ثقافة الموت – محاولات متكررة لجذب العقول

 

كيف تسربت الأفكار المتطرفة عبر العقول بنعومة فائقة؟
لماذا اتهمت “مؤسسة الأزهر” الفن بأنه “يجعل الشباب غير جاد في التعامل مع الحقائق”؟
كيف أرسلت “داعش” رسائلها للعالم من العراق؟

ما يحدث حول العالم من إراقة للدماء ليس وليد اللحظة كما نعلم جميعا، لكنه تأسس عبر بلورة مجموعة من الأفكار المتطرفة بل شديدة التطرف والخطورة وتسربت عبر العقول بنعومة فائقة، ذلك لأنها تُرسل في بداية الأمر هشة لا وزن لها، لكنها تنشط كلما أثارتها أفكار مضاده لها، وتتفاعل مع ثقافة الفرد أثناء الممارسات اليومية البسيطة، وتستقر في نهاية الأمر كفكرة محورية، وبمرور الوقت تنمو داخله وتتضخم ككورة الثلج التي تبدأ بحفنة صغيرة، وكلما تحركت في أي اتجاه اكتسبت حجمها وقوتها وصلابتها، هذا ما حدث منذ عام 1928 حين قرر المتطرف الأول “حسن البنا” بالإتفاق مع قوى خارجية وداخلية إعلان “الجماعة”، وليس سرا أن الأجواء السياسية والثقافية في هذا التوقيت اسهمت في انتشار الفكر المتأسلم بسرعة الضوء في محيط مصر طولا وعرضا، ومن ثم تمركزت في العقول الفارغة، أو بمعنى أدق في العقول المغلقة على الغرائز البشرية الأولية وبعض الأساليب والمهارات البسيطة لكسب لقمة العيش.

ورغم كل هذا التطور الذي نحيا تحت ضوءه الآن على المستوى الفردي التعليمي والثقافي وعلى المستوى التكنولوجي أيضا فضلا عن النقلة السياسية النوعية التي قام بها الشعب المصري حين قرر خلع “مبارك” في 25 يناير، وعزل”مرسي” في 30 يونيو، أرى وأنا هائم في شوارع القاهرة “ولا استثني نفسي” كلما أخذتني الشوارع هذا الإنسان التائه في عالم يعرفه جيدا لكنه يجهل التعامل مع مفرداته!.. أتوافقني التصور أم تخالفه؟، ما أرمي إليه بسؤالي هذا هو طرح السؤال.. والسؤال فقط لا الإجابة، لأنني أؤمن أن ما يعزلنا عن العالم هو أننا توقفنا عن طرح الأسئلة الكبرى منها والبسيطة، وأقترب وصف الكثير منا بالآلات نعم وللأسف الشديد كثير منا تنطبق عليهم المقولة “لا أحد أكثر تمذهبا مثل الذي تم تلقينه”.

وعطفا على ذلك نستسلم بالصمت على أحد أهم أوهام العقلية المتأسلمة، وهي تصورها أن الكرة الأرضية تدور حول الشمس وعلى سطحها نوعين من البشر النوع الأول هم الكفره ولهؤلاء خُلقت جهنم وهم أهل السعير، والنوع الثاني المؤمنون ولهؤلاء خُلقت الجنة وهم محتكري الإسلام “طبعا” كما يحاولون تصدير هذه الفكرة بكل الوسائل المتاحة وغير المتاحة، فبدون محاولات إختبارية دقيقة تضع المتأسلمون تحت عدسة المجهر، وتفتش في طبيعة الأفكار التي تنطلق منها خطاباتهم وتحلل كثافة العنصرية فيها واقصاء الآخر وتحميل أثر أخطاءهم لأقرب شخص أو إلقاء التهم في وجه تيار ما أو على عاتق فكرة تبناها مجموعة من البشر، كما يفعل كل المتأسلمين مع اختلاف توجهاتهم ومنطلقاتهم الأيدولوجية فعلت مؤسسة الأزهر حين اتهمت الفن بأنه يفسد المجتمعات، وكان نص التصريح الذي يتهم الفن بالإسفاف هو “إن الفن يؤثر على أخلاق الشباب تأثيرا سلبيا بنسبة تصل إلى 90%، وأن الفن يجعل الشاب غير جاد في التعامل مع الحقائق”، انتهى التصريح هنا.. “بدون أن أضع علامة تعجب في نهاية التصريح حيث أن النسبة الغالبة ممن نراه من قرارات وتدابير سياسية واقتصادية أطاحت وقهرت ليس فقط بأحلامنا أثناء الثورة وبعدها بل دمرت تماما ما في داخلنا من حُلم من الأساس وجعلت الفقر والمرض والجهل يحيط بنا من كل مكان وأصبح المواطن المصري محاصر نفسيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا يحتاج ألف ألف علامة تعجب واستفهام”.

ما يمكن تأكيده على المستوى الأيدولوجي أو الفكري للمتأسلمين بكل طوائفهم ومنطلاقاتهم بما فيهم الكثير من الأزاهرة هو الكره الشديد للإبداع متمنيين من الله”عز وجل” ليل نهار أن يختفي من الوجود أو على أقل تقدير أن يختفي من المساحة الجغرافية الواقعة تحت سيطرتهم “الدينية/السياسية”، فالحكم على الفن بأنه يجعل الشاب غير جاد في التعامل مع الحقائق لا يختلف عن رأي “داعش” التي هدمت كل أثر للحضارة البابلية والآشورية في العراق، وهي شكل من أشكال الفن بكل تأكيد، بدعوى أنها تماثيل تُعبد من دون الله لذلك وجب في رأيها هدمها أمام العالم، حتى وصل الأمر بأن تلقي “الأزهر” رؤيتها المحدوده والضيقة هي الأخرى كغيرها تهمة في وجه الفن أمام الجميع، وتحكم بأنه يفسد الحياة الإجتماعية!.

لا تعليقات

اترك رد