هل الدينار التونسي على شفا كارثة ؟

 

تمر تونس بأزمة اقتصادية خانقة في هذه الفترة , وللأسف سوف تستمر سنوات , سببها عوامل عديدة من أهمها سياسات الحكومات المتعاقبة ولاسيما الحالية , حينما وقع اتباع سياسة الانفتاح الاقتصادي من دون أسس حقيقية , فضلا عن ذلك التقلبات السياسية التي شهدتها البلاد وأدت الى تراجع مؤشرات ونمو الاقتصاد الوطني . فقد أصبحنا نستهلك أكثر مما ننتج , وهذا ساهم في ارتفاع حجم الواردات وصار أكبر من الصادرات.

وباتت أغلب القطاعات التي تعتمد عليها تونس في توفير العملة الأجنبية , تعاني من الجمود وتراجع الايرادات مثل عائد الفسفاط , وعائدات السياحة لتأثرها بالظروف الأمنية والعمليات الارهابية وبالاضطرابات السياسية المختلفة . كل ذلك ساهم في تراجع النقد الأجنبي وانخفاض العملة الوطنية وفي ارتفاع معدلات التضخم . الا أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد , فقد تراجع الدينار التونسي وشكل انهياره خطرا , حيث تتسع الهوة سريعا بين سعر الصرف الرسمي والسعر في السوق السوداء , وهذا تعبير واضح عن مدى تأزم الوضع الاقتصادي التونسي اليوم وعن التحديات التي ما أنفكت تتفاقم ككرة الثلج مهددة بكارثة اجتماعية ومعيشية في حال استمرت الأوضاع على حالها .

فاٍلى أين ستؤدي هذه الأزمة بتونس وبالتونسيين عامة ؟ وماذا وراء تهاوي الدينار التونسي على حياة المواطنين وعلى الاقتصاد التونسي عامة ؟
لاشك أن البلاد في الوقت الراهن , تحصد سياسة الحكومات المتعاقبة ولاسيما بعد ” الثورة ” , حيث بات الاقتصاد التونسي في وضع صعب جدا , وهذا يجزم بالفشل الاقتصادي الكلي وخاصة أمام التراجع الكبير للدينار التونسي بصورة غير مسبوقة منذ الاستقلال , بشكل أصبح يمثل خطرا حقيقيا على الاقتصاد عامة والمواطن بصفة خاصة .

لذا تسود مخاوف كبيرة بين أوساط التونسيين وكذلك المنظمات الوطنية (الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمة الأعراف ) من مدى تأثير انزلاق الدينار التونسي على الواقع الاجتماعي والاقتصادي للبلاد , فلا حديث هذه الأيام الا عن انهيار قيمة الدينار أمام العملات الصعبة وامكانية تعويمه في سوق الصرف طبقا لتعليمات صندوق النقد الدولي , وهذا الاجراء طبعا يعني خفض قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية وخاصة الأورو والدولار بهدف تحرير سعر الصرف وجعل السوق هي المحدد والمتحكم في قيمة العملة المحلية دون تدخل الحكومة ولا البنك المركزي . فما تداعيات ذلك على واقعنا المعيشي والاجتماعي والاقتصادي ؟؟؟

حسب بيانات البنك المركزي التونسي للفترة الأخيرة , والتي أظهرت تدهور الدينار الى مستوى مفزع أمام العملة الاوروبية الموحدة عن 2,53 دينار لليورو , وحسب تصريحات وزيرة المالية التونسية لمياء الزريبي بأن البنك المركزي سيقلص تد خلاته لخفض الدينار تدريجيا , كل هذه المؤشرات تدل على مدى تأزم الوضع الاقتصادي في بلادنا خاصة مع ارتفاع حجم المديونية من 63 % الى حدود 70 % وتفاقم العجز التجاري وانخفاض التحويلات من الخارج بما قوض احتياطات البلاد من العملة الأجنبية . ومن المؤكد أن هذا سيزيد من تعفن الوضع وسيكون له انعكاسات سلبية على مستويات المعيشية لأغلبية الشعب التونسي , ويمكن أن تؤدي الى اضطرابات اجتماعية وانتكاسة للطبقة المتوسطة وبالتالي مزيد من الاضرابات والاحتجاجات والمظاهرات , والدليل على ذلك ما نشاهده اليوم من حراك اجتماعي في العديد من الجهات ( تطاوين والكاف والقيروان وصفاقس والعديد من الجهات الأخرى ) احتجاجا على التهميش وغياب التشغيل والتنمية وغلاء المعيشة وارتفاع الأسعار !

مما لاشك فيه, أن انهيارالدينارسيزيد من تراجع المقدرة الشرائية للتونسي بسبب ارتفاع الأسعار وبالتالي ستتضرر العديد من الشرائح الاجتماعية ولاسيما الأكثر تضررا هي الطبقة الوسطى ,من الموظفين والعاملين وأصحاب المحلات التجارية الصغرى وأصحاب الحرف اليدوية والمزارعين وسائقي سيارات الأجرة , فهؤلاء يقبضون أجورهم ومعاشاتهم بالدينار ويستهلكون بالدينارفي شراء حاجياتهم الضرورية والكمالية على اختلافها . ومن ثم انهيار الدينار سيلامس مستوى حياتهم بشكل مباشر , فمنهم من يتمتع نسبيا بحياة مرفهة سيتعامل مع الوضع الجديد من خلال بدء بحالة تقشفية ويلغي فيها استهلاكه للحاجيات الكمالية حتى يلبي حاجياته الضرورية , أما من كان لا يستطيع سوى تلبية احتياجاته الضرورية فقط , باتوا مهددين بالفقر أكثر اذا أرتفعت الأسعار كثيرا . كما أن طبقة الفقراء المعدومة ستزداد فقرا وسوء ويبقى همهم الوحيد الحصول في نهاية اليوم على طعام قليل يسد رمقهم ليستطيعوا العيش للغد . وهكذا سيؤدي ذلك اٍلى اتساع رقعة الفقر في تونس وزيادة نسبة الفقراء وتقلص الطبقة المتوسطة التي انتقل العديد من ابنائها الى طبقة الفقراء , في الوقت ذاته يزداد الأثرياء ثراء لأنهم الوحيدون الذين ينعمون بايداع أموالهم في البنوك الخارجية ولا يتأثرون بكوارث الداخل ومصائبه .

كما لا ننسى الآثار السلبية لاستمرار انهيار الدينار على وضع الاقتصاد التونسي الذي أصبح في حرج للغاية , والمخفي أعظم بكثير , فالمناخ العام سيزيد تأزما بسبب صعوبات المؤسسات الانتاجية وفي توريد المواد وبالتالي سيتم الضغط على تكاليف الانتاج وأجور العمال والمنح , كما سيؤثر ذلك على قطاع الفلاحة وتوريد الأعلاف والأدوية والعلف المركز للحيوانات , الى جانب ذلك سيجعل انهيار الدينار من الصادرات أكثر تنافسية في السوق الخارجية مع ارتفاع تكلفة المورد , وباعتبار أن الميزان التجاري التونسي يعتمد أكثر على التوريد فسيتسبب في مزيد صرف الدينار التونسي للتوريد , وهذا سيزيد من التضخم المالي وفي ارتفاع الطلب على قروض الاستهلاك في البنوك مقابل تراجع قروض الاستثمار , وبالتالي تراجع القدرة على خلق الثروات وفي هذه الحالة لا تنمية ولا مشاريع منتجة ولا مناصب للشغل . لكن المقلق والمخيف من كل ذلك هو أن نصل اٍلى وضعية اليونان , أي تصبح تونس مفلسة ودولة فقيرة ,لا موارد لها بحكم التهرب الضريبي وتفشي الفساد وانهيار العملة الوطنية , ما يسمح حينئذ لاقدر الله بوضع بلادنا تحت الوصاية الدولية ومن ثم سنصل الى التدمير الشامل للوطن !!! فمن المسؤول عن ذلك وقتها ؟؟؟

من الثابت أن بعد ست سنوات من “الثورة ” وتونس لم تستطع ايجاد حلول لمشاكل البطالة والفقر والفساد , كما فشلت كل الحكومات المتعاقبة والحالية ” حكومة الشاهد ” في مواجهة الأزمة الاقتصادية الراهنة , مما آثر ذلك سلبا على الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي ينذر بالخطر مع انخفاض مستمر وسريع لعملتنا الوطنية . فسياسة استمرار الاقتراض لم تجد نفعا والاعتماد على الخارج , لامحالة , له تأثير سلبي على الاستقلال الوطني , لذا لابد من وضع خطة انقاذ عاجلة على المدى القصير والمتوسط , ولما لا التفكير في حوار وطني حولا انقاذ الاقتصاد التونسي والمشاركة في وضع الرؤية العامة لتحديد خطط واستراتيجيات يتم تنفيذها استنادا الى “لجنة التخطيط الاستراتيجي ” تضم خبراء وأشخاصا على درجة عالية من الكفاءة ومتفرغين لوضع الخطط لحل المشكلات الاقتصادية في تونس , مقارنة بما نستشعره اليوم من غياب التنسيق بل والتضارب أحيانا !
ألم يحن الأوان لوضع برنامج اصلاح شامل , بما يتيح الخروج والحد من هذه الأزمة الخطيرة لأن ” اٍبر المسكنات ” التي تتعاطاها الحكومة لا يمكن أن تكون حلا ! فالاٍنقاذ ممكن اذا وجدت فعلا ارادة سياسية حقيقية للاصلاح يكون فيه الاقتصاد التونسي أولوية وطنية مطلقة !

لا تعليقات

اترك رد