فيلم هذه هي انجلترا


 

مَن لا يعرفُ شيئاً عن فيلم ( هذه هي انجلترا ) ، المُنتج عام 2006 ، يحسبُه ـ أولَ الأمر ـ فيلماً عادياً من نمط الأفلام التجارية العادية التي تستهوي المشاهدَ العادي البسيط ، ولكنّ قليلاً من المتابعة ستثبت أن هذا الفيلم يستحق المشاهدة بعين المتذوق للسينما .

و للوهلة الأولى ، أيضاً ، قد يحسبُ المشاهِدُ أنّ الفيلمَ يتناول قصة صبي بسيطة ، ولكنه سيكتشف لاحقاً أن الفيلم يطرح قصةً خطيرة تتعلق بالشعبوية التي استُحدثت في الستينيات من القرن الماضي و عُرِفت بأنها حركة ( حليقي الرؤوس ) ، بسبب ظاهرة حلاقة الرؤوس لدى أعضاء هذه الحركة التي عُرفت بإسم ( النازية الجديدة ) ، التي تستند الى أفكار ” هتلر ” . وهذه التسمية وحدَها تدل على عنصرية هذه الحركة . و فعلاً ، فأن أعضاء هذه الحركة عادوا جميع من يعيش في بلدانهم من غير ذوي البشرة البيضاء ، كالأفارقة و الآسيويين و العرب .. و المسلمين .

مظهرُ ( حليقي الرؤوس ) تمثل ـ أضافة الى حلاقة الرأس ـ بارتداء الأحذية ذات الرقبة الطويلة و الإدمان على الكحول و المخدرات و افتعال المشادّات و ممارسة العنف في أي مكان .

هذه الحركة ظهرت كحركة غير سياسية ، ظهرت بين الطبقة العمالية ـ أول الأمر ـ ولكنها اتخذت منحىً سياسياً في السنوات الأخيرة و باتت لها أحزابٌ و ممثلون في البرلمانات و وزراء في دول أوربا الغربية ، بل حتى في أوروبا الشرقية ، مثل : روسيا و أوكرانيا ، حتى و إن كانوا غير حليقي الرؤوس .

في بريطانيا ، كان الثقل الأساسي لهذه الحركة قد تمثل بمشجعي فرق كرة القدم و الرجبي ، الذين أقدموا على أعمال عنفٍ في بريطانيا و في الدول الأوروبية ، في التسعينيات من القرن الماضي ، بما أحرج الحكومة البريطانية .

أحداث الفيلم ( هذه هي انجلترا ) تدور في فترة الثمانينيات من القرن العشرين ، وتسلّط الضوء على هذه الحركة ، بصورة غير مباشرة ، من خلال قصة صبي إسمُهُ ( شون ) يعيش مع أمه في حالة فقر ، و كان قد فقد أباه في ( حرب الفوكلاند ) ، التي اندلعت بين بريطانيا و الأرجنتين عام 1982 ، فبات يشعر بعدم الأمان و الإستقرار ، خصوصاً و أنه أصبح موضعَ سخرية الآخرين ، في المدرسة و في الأماكن العامة ، بسبب أو بدون سبب ، و يتحسس من ذكر والده ، سلباً أو إيجاباً ، فينفعل و يغضب و حتى يضرب إذا ما ذُكر والده بسوء . و لهذا السبب لم يتردد في الإنضمام

الى جماعة ( حليقي الرؤوس ) حين دعاه ( وودي ) الى ذلك ـ مثّل دوره ” جوزيف غيلغان ” ـ و الذي راح يحميه من أي اعتداء ، فوجد فيه ( شون ) تعويضاً عن غياب والده .

و هكذا يوافق على حلاقة شعر رأسه ، و يدفع والدته الى شراء حذاء طويل الرقبة له ، و يخرج مع الجماعة و هي تمارس العبث و يسهر معها حتى الصباح . ولكن عودة ( كومبو ) ـ الذي مثّل دورَه ” ستيفن غريم ” ـ الى الجماعة بعد خروجه من السجن يشطرالجماعة الى نصفين ، حين يعلن عنصريته الشاذة و العنيفة ، بما يوحي بالإتيان بأفعال خطيرة ، فيخرج بعضهم من الجماعة ، و في مقدتهم ( وودي ) ، ولكن ( شون ) يبقى مع الجماعة ، بل يبقى عضوٌ أسود في الجماعة ، لم يوضح لنا السيناريو كيف انضم الى هذه الجماعة العنصرية التي هو ملفوظٌ أساساً من قـِبلها و يدخل في صُـلب أهدافها .. و ينتهي الفيلمُ بجريمٍة بشعة يرتكبها ( كومبو ) بهذا الخصوص .

ولكن يبدو أن المخرج ” شين ميدوز ” قد أخذ بملاحظة النقاد التي تفيد بأن الفيلمَ بدا مبتور النهاية ، و لم يفِ القضية حقها ، لذا عَمدَ الى إخراج مسلسلات تلفزيونية لاحقة ، لتوضيح ( الصورة ) ، فأخرج مسلسلات حملت عناوين ( هذه إنجلترا 86 ) ، ( هذه إنجلترا 90 ) .. .

الصبي ( شون ) مثّل دوره الصبي ” توماس تورغوس ” ببراعة و عفوية مذهلة ، كشفت عن موهبته الفائقة ، منذ اللقطات الأولى ، و كان في الثالثة عشرة من عمره ، و قد استمر ضمن فريق المسلسلات التلفزيونية التي تكمل ما توقف الفيلم عنده .

جديرٌ بالذكر أن الفيلم كان قد نال جائزة الأكاديمية الملكية البريطانية ( بافتا ) عام 2006 .

فيلمٌ جدير بالمشاهدة .

طول الفيلم : ساعة و 42 دقيقة .

لا تعليقات

اترك رد