لغة مسلحة

 

في يوم حرارته اللاهبة تبعث على الغضب، خرجت من جامعة الموصل بعد انتهائي من إصدار أوراق التخرج والوثائق التي أحتاجها، وبسرعة من أجل التخلص من هذا الطقس استقلت أول سيارة أجرة صادفتها كي تقلني الىبيتي البارد, وعند الإشارة الضوئية قرب الجامعة ونحن سعداء بانجاز مهمتنا مع نهاية الدوام الرسمي، الموظفون والطلبة يتزاحمون أيضا للعودة. كان يومالايمحى من ذاكرتي لحرارته العاشقة وحادثة ظلت شاخصة في ذهني تعكس صورة أليمة لمجتمعنا الذي يشطب اسمه من بين أسماء الشعوب المتحضرة والراقية إنسانيا، إن ماجرى تحديدا هو أننا سمعنا صوتا نسائيا يصرخقريبا منا، لشدته أوقف الحركة البشرية والسيارات كذلك، إلتفت الجميع ليرواماسبب ثوران الصوت الطرزاني المستغيث.

تبين لنا أنه يعود لفتاة في الثلاثينات مغطاة الشعر بحجاب محتشم ومعطف ذات بشاعة متواضعة، تقود سيارة (سوبر) رصاصية اللون، شامخة كأنها تقود معركة سيسطرها التاريخ،ونحن نعرف جميعا أن عظماء العالم الإسلامي كانوا مبتسمين هادئين بسيطين. لايدل تبرمها وجمع حاجبيها على الإسلام العظيم الذي يحث على الإبتسام والتفاؤل لأنها لاتعرف من الإسلام سوى شكل الملابس. أختنا الفاضلة كانت تصرخ من أجل ابتسامة بريئة أرسلها لها صبي فقير معدم لا يملك شيئا سوى الإبتسام لأصحاب السيارات بدلاً من مدِّ اليد الصغيرة فهو لم يتعلم بعد النصب أو الإحتيال أو علم الكدية بأساليبه الحديثة عن طريق تشكيل منظمات وهمية, جريمة الصغير أنه اقترب بخفة ورشاقة من سيارة (المتدينة) ولم يمد يده بل أعطاها بسمة على شفاه جائعة، معتقدا أنها أكرم من نساء المدينة. وكانت النتيجة صراخا عاليا وشتيمة بكلمات قذرة مؤذية سمعها القاصي والداني. توقع كل من سمع الصراخ حدوث عملية خطف أو سلب وهنالك من ظنَّ أن مفخخة ستنفجر قريبا منه.

فما كان من الصبيِّ إلا الإبتعاد احتراما لهلعها البغيض, كنت أراقب ذلك من نافذة السيارة، وقدأخذتني الدهشة وارتسمت أمامي علامات تعجب كثيرة جداً. ناديت على الصغير طالبة منه الإقتراب, الإبتسامة الفقيرة لم تفارق وجه الطفل, أعطيته مبلغا من المال نكاية بتلك المرأة في حين كنت أتمنى أن أعطيه لوجه الله. وكنت متأكدة بأنه لايعرف قيمته، لكنني حاولت تخفيف الحرج الذي أصابه بسبب (المحتشمة) ومازالت تقاتل بحاجبيها الكثيفين. لكن الطامة الكبرى والمصيبة الأعظم كانت سائق سيارة الأجرة ذا الخمسين عاما وما يؤسف له أنه موظف في الجامعة. فقد وجه هذا الكائن أمراً الى الطفل (إذهب إلى سيدتك واعتذر منها)!!..

لم يكن الطفل يمتلك الصحة التي تؤهله ليتخذ له سيداً أو سيدة، بل هو لايملك أي شيء ليعترف بأحد. وبكل سذاجة وطيبة انحنى الصبي لها معتذرا عن الألم الذي سببه لها. مع ذلك لم تبال بالانحناء الملكي لحضرة مقامها الرفيع من نظرتها الساخطة عليه. قلت للسائق (الحقير) كان الأجدر بك تعليمه لم نيوجه الشكر، أهكذا تربي أبناءك؟ أليس المشردون هم أبناء الوطن؟ فلم ينطق بأية كلمة.

هذه الحادثة الصغيرة أمام ما يحدث على الساحة العراقية من أحداث دموية يقوم بها الشعب منحازا ومنقادا بصورة أوتوماتيكية مما دفعه إلى الهلاك اليومي راسما بانوراما عن العراقيين تدلل على وحشيتهم، وهذا أحد أهم الأسباب في وجود وانتشار الميليشيات وكأن إثبات الوجود وتحقيق الذات لايكون إلا بالأيدي الخشنة التي تحمل السلاح. فتراهم يصفقون ويهللون منأجل بضع دولارات مرة ومن أجل فلان الفلاني أخرى تاركين عبق الدستور والقانون لايأخذ مجراه في مسالكنا الحياتية .. ويبقى التصور الخاطيء أنالبقاء للأقوى وليس للأصح .

نحن بحاجة إلى ترسيخ أسس التعايش السلمي والتآخي والمحبة لكي يولد مواطن عراقي جديد يتمتع بفكر إنساني وبصحة نفسية جيدة تليق بابن الرافدين (ابن الحضارة الاسلامية) وتليق ببلده عندها ستكون الدولة قد قضتعلى المرض الذي تعاني منه وتخلو أيدينا ولغتنا من السلاح..

لا تعليقات

اترك رد