الصفحات السوداء : قرن من الأحلام المريضة – ج٥

 

هذا النظام هو الذي ساهم الى حد بعيد بترسيخ الخطاب الطائفي وزرعه في أذهان الناس واستعداء شرائح المجتمع فيما بينها . هذا الخطاب الذي لم يكن من قبل موجودا بين شرائح المجتمع العراقي ولايتصف بأكثر من تخرصات عفوية غير فعالة يمارسها بعض الجهلة فقامت ذات القوى الغربية بأستخدامه وتوظيفه وشحنه بما يكفي وتهيئة كل المستلزمات المطلوبة لكي يكون فعالا بشكل ممض لأجل جر العراق بعد حرق ورقة الدكتاتور في حرب (( تحرير العراق ! ! )) الى مزيد من التمزق والتردي والأنحدار نحو الهاوية وتفكيك الدولة العراقية .

وان دعوات (( بوش )) وتحركات الولايات المتحدة بأتجاه اسقاط صدام توضحت أهدافها ومضامينها بعد سقوط الصنم حين تحول الهدف من تحرير العراق من الدكتاتورية الى استعمار واحتلال أمريكي وبدأت سلسلة التخريب المقصود للدولة العراقية ومكونات الشعب العراقي الثقافية والعقائدية والأجتماعية ومحاولات اعادة العراق الى العصور القديمة لكي تقوم بتشكيله ورسمه على هواها وعلى ضوء مقتضيات مصالح اسرائيل والغرب ليخرج ممزقا بلا ذاكرة تتناوشه التناحرات والصراعات المحلية والطائفية وتتناوب عليه المحن من وقت لآخر بحيث لم يعد يشكل أي تهديد أو أي عقبة في طريق اسرائيل الكبرى وغرب المصالح والنفط والخيرات والأستيلاءات عن قرب أو عن بعد بما يضمن ديمومة مصالحها .

وبدلا من أن يتجه العراق تحت يد الولايات المتحدة الأمريكية من صوب الدكتاتور وسلطته الظلامية الى صوب الديمقراطية الصحيحة والى الطريق السليم والمباشرة ببناء دولته المدنية التي تتوافر كل مقوماتها المطلوبة ، اتجه نحو التناحر الطائفي والتمزق واتلاف المقدرات والأمكانيات بفعل الخطط واليد الأمريكية ، حيث تعمد الحاكم الأمريكي (( بول بريمر )) اتخاذ مجموعة من القرارات والأجراءات التي من شأنها تفكيك بنية الدولة العراقية وهدم مقومات المجتمع العراقي ودعم التوجهات والتكتلات والسلوكيات الكفيلة بخلق عراق ممزق متناحر . ابتداء من تحطيم وحرق ونهب الخزين الثقافي والأرث الفكري والحضاري للعراق من مكتبات ومتاحف ومعالم ، وحل الجيش والدوائر والتشكيلات الحكومية العسكرية أو التي لديها صبغة عسكرية ، وحرق المقرات الرسمية للوزارات والدوائر ماعدا (( وزارة النفط ؟ ! ! )) وتشجيع أعمال النهب والتدمير والتفكيك والتغاضي عن السلاح والذخيرة بكل أنواعها التي أصبحت تباع على الأرصفة والطرقات ، المباشرة بتأسيس بناء سياسي للدولة العراقية على أسس طائفية ومناطقية مثلا (( تداول كرسي رئاسة مجلس الحكم شهريا بين الطوائف العراقية ، كل شهر لشخص من طائفة معينة ، كبداية لرسم منهاج سياسي طائفي في منتهى الخطورة )) هذا مثال بسيط ، فتح بوابات العراق على مصاريعها للتهريب ولأخراج وادخال الأموال والبضائع والممتلكات بما فيها ممتلكات الدولة دون رقابة أو متابعة أو تدقيق ، خصخصة مؤسسات القطاع الحكومي العام وبيعها والسماح للأجانب من أية جنسية للدخول والعبث في البلاد وفتح المجال لهم للتملك الكامل في المجالات كافة دون قيد أو شرط .

في عام 1992 أعلنت الولايات المتحدة في خططها وقبل اخراج الجيش العراقي من الكويت انها ستتخذ كل التدابير لوصولها الى مصالحها ونفطها في منطقة الخليج وانها ستتخذ الأجراءات التي تبقيها هي القوة المسيطرة في المنطقة لمصلحة حلفاؤها. . أليس هذا هو المغزى ؟ . الهدف والمغزى القديم الجديد .

يتبع الجزء السادس

لا تعليقات

اترك رد