التشكيلي علاء بشير: ألوانه خدعة بصرية رغم صراحتها !!

 

ألوانه خدعة بصرية رغم صراحتها !!
في لوحاته ومنحوتاته تثار اسئلة الوجود ….

نحت وجوه الموتى الذين دفنتهم اكوام التراب وغبار الحروب اثرالصواريخ والقنابل التي تساقطت على رؤوس العراقيين .
نحت الموتى وترك الاحياء لأنه يرى الانسان كائن ميت ، فهو يعيش لحظات حياتية ، ولكنه يموت ملايين القرون ، الارض تعد واحدة لديه بعد الموت تتساوى فيها الجغرافيا في لحظةالموت وتحددها الحدود الصنيعة.

علاء بشير يعتقد أن الواقع ليس الاشياء والاحداث والناسالتي نراها ، وانما هو العمق الذي لم نره يتمثل بالغائر فيفكر الانسان وما وراء الانسان ويكمن في اناة الجسد المجسمعلى سطح لوحته .


الواقع يراه وهماً والموت هو الحقيقة الوحيدة التي لن يتقبلها الانسان وفيها تتساوى الاشياء لا فرق بين مادة وكائن حي، والازمان تتلاشى كحاضرة ومستقبلية .

بألوانه الصريحة يجسم غرابهُ الطير الشاهد على أول جريمة في التاريخ في المكان الذي عاش فيه بالقرب من اسوار بابل وشارع موكبها وفي باب المعظم .

علاء بشير يعتقد لا وجود لما يسمى فن تشكيلي عربي لان كل الفنون العربية المعاصرة والحديثة هي تقليد للغرب لكونها ستعمر المكان والزمان والفكر والذاكرة

الفن الوحيد عند العرب – كما يعتقد بشير – هو الفن الذي وصلنا من وداي الرافدين والنيل وباقي الحضارات الشرقية لكونها فنونا أصيلة …
لا يحبذ الالوان المحايدة ولا يرسم باللون الرمادي ولا يفضل ان يجسم الاشياء كما يراها الناس او كما يتذكرونها .
لوحاته ونحوته غير مكتملة ( لانهاية للون فيها ولا اطار لها ) وهذا الامر ينسحب على أعماله النحتية فتحتاج الى مزيد من التكوينات وتشتهي مزيدا من الطَرق والحفر والعجن ان كانت صخرة أو طينا مأخوذا من ذراع دجلة أو رسوب الفرات .


ان اعتقد المشاهد أن اللون الاخضر الذي ملأ اللوحة قد يوحي الى حقل يفوح منه عطر العنبر و بستانا ارتدى فستان الربيع والريعان والصبابة لكن يتراجع عن رؤيته بعد برهة ليرى كل ألوان ( علاء بشير ) الخضر تشير الى روح مزهوقة بفعل الموت الاخضر أو بفعل حرب عبثية بين دولتين جارتين ، أو من قبل دولة مارقة اعتدت على دولة صغيرة ، وقد تكون روح سمكة صغيرة قبض عليها سمك قرش شقي .
الالوان في لوحات علاء بشير خدعة بصرية رغم صراحتها ، والاشكال المجسمة تتساوى في خلقها اذ لا فرق بين مخلوقاتهان كانت آدمية أو حيوانية أو جماد ، الكل فيها واحدا والجزء هو الكل ، لا فرق بين لون ولون وشكل وشكل الا بالهيئة والصبغة ، الابعاد في لوحاته تتلاشى وتنصهر مع بعضها ، والزمن متحجر في هنيهاته حيث لاوجود له فهو جامد في موضعه متسمرا في مكانه منذ الخليقة وما لبث ، الفكرة ذات الفكرة والسؤال ذات السؤال والمسميات توحي الى نفس الدلالات منذ النشوء ومازالت ، وكانه يقول لنا أعدنها في أعمالنا الفنية الى حاضنتها في لحظة التكوين وأعدناها الى سيرتها الاولى ، فلم العجب ان اختلطت الالوان لديه ؟ وبات المتلقي في عمى اللون والبصر ، وضالا لا يفقه كثيرا من الاسئلة و لا يمتلك بوصلة أجوبتها .

أعمال ( علاء بشير ) يغدو اللون فيها سؤالا وحيرة وارتباكا ، هل الموت موتا ام الحياة حياة ، ام هل الموت هو الحياة ، ام يموت البشر ليحيوا ، وهل فعلا يموت الاحياء ؟

هل يصنع النحات ( علاء بشير ) من غرين طينه جثثا أم أطفالا في مهد الموت ، أم خدجا على عتبة الحياة ؟

وأنت تتأمل أشكال ( علاء بشير ) المجسدة باللون والحجر والطين تلاشى لديك عناوينها ومسمياتها فشعَر المرأة يصبح أوراق توت ، وساق الشجرة توحي لساق امرأة في عنف انوثتها ، وعندما تنظر بعمق الى عيون كائناته الانسانية فانك تشاهد أحجار كهرب وفيروز شكلت أحداقا وجفونا ووضعت تحت رموشها ألف خط كحل مستفهم بعلامات تعجب لانهاية لها ، أغوت غرابا وهدهدا ومنقار ديك هراتي ليقلعوا الاحداق والاهداب ويتركونها جثثا تسعى الى حياة أبدية .

الناجون في لوحاته الذين حملتهم سفينة نوح انهم كالجماجم المدفونين في جدران معبد مرودخ ، فتجد أشجارا ووردا وبطاريقا واطفال رضع وفؤوسا ومتاريس والهة بابليين وكهنة فراعنة ، فتصبح لوحاته سفينة خلاص للخليقة ، حتى الجماجم والهياكل العظمية للخلق فانه يعبئ بها سفنه أي – لوحاته – ، فيترك للمتلقي الحيرة والدهشة والشك وغياب اليقين ، فلا يترك له الخيار والاختيار ما بين الحجب والتجلي لأدراك الحقائق ، انه كمن يسلب من المتلقي يقينه ويوبخه على أبدية قناعاته ، ويذّكره بان لا يترك الاجوبة لألف سؤال وسؤال عالق في رأسانسان أكله الطير ، وأكف نسوة قطعتها السكاكين واستراحة الذكورة .

لوحات ( بشير ) وتماثيله ونصبه ملغومة بالجدل فتثير أسئلة وجودية دون جواب ، أعماله مشاكسة للتاريخ والفكر والعقل ، ومغامرة فنان مفكر فهو يرسم بشفرة طبيب جراح وبعقل جدلي ، الخيال عنده له بداية دون انتهاء ، البحر والسماء ينصهران في ألوانه وآفاقه ، لا مكان عنده للشروق والغروب فان الوقت في أعماله غائب ومفقود وكانه يقول لنا :

الكون له بداية الا ان التفكير فيه قد أتعبه .
كل لوحة وعمل نحتي أنجزه يمثل لديه لحظة ولادة وكل ما حوله سدم ، لم تتضح مكونات الخليقة لديه هي ماثلة في ألوان وأشكال لم يسمها ولا يدرك دلالاتها ورموزها ، وليس هناك جواب يقيني عن معانيها ، الخشب في لوحاته هي أذرع انسان، ومنقار الغراب هو طمع وجشع ، وفم السمكة الصغير هو ثغر امرأة ابتلع الكلام وحبس فيه الى اشعار آخر ، الانسان يصوره بخمسة عيون وقد يكون بعين واحدة أو بلا عيون لأنه لم ير الحقيقة و يكتشف معناها وأضل دربها ، لقد صرح الفنان عن لون الغراب وشكله وحركته وحريته ربما أراد القول انه أكثرالمخلوقات فهما لكثير من المجاهيل والاسرار التي لم يستطع الانسان أن يستوعبها أو يفهمها .

الاجزاء حقائق وكينونة وظواهر ووجود في نظر ( علاء بشير ) مثل ( النشوء التكوين ، الغراب ، هابيل وقابيل ، بابل ، الموت والحياة ، الولادة والعقم ، الحروب والسلام ، الفقر والغنى ، الجمال والقبح ، الذكاء والغباء ، الحب والكره ، الراعي والرعية ، السلطة والاستلاب ، القوة والضعف ، الفهم واللافهم ، العبودية والملوكية ، الوجود والعدم ، اختلاف النوع ) لكنه لم يجسد ماهيتها ونهاياتها وأسبابها وعللها ومبرراتها الوجودية في لوحاته وأعماله النحتية ، فانه طرحها بصيغة استفهامات لا حصر لها .

لا تعليقات

اترك رد