الأغنية الشعبية في تونس : جهة سليانة مثالا – ج2

 

-أغاني ترانيم الأطفال:
ترانيم الأطفال أو مايسمى بالتهليل أي عندما يكون الطفل بصدد النوم أي حينما تكون أمه تقوم بعملية “التبنين” أو “التنويم” وهو الترنّم بكلمات موزونة مسجوعة وبنبرات خافتة مع تحريكه بهدوء إمّا في حضن أمه أو في المهد حتى ينام وهي عادة دأبت عليها أمهاتنا وجداتنا ولا زالت متواصلت إلى الآن”باش يرقد الصغير إنبنّوا بيه ونغنولو لين يدّيه النوم” . ومن أبرز ما تزهج به الأّم لصغيرها نذكر:

“ننّي ننّي جاك نعـــــــاس
حنة وزغاريد عليـــــــــك
كل صبية تنادي عليـــــك
تخلي عازبها وتجيـــــــك
وتقول:الله وأنا بيـــــــــك
ننّي ننّي جاك نعـــــــــاس
يا جوهرة في مقيــــــاس
إنت فضّة والناس نحاس”

فالغاية من التهليل أو التبنين هو جعل الطفل يتأثر بنبرات صوّت أمه الخافت الحنون لينتقل من عالم الوعي إلى عالم الاوعي وفي أغلب الأحيان يتّم ذكر الله تعالى ليحفظ المولود من كلّ أذى مثل هذه التهليلة:

“الله الله الله الله
ننّي ننّي جاك النــــــوم
أمّك قمرة وبوك نجــوم
الله الله الله الله
ننّي ننّي جاك نعـــــاس
أمّك فضّة وبوك نحاس”

وهذه التهاليل يترنّم بها للجنسين على حدّ السواء وهنا نستنتج نوعا من تفضيل وتمييز المرأة لذاتها على حساب الأب فهي تمدح ذاتها وتصفها بالقمر والفضّة بينما الأب فتصفه بالنجوم والنحاس .

أ-أغاني ترقيص الأطفال:
والترقيص هنا يعني “التربيج”أي عندما يكون الطفل في يد أمه تبدأ بترقيصه ومداعبته ،فتارة تضمه إلى صدرها وطورا تقّبله وتقّفزه ،وأغاني التربيج تتضّمن عادة ما يختلج في صدر الأم من حب وعطف ومشاعر جيّاشة تجاه طفلها وهناك أغاني خاصة لكّل من الجنسين
 ترقيص الولد:
هنا تبدأ الأمّ بالتغني بإبنها وتعدّد صفاته الفاخرة وتمدح ذكورته ورجولته المستقبلية،وما أكبر سعادتها حين يكون المولود ذكرا لتبدأ بالتفاخر به أمام الأهل والجيران لأنه سيكون عمودها الذي سترتكز عليه في كبرها و الوريث الأول وحامل إسم العائلة”كي تجيب وليّد تبدا تتفوخر بيه قدّام سلفاتها ولوزاتها،لوليّد إلي باش يخرّجها ملهّم وتتركّز عليه في كبرها” .
وأم الذكر تكون أكثر حضوضا وأهم قيمة من أم الأنثى حسب إعتقادهم حيث تحضى بالتبجيل وبالشرف “ولي تجيب أنثى تبدى منبوزة من دون اندادها،…الطفلة تجيب العار” فتبدأ بحمد الله ليلا نهارا ،صباحا مساءا لما منّ عليها الرحمان وجعل حياتها سعيدة فنجدها ترقّص ولدها وتغني:

“سعد زماني سعد زماني يعيّش العالي واش عطاني
عطاني صحيّن بالفضّة وغناجي مرشوقة فيـــــــه

قعد فوق سرير القاضي يحّكم ويشرّع بيديــــــــــه”
ثمّ تواصل الأم غنائها والتعبير عن فرحها بإنجابها لطفلها الذي سينقذها من المهانة والذّل وربما تكون الأم قد أنجبت طفلها بعد طول إنتظار وبعد أدعية وإبتهالات فنجدها تزهج:

“سعد زماني سعد زماني
طلبت على ربي وعطاني
بعد اللي غضّب رضـــاني
وعلى ولاد الناس غناني”

ثمّ تتوجّه الأم إلى الله تعالى داعية راجية في لهجة خافتة يملؤها الحب وحنان الأمومة :

وأعطيتني يا عاطي واعطيتني يا خـــــــــــلاق
يا من خلقت الشجرة وزينتها بـــــــــــــالأوراق
طوّل حياة وليدي واعطيه كل ما هو مشتاق”

ثم تتخيّل الأم مستقبلا زاهرا لإبنها الذي سيملك المنزل والخدم والجاه والنفوذ:

“دام الدّام دام الدّام داره حمره من قدّام
تتخادم فيه الخدّام فيها العود وأم حزام
تترخم كيم العلام وحرامها قد الرزام”

ثمّ تضيف الأم بوصف المعركة الكلامية بين الفتيات للفوز بإبنها في صورة طريفة:

“بنات العّم تعاركو…واحدة قالت نهرب بيـــــــــه
والأخرى قالت ياشرع الله في كرش أمو نحلم بيه

كما تنتقل الأم إلى وصف جمال صبيّها فنجدها تصوّره صورة سبحان الخلاّق يوحي بأنه صوّر على غير مثال أو نبع على غير منوال:

“من ينشدني على شعرو ريش غربة مذرية
ومن ينشدني على حاجبو سيف اللي هلل هلـل
ومن ينشدني على عينيه عينين برني اللي قنبر
ومن ينشدني على ريقو غداني من عام الشّر
ومن ينشدني على الرقبة مرّش مليان بالزهر”

وكل هذا إن دّل عل شيئ فهو يدّل على حب وحنان الأّم أو ما يسمى بعاطفة الأمومة التي تحّب إبنها وتفديه بروحها.
ثّم تواصل التفاخر بخصاله وأخلاقه الحميدة التي تتمنى أن يكون عليها في المستقبل:

“باب الباب، باب الباب
حديثو في الميعاد صواب
صادق لا ماهوش كذاّب
وليدي الأغنج دق الباب
إذا راد الله وراد
نبني على راسو ميعاد”

ولا ننسى ما تحاول الأّم فعله لحماية إبنها من العين الحاسدة وهو ما يطلق عليه في مجتمع البحث “بالتكركيب” فنجدها تدعو على الحاسد راجية من الله حفظ إبنها من كل مكروه:

“زين الزين زين الزين وانكركب وانحّي العين
والي يقول ولدي شين أنشاله يعمى مالعيـــنين
ويقعد يقحّز ع الدهرين”

 ترقيص البنت:
إنّ للبنت مكانة هامة لدى أبويها بإعتبارها رقيقة وحساّسة وحنونة على أمها وأبيها فنجد الأّم تتغّنى بجمالها الفيّاض فتقول:

“زينها يا زينـــــــــــــها
مثل الحرباء عينــــــها
مثل البرق جبينـــــــها
عمري ما ريت مثيلها
الكحّل مالي عينـــــها”

ونحن نعلم أن الأمّ التي تنجب البنت تكون أقّل تبّجيلا ومكانة من الأمّ التي تنجب الذكر وذلك حسب معتقدات المجتمع الذي يفّتخر بإنجاب الذكور لذا نجد الأّم تعمل جاهدة للرفع من معنوياتها ونظرة المجتمع إليها”إلي تجيب الأنثى تتحقر وتلقاها تمثّل إلي هيّ فرحانة وتقول آش خير ملبنيّة تعاوني كي تكبر وتجّلي علّيا الغّمى وقلبها يعلم بيه كان ربي”
فنجد أمّ الذكر تتهكّم عليها لمقاطع غنائية:

“العمارة من ذهب وياسعد إلي جابــها
والطفلة قفّة بعر من الزبلة نصيبها”
أو قولها:
“اللّي جابت الشـــــــــتح
تستاهل ضربة بقـــدح
تستاهل غمّة بستــــار
تستاهل قعدة في الدار”

فتجيبها أم الأنثى بكل ما أوتيت من قوّة وغضب وشراسة ملّتمسة نقاط الضعف في الرجل فتقول :

“لا تفرحي يا أم الذكر تكبر بنتي وتاخـــذو
يذبحلها راس بقر تحّلف عليك ما تاكلو
تقعدي إنت يا أم الذكر تشابحي وتنابحـــي
أما أنا أم قفّة البعر ناكل حيّ وناكل نيّ

وناكل من العبون مخّبي”
وفي هذه المعارك الكلامية تحاول كلّ من أمّ البنت أن تعطي كل ما لديها لتبيّن أن البنت ليست عبأ أو حكرا بل هي البنت والأخت والأم والزوجة التي سوف تربيّ أجيالا فاضلة ،بها تستقيم الحياة.
ونجد الأم تصّرح بأنها لا تريد أن تزوّج إبنتها من فقير وتبدأ في تعديد ما سيكون في مهرها من حبوب و زيوت وذخيرة وإبل وعبيد:

ما نعطيك ما نعطيك للفقّري يتخلّص فيك
على صاع شعير يبكيك
قول 150 قفيـــــر إلي جاوني في خطبتها
و150 جمـــــــــل إلي جابو وطيتــــــــها
و150 وصيــــف إلي يقودوا جحفتــــــها
زيت باجة وسليانة ما يدهن قصّتـــــهــــــا”

أو:
سعدي بيها سعدي بيـــــها
تكبر بنتي ونقريــــــــــــــها
ويخطبوني ما نعطيـــــــــها
ذهب البركة ما يرضيــــــها
وقمح سليانة عولة ليـــــها
وحنة قابس في رجليــــــها
وحجبة وزغاريط عـــــلاها
سعدي سعود سعدي سعود
في عرسها نذبح قعـــــــود
باب أبار باب ابــــــــــــــار
في عرسك نعمل خنــــــــار
ونستادن سليانة بالـــــــدار
شايبة وبنات صــــــــــــغار
نذبح عاصي للطبــــال
ونذبح ثور للزكـــــــار
وللكلاب نذبح حمــــار”

وهذا مايدّل على أنّ هذه الأغاني قديمة جدا تعود إلى عصور خلت عندما كانت التجارة على الجمال وكان هناك عبيد.
وتفتخر الأّم بوليدتها معددّت محاسنها وجمالها وشرفها وحسن أخلاقها وتربيتها حيث يبدأ التهافت عليها لخطبتها ويبدأ الأب بكلّ ثقّة وأنفة يتشرّط كما يريد،فتهزج الأم قائلة:

أّ”م الروب أم الروب خطابها جاني مـــــــــــــــــــزروب
يضرب في صدره بالطوب قالولي هذا مكلــــــــــــــــــــــــوب
قال ع الطفلة نا مانتوب قال بوها بنيتي والله ما نعطيــــــها
كي جيبولي تونس لها بحواليها بدواليــــــــــــــــــــــــــها
الصاغة الكل واللّه لها”

أو:
“أمّ اللّل أم اللّل ولد البيّ عليها هبــــــــــــل
قال نوخذ بنتك وانذل ونسكن في راس الجبــل”

ثّم تختم الأّم بالدعاء إلى الله تعالى بخشّية وتضرّع بأنّ يجعلها دائمة الفرح والسرور وأن لا ترى مكروها فيها فتنشد قائلة:

“دام الدّم دام الدّام لا يلبسني عليها “هدم”
كان الصاغة و الملظوم والحناني في كل يـوم”

ويقصد هنا بالهدوم ثياب الحداد فهي تخاف موتها،راجية اللّه أن تظّل الحناء تزيّن أناملها وتظّل في سعادة دائمة.
حسب المقابلات الميدانية وجدنا أنّ هذه الأغاني بدأت في الإندثار خاصة مع تطوّر التكنولوجيا الحديثة فلم تعد هذه الأغاني موجودة كما كان في السابق إلاّ في بعض المناطق من جهة سليانة وخاصة منها الأرياف ،حيث أنّ القنوات التلفزية بالبرامج الموجّهة للأطفال الصغار والأغاني المخصّصة في الغرض عوضّت هذه الأغاني التراثية الجميلة بكلماتها وإيقاعها بأغاني أخرى أجنبيّة .

يتبع

لا تعليقات

اترك رد