أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ ! لَا تَشْرَح النَّصَّ بَل الصَّدَرَ


 

رحم اللّه أستاذا لنا كان يُلزمنا عند إعداد درس العربيّة أن نشرح ثلاثا أو أربعا أو خمسا من الكلمات – يقدّر ذلك تقديرا-ممّا نجده صعبا في النّصّ مستعينين بمُنجدنا “مُنجدِ الطّلّاب” كان أوجب علينا شراءه أوّل السّنة الدّراسيّة. وكان علينا أن نقرأ النّصّ وأن نميز ما يشكلُ علينا من مفرداته نُحصي عددَها المطلوبَ، وكثيرا ما كان يُنجدنا أثناء ذلك السّياقُ فما احتجنا أن نستنجد، ولعلّ شيئا من الفخر ينتابنا ونحن نجد في أنفسنا قدرة واستطاعة لا يُناسبها ما كُلّفنا به. ولكن لا غنى لنا-مع ذلك – عن طلب النّجدة. فإذا تصفّحْنا المعجم رادّين الكلمة إلى جذرها، واضعين الحرف موضعه من حروف الألفبائيّة، مستعرضين ألوان المشتقّات، ظافرين بطلبنا ألفينا لتلك المفردة معانيَ وقد انتظمت في سلك الكلام. فأحوجنا ذلك إلى تقرّي النّصّ ننظر أيّها الأنسب نهتدي إليه أو نضِلّ عنه لأنّ في إنشاء الكلام سعةً وعُدولا يضيق عنها الجمع والتّقييد.
كنّا ندوّن ما نتخيّر من معنى أو جملةَ المعاني نتلو ذلك على مسامع أستاذنا في مواضع من الدّرس فيقرّ هذا أو يردّ ذاك بل إنّه قد يضرب صفحا عن كلّ المعاني الّتي أحصينا قائلا ” أراد الكاتب شيئا غير ذلك…” وكنّا نقول إذا خلونا إلى أنفسنا: ” للّه درّ أستاذِنا! ما أدراه بما أراد الكاتب؟”
…وتكرّ السّنونُ نعطف النّصّ على النّصّ والشّرح على الشّرح وكتّابُ النّصوص الّتي ندرسُ يخصّون أساتذتنا وحدَهم بما يريدون حتّى إذا صرنا إلى ما صاروا إليه وقد اختلفنا إلى مدارس في الأدب والنّقد أردنا من النّصّ ما لم يرد كاتبه منه… ووجدنا النّصّ يفيض عنه وعنّا…واجتهدنا في أن ننشئه نشأة أخرى.
ولم نكن لنريدَ ما أردنا، ولنجد ما وجدنا، ولنجتهد اجتهادنا لولا ما ألْزَمَنَاه أستاذُنا.
كان فرضُه الّذي فرض يدَه الّتي أيدى ونَحفَظُ؛ إذ كان سبيلَنا إلى فهم النّصوص وتأوّلِها، وإلى قراءتها والحياةَ، وإلى رحلة اكتشاف لذيذة نخوضها ذواتٍ قارئةً في النّصّ وسياقِه وقد اخترنا إليه مسالكَ: مُفرداتٍ منها ما لا عهد لنا به، ومنها المعهودُ غير المعروف، ومنها ما لا نعرف من معالمه إلّا القليل (1)، وكنّا نسوس فهمَنا نراود النّصّ أن يتأتّى لنا فنبلغ منه أو لا نبلغ غير أنّنا نرشُدُ في كلّ مرّة.
كم جميل أن تتراءى لك الكلماتُ في نصوص من حياةٍ، فاتناتٍ يتزيّنّ بضروب من الحُلل، وتعبق منهنّ نفحاتٌ، وتسافرُ شعورُهنّ بعيدا في ظلالٍ من المعاني وفي مدى من خيال وهنّ يجالسن صويحباتٍ لهنّ في التّركيب، ينزلن منازلَ في المقام وفي السّياق، ويأخذن من عقلِ النّاظر فيهنّ وروحِه وقد أخذه جمالُهنّ وبهاؤهنّ وهو جالس بين يدي أستاذه يعلّمه كيف يقرأ النّصّ فيضع كلماته موضعها من حياته ومن حلمه، وكيف يحبّ ويعشق، وكيف يحنو ويشفق، وكيف يميز وينقد، وكيف يعرف ويذوق …
وأكرمْ بأبٍ مُعلِّمٍ لنا كان يقرأ النّصّ على مسامعنا فيقبس الحرفُ من ندى صوته، ومن وهج فؤاده، ومن
صَوْب عقله فنجد لرفعه وخفضه ومدّه وقصره ووصله وفصله توقيعا يُطربُ وفنّا يُعجبُ فينشرح الصّدر ويتّسع لقبول البيان “يكشف قناع المعنى، ويهتك الحجاب دون الضّمير” وإذا الكلمات أكوان من حياة قدحتها تجاربُ الكتّاب وردّدت صداها تجارب القرّاء، قرّاءٍ صغارٍ يريدون السّبيل-ودليلهم معلّمهم-إلى “القراءة النّاجعة”!.
كذا الكلمة لا تُكتب حتّى تُعاشَ ولا تقرأ حتّى تُعاشَ فهي بنتُ الحياة وسرُّها، وهي أكبر من أن تحدَّها الأشكال، وتسعَها الأنماط، وتحيطَ بها الشّروحُ.
وإنّ من حصص الدّرس حصّةً وُسمت بـ” شرح النّصّ”. وليس على المعلّم أن يشرح النّصّ لتلاميذه؛ يوضّحه ويفسّره، وليس له ذلك. وهل يُبلغُ مداهُ وهو المنتهى والغايةُ من رُوح منشئه وعقله، ومن رُوح قارئه وعقله، وهو الّذي ارتفع عن الحدّ والضّبط (2) وقد قُدّ من عبارة نعبر منها إلى أوساع ما نجدُ، ونجُوزُها إلى صميم النّفس ؟!.
حسبه أن يشرح صدورَهم وعقولهم فتتّسع بلطيف الخواطر تَرِد عليهم، وبجيّد القرائح تُواتيهم. حسبه أن يعلّمهم كيف يقرأون؟ وكيف تقولهم الكلمات؟ شأنُه شأنُ الشّيخ يعلّم المُريدَ كيف يترقّى في الأحوال يطالعُ أعيانَ المعاني فتمور أشواق وأطراب.

(1) للمتعلّم إزاء الوحدة المعجميّة حالات ثلاث: ما رآها قطُّ، سمعها ويجهل معناها، يعرفها في سياق مخصوص، وبدلالة أو دلالات محدّدة.
(2) النَّصُّ: رفْعُك الشّيء. النّصُّ منتهى الأَشياء ومَبْلغُ أَقْصاها (اللّسان)

1 تعليقك

  1. من كان محبا للأدب شغوفا بالدرس يمكنه شرح صدور الناشئة بل عقولهم. لكن أنى ذلك لمن كان صدره ضيقا حرجا… حييت أستاذ قصي وبوركت

اترك رد