الفراغ الروحي والضياع المعنوي لدى الناشئة


 

الفراغ الروحي والضياع المعنوي لدى الناشئة
ما بين التربية وعلم النفس

تتجلى أزمة الفراغ الفكري والسلوكي الذي باتت معالمه تظهر وتمتد وتتوسع يوماً بعد يوم في كثير من مواقع حياتنا العربية والإسلامية على المستوى الفردي والمجتمعي، من خلال فقدان الفرد والإنسان المسلم لحالة “الانسجام مع ذاته”، وانعدام “المصالحة” مع عصره، وشعوره بالاغتراب عن واقعه العام، وهيمنة حالة نفسية من انعدام مسؤولية الإحساس الحي بحياته وقيمه الرسالية القيمية الحية المتجسّدة في الإسلام كرسالة عدل ومساواة إنسانية منفتحة ومتسامحة مع الآخر، تملأ جوانب حياته النفسية والوجودية، وتدفعه باتجاه العمل والجهاد والكفاح في سبيل احتلال مواقع أكثر تقدماً ورقياً في الحياة الإنسانية والإبداعية من موقع الوعي الجمالي بالحياة والوجود والإنسان.

ولكي نحدد الأسباب (والمسؤوليات) عن وجود وتكوين هذا الفراغ الروحي وانعدام حس المسؤولية الرسالية الإنسانية -التي هي جوهر التفكير والعقيدة الإسلامية الأصيلة- فإننا نعتقد أن هناك عوامل وظروف وملابسات عملية راهنة وتاريخية عديدة أسهمت ودفعت كلها -بشكل أو بآخر- في اتجاه إيجاد وخلق هذا التصور السلبي القائم عن الإسلام والمسلمين والرسالة الإسلامية السامية القائمة على الحق والعدل والتسامح، وعملت على تأسيس ذلك الفراغ الفكري والعقدي من خلال تهيئتها للتربة المناسبة التي نشأت عليها تلك الأفكار الخاطئة التي باتت ديناً بحد ذاته.
طبعاً هناك أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية عملية، ولكن حديثنا سنقصره هنا على الجانب النفسي والتربوي..

لقد أسهم عدم اكتراثنا بأهمية السياسة التربوية والأخلاقية الإسلامية السليمةالمنفتحة -في داخل بيوتنا واجتماعنا الديني العربي- في تهيئة التربة الملائمة لنمو بذور الفراغ النفسي والعقائدي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
وحتى لو وجدت هناك أساليب تربوية معينة تقليدية موروثة أو حديثة تعتمدها الأسر والمختلف الفئات الاجتماعية في تلك المجتمعات المسلمة، من أجل تنمية سلوك أبنائها، فإننا نجد أن أغلب هذه الطرق المتبعة خاطئة، وغير واقعية، وعديمة الجدوى والنفع، خصوصاً في المسائل المتعلقة بأساليب تعليم الدين، وتثقيف الأبناء به، الذي غالباً ما يأتي بطريقة فجة وغير واقعية، بل ومخيفة لهم أيضاً، يعتمد فيها على أساليب الزجر والردع والتكبيت والخوف والتخويف، وتجذير عقلية وثقافة “الحلال والحرام” السلوكية المغلقة من دون مقدمات وأسس تربوية عقلانية صحيحة يمكن إبداعها لدى الناشئة من أجيالنا.. وهذا ما يخلق في نفوس هؤلاء الشباب ردة فعل سلبية تجاه العامل والفكر الديني عموماً، ويشكل لديهم ربما نوعاً من العقدة النفسية المرضية تجاه عالم الدين بأسره، قد تؤثر سلباً على مستويات وعيهم، وانتمائهم الفكري الديني في المستقبل، كون (هذا الدين) تراث هذه الأمة، وهو وعاؤها الحضاري.

وهذا ما يظهر أمامنا في السلوك التربوي الديني لأفراد مجتمعاتنا، من خلال اكتفاء الآباء بالتركيز على تعليم الأبناء الجانب العبادي الرمزي والطقوسي الشكلي المظهري فحسب، الأمر الذي يساعد كثيراً –مع مرور الزمن– على خلق تصور فكري خاطئ لدى الأبناء عن حقيقة الدين يقوم على اعتبار الدين مجرد عبادة مظهرية شكلية طقوسية خالية من أي جوهر أو مضمون أو معنى رسالي وحركي في الحياة.

ونحن -بطبيعة الحال- عندما نحّمل أسرنا المسؤولية الأهم والأكبر عن اتساع دائرة الفراغ الروحي والنفسي في داخل مجتمعاتنا، لا يمكن أن نغض النظر عن دور ومسؤولية مواقع التعليم والتربية المتعددة الأخرى عندنا كالمدرسة والجامعة والمؤسسات والهيئات المجتمعية الأخرى.. لأن تلك المواقع -التي يفترض أن تعمل على تعميق الحس الديني الحضاري لدى الطالب- تشعره (بوحي الطريقة التي تتبعها في تعليم وتلقين دروس الدين) بأن هذه الدروس والتعاليم والقيم الدينية لا تمثل شيئاً من الأهمية الموجودة لباقي المواد والمقررات.

وهذا الأسلوب شبه العدمي –إذا صح التعبير– في التعامل مع المواد والدروس الدينية، يبعث في نفوس الطلاب الشعور بالعبث عند تناول المادة الدينية، وفقدان الاهتمام الكلي بالدين، وتضعيف الحس والانتماء الديني في داخل كيانه الذاتي، والابتعاد عن المطالعات الدينية، وعن الكتب التي تتحدث عن نظام وثقافة الدين، وأساليبه الفكرية والعملية في الحياة. فيظهر تعاطي أبناءنا مع فكر وثقافة الدين وكأنه نوع من الترف والعبث الذي لا يقدم ولا يؤخر.

إن الدين حالة في الفكر والإحساس والممارسة، وهو ميل روحي فطري نحو عالم الكمال المطلق، عالم المعنى الذي يضفي على ودونا الأمل ونظرة التجدد والانفتاح، ويعطينا قزة معنوية للانتصار على خوائنا الروحي وهزالتنا الوجودية.

والتربية الدينية هي جزء من الهوية، الهوية المنفتحة لا المغلقة، أي أنها ليست حالة معيارية تمامية مقفلة على ذاتها ومكنوناتها، بل هي نصوص وأفكار مفتوحة وقابلة للتحول والتجدد والأخذ بأسباب الحياة والعصر، وهي لا تتحقق إلا في أفق واضح من الحوار الواعي مع الذات وقبول الآخر المختلف فكراً وعقيدةً وقومية وووالخ.. حيث يكون هذا الحوار (والتفاعل والتبادل والتواصل والتكامل مع الآخر، بعد الاعتراف به، حيث كان يقول السيد بأنه لا مقدسات في الحوار مع الآخر، وأن الحقيقة هي بنت الحوار) هو الحالة والأمر المكمل للهوية ذاتها، وليس فقط في كونها مفاهيم وتعاليم ومفردات ونظم محددة ومنمّطة انطلقت في الماضي وتوقف الزمن عندها. إنها -بتعبير آخر- حراك ونشاط وإبداع وحوار واختلاف أيضاً. وهنا بالذات تكون الهوية مشروعاً للفرد من حيث كونه (أي المشروع) ساحةً للاختلاف والحضور والتميز.

لا تعليقات

اترك رد