدمة في هذا الوقت، لكن على الأقل الدول المستقرة التي تسير بخطى ثابتة وأهداف مدروسة نحو مستقبل يليق بأحلامها، هو وصول بعض المتملقين إلىمصادر القرار، وليس بالضرورة أن ما وصلنا إليه منتج الطبقة الجاهلة حكرا، ولكنه في الحقيقة منتج مشترك ووليد هجين بين طبقة مثقفة انتهازية ومحدودة الرؤية أو ذاتية الرؤية وربما ناقمة من المجتمع لعدم توصيلها إلى ما تصبو إليه ،

فتجنبت الطريق وصولا الىمبتغاها، وطبقة جاهلة تتبع هواها في تسيير الأمور والاستفراد بما ينفعها ويدفعها للأمام،دون التفكير في العواقب، وكلاهما يشتركان في الهدف فكلاهما يصبو إلى إرضاء نفسه و أهلهأو عشيرته على أكثر تقدير،وآخر اهتمامهم هو المجتمع والمصلحة العامة،ويبقى المجتمع مجرد مطية للوصول وخاصة إذا تعلق الأمر بالانتخابات.

التملق ليس وليد اليوم، فهو من قديم الزمان،فقد كان الشعراء يتغنون ببطولات الحكام وانجازاتهم التي لم ينجزوها، وعلى العكس من ذلك فهم للهجاء كذلك مادة دسمة إن لم يجيدوا العطاء،و الملاحظ الآن أن هذه (الشيتة) وهي مسمى التطبيل في اللهجة الجزائرية لم تقتصر على الحكام والسلطة ومسايرتها في كل ما تفعله بتبني أفكارها وأعمالها، وهو ما لم يقتصر على بعض المترشحين بل فعله بعض النواب المحسوبين على المعارضة في حد ذاتهموكأنهم ممثلين للسلطة وليسوا للشعب بل كانوا مناصرين لما تتخذه من قرارات و قوانين ولو كانت لا تُنتج أي منفعة للشعب، وخاصة إذا كممت أفواههم المناصب ومزاياها وخوفهم على تضييعها، ولا يقتصر الأمر على تبرير خطوات السلطة التنفيذية فحسب بل يأخذ منحا آخر في بعض الأحيان حيث يصل إلى حد معاداة من يكون في غير صفها،وهنا (نحمد الله على حرية التعبير في الجزائر التي تكفلها القوانين ويرسيها الدستور وسهرت عليها الدولة)، وإلا أدخلوا بعضهم السجون.

وتعدى التطبيل السياسي والشيتة ليصبح موضوع حملات انتخابية تنادي بما فعلته السلطة و تستلطف حبها،و هذا نوع من التطبيل المدّر للفائدة الفعلية، إن صح التعبير،فبعض مكافآته المناصب النوعية في الدولة وهو ما يُذهب مبدأ المساواة في تقلد الوظائف السامية، فهو يجعلهم مرشحين موالين محببين مهادنين وهم بذلك أهل لنيل تلك المناصب، ولا يتعلق الأمر بالمناصب السامية بل يتعداه الى كل المناصب الإدارية الأقل شأنا وهكذا حتى أصبحت هذه الظاهرة آفة عامة تمس كل طبقات المجتمع والطبقات الإدارية،مثلها مثل المحسوبية أو هي نوع من المحسوبية، وأذهبت بمبدأ الأساسي في تقلد مناصب الدولة والذي ينُص عليه القانون صراحة.

أما المطبلين من الدرجة الثانية و الأقل شأنا والذين نشاهدهم بكثرة في هذه الآونة، فهم يطبلون لمشاريع النواب وربما لعلمهم أنهممشاريع للسلطة التنفيذية إن وصلوا، وهو ما شاهدناه في هذه الحملة الانتخابية، والمتتبع يلاحظ مدى اتساع هذه الظاهرة جعلها تشمل الجاهل والمتعلم على حد السواء ولا يستوون إلا في حجم المنفعة فكل حسب تصوره وطموحه،فالمكسب المادي و المصلحة الشخصية تدوس على القيم و المبادئ و الأعراف، فالمتعلم يلهثلهث الجاهل في تبرير وتزكية مشاريع النواب، مشاريع لا وجود لها على أرض الواقع ولن تكون لها أرض في المستقبل فهي في حقيقة الأمر وهْم ومجرد شعارات جوفاء بعبارات رنّانة لا تسمن و لا تغني من جوع، فقد يدر قلم المتعلم بمئات المقالات المحببة والمبجلة، ويعلم الجاهل و المتعلم على حد السواء مدى خفتها وأن لا ميزان لها لتجذب القاعدة الانتخابية لها، لكن يجد منها المطبل بداية لحملاته المؤيدة لمن يدفع أكثر ويعدُ بالكثير، فقد يستغل العشيرة أو غيرها من المسائل التي قد تستفز شعور المنتخبين لضمان بعض الأصوات الإضافية،ويستبيح أراء وأهواء وأفكار مترشح ليواليه فيها مقابل مكسب قد يناله إن فاز والمشكلة تبقى مرهونة بفوزه، وهي مغامرة حقيقية لكنها قد تؤتي بثمارها ذات يوم إن أجاد اللعبةواختار الحصان الرابح.

وفي الأخير يجب الإنصاف فكما أن التطبيل أو الشيتة قبح استوى فيه المتعلم و الجاهل على حد السواء فإن كان الجاهل عذره محدودية التفكير فالمتعلم لا عذر له، هناك بالمقابل من يستحق أن يقال فيه من الخير ما يجعله أهلا ليكون في أرقى المناصب.

لا تعليقات

اترك رد