المكان المفتوح في شعر ابن زيدون

 

الحيز المكاني المفتوح في شعر ابن زيدون منتزع من متعدد، وهو متشابك ومتداخل ، ففي قرطبة تتحرك جملة من العناصر الطبيعية والإنسانية ، كما يتحرك الحدث مرتبطاً بالزمان والمكان , أما علاقات الشاعر فبعضها ثابت نسبياً كعلاقته بولادة , وبعضها متغير كعلاقته بالخليفة وعلاقته بالندمان , وتوزيع الأماكن المفتوحة إلى طبيعية وكونية وحضرية ترتبط به مجموعة صفات تلازمه , فهو أليف مضيء وقريب نفسياً . ولكثافة توظيف المكان المفتوح أسبابه على صعيد النص الشعري الزيدوني , إذ يتصل بأوثق الصلات مع الانبساط والانفراج على صعيد الشخصية ,كما ينسجم مع الطبيعة الأندلسية المفتوحة على الهواء والضوء . يقول :

وَلَيْـسَ ذَمِيْمـاً عَهْدُ ( مَجْلِسِ ناصِح ِ )
فَأَقْبَـلَ مِـنْ فَـرْطِ الوَلُـوْعِ بِهِ نـُصْحا

وَأَيَّــامُ وَصْـلٍ ( بِالعَقِيْـقِ ) اقْتَضَيْتُـهُ
فَـإلاَّ يَكُـنْ مِيْعـادُهُ العِيْـدَ فَالفِصْحـا

وَآصـالُ لَهْـوٍ فِـيْ ( مُسَـنَّاةِ مالِكٍ )
مُعَاطـاةَ نَدْمانٍ إِذا شِئْـتُ أَوْسَبْحـا

مَعاهِـدُ لَــذَّاتٍ وَأَوْطــارُ صَبْــوَةٍ
أَجَلْـتُ المُعَلَّـى فِيْ الأَمانِيْ بِهـا قِدْحـا

تعَوَّضْـتُ مِنْ شَـدْوِ القِيـانِ خِـلالهَـا
صَـدى فَلَواتٍ قَدْ أَطـارَ الكَرى ضَبْحـا

وَمِـنْ حَمْلِـيَ الكَـأْسَ المُفَـدَّى مُديْرُها
تَقَحُّـمُ أَهْوالٍ حَمَلْـتُ لَهـا الرُّمْحا

يتفاعل ابن زيدون مع هذا المكان بطرق متعددة ، إذ يقف أمام فضاء واسع يمتلئ بالحركة ويمتد ويتسع مع امتداد شخصيته ، ويتحدد موقفه منه بكل وضوح ، فقرطبة التي تمثل مركزاً لضواح عدة تنتمي إليها في الصفة , هي مدينة مفتوحة قياساً إلى الطبيعة والقيم الاجتماعيـة واللقاء والتواصل , والمدينة الأندلسية ذات البناء المعماري الباذخ والطبيعة الخلابة لابد أن تقود إلى ترف ولهو يميل معهما الشاعر إلى طلب المتعة الآنية , وإلى إغراق في الشرب , ورغبة في الرقص والغناء والطرب والموسيقا , وإن كان ذلك من علامات التحضر السلبي ومن مظاهر التمدن الزائف.
وأماكن اللهو – كما تبدو في الأبيات السابقة – وإن تكن داخلية مغلقة على نفسها, تقبع وراء جدران , وتنفصل بها عن الخارج , إلا أنها مفتوحة على الحرية الاجتماعية والشخصية ، فالتحلل من أسـر القيود الاجتماعية , والتحليق في فضاء الحرية يكسب المكان صفته . وإذا كان المكان المفتوح هو الموطن الأصلي للحب والمشاعر الصادقة ، فإنه هنا يعبر عن الجانب العبثي للشاعر ، إذ يتمرد على الانضباط ، ويتحرر من قيود حبه , ويتخذ من المكان المفتوح فضاءً يتحرك فيه بحرية , فيصبح ( المفتوح ) نقطة انطلاق وتحرر .
والانفتاح المكاني في مجلس اللهو يتجلى على أكثر من مستوى ، فهو نافذة روحية يقف الشـاعر أمامها ليهرب من ثقل الحياة وهمومها , ففيه يبحث عن المؤنسين فيجدهم ، وفيه يسهل عليه معاقرة الخمرة مع الندمان . كما أن النمط الداخلي للمكان يتجاوز الضوابط جملة , ففيه تشدو القيان وتحمل كؤوس الراح , وينشط الوجود الإنساني بسبب حركة المجيء والرواح والتغير ، إذ يستقبل المرتادين ويودعهم ، بعد أن يحلق بهم على جناحي الموسيقا والغناء ، إنه مكان سري حميمي، وهو مكان التمرد الحر .
ومكان اللهو مفتوح بالوساطة وليس بالطريقة المباشرة , فالمعنى والوسائل التعبيرية المستعان بها عليه هي أدوات المكان ، إذ وظف له الشاعر وفرة من الألفاظ والتراكيب , كشفت عن فكرة الحرية ( وصل – لهو – لذات – شدو … ) , فامتدت الألفاظ وانطلق أسلوب التعبير ( آصال لهو – معاطاة ندمان – الكأس المفدى مديرها … ) .
ويُوَظَّف مكان اللهو في انفتاحه ليكشف دلالات متعددة , فسواء كان في حقيقة أمره تخيلياً أم واقعياً أو مزيجاً منها , فإنَّ له أغراضاً جمالية أو عاطفية , وقد كشف الموقع الاجتماعي والفكري للشاعر , إذ شف عن شخصيةٍ تحول التأثر والتأثير الناتجين من التفاعل والتواصل مع المكان إلى شعر رائد على المستوى الفني .
كذلك توظف القصور في انفتاحها واتساعها لتمس إحساس الشاعر. يقول

مَقاصِيْـرُ مُـلْكٍ أَشْــرَقَـتْ جَنَباتُهـا
فَخِلْنـا العِشاءَ الجَوْنَ أَثْناءَهـا صُبْحـا

يُمَثِّـلْ قُرْطَيْهـا لِـيَ الوَهْـمُ جَهْـرَةً
فَقُبَّتَهـا فَالكَوْكَبَ الرَّحْبَ فَالسَّفْحـا

فرحاب القصور الملكية الباذخة مضيئة ممتدة , وبهاؤها مشرق , يحيل الليل المظلم صباحاً , وهو على الرغم من ابتعاده عنها يراها بعيون قلبه , وتتجسد أجزاؤها أمامه أينما حل , وتشعر نفسه بالبهجة والسرور والاستقرار لاتساع المكان وإشراقه .
والمكان المدني ( قرطبة ) يشكل حضوراً واضحاً في شعر ابن زيدون ، وهو عامةً أليف حميم ، يشعر فيه بالولاء ، ويدين له بجل عواطفه , فهو موطن الولادة والإقامة ، فيه تعلم , ودرس , ونما حظه وحبه ، وفيه سجن ، وعنه كان نزوحه إذ فر وعين سفيراً في إشبيلية ، ليعود إلى قرطبة لما غلبه الشوق والحنين إلى ربوعها .
والنمط المكاني الحضري ليس عنصراً محايداً ، بل إنه يوظف ليكشف العمق النفسي والفكري للشاعر ، ولا يقف عند حدود كونه مكاناً عاش فيه أو مر به ، وإن كان اكتسب أهميته من توقف الشاعر عنده ، ووصف ابن زيدون له ليس جغرافياً أو هندسياً مجرداً ، وإنما وصفه نفسي تخييلي ، فصورة المكان تمر عبر خيال نشيط بعد أن تؤخذ من مستودع الذكريات وتكون لها صيغة شعورية , وهكذا فإن حدود المكان ليست حسية لأن الانتقال فيه يتم عن طريق الإحساس والخيال , وحضور المكان يتم عندما تستعاد صورة الماضي ، ويستعاد معها الأثر المطبوع على تلك الصورة .
وابن زيدون إذ يذكر قرطبة يصفها بالغراء , ويسـمي العديد من ضواحيها ( الزهراء – الرصافة – شرق العقاب … ) ، وهو يتذكرها في سجنه , ويعاوده ذكرها بعد فراره والتجائه إلى بني عباد في إشبيلية ، فيتشوق إليها , ويجزع لما رماه الدهر من نوائب مفارقتها , ويستنـزف دموعه لتنائيه عنها ، ويتذكر أحبابه وأيام لهوه في منازههـا , فيبعث إليها سلام المحب المشوق , ويدعو أن يسقيها صوب الغمائم ، ثم يمنِّي النفس بالعودة إليها . وإذا أهمل أن يُسَمِّيها ذكر أكنافها ونواحيها وميادينها وجنباتها , واستعان بصورها كما علقت في ذاكرته ووجدانه , فكان أن اقترن حديثه عنها بغرضي الوصف والغزل . يقول :

أَقُرْطُبَةُ الغَـرَّاءُ ! هَـلْ فِيْكِ مَطْمَعُ ؟ ُ

وَهَـلْ كَبِـدٌ حَـرَّى لِبَيْنِـكِ تَنْفَـعُ ؟

وَهَـلْ لِلَيـالِيْـكِ الحَمِيْـدَةِ مَرْجِـعُ ؟

إِذِ الحُسْـنُ مَرْأًى فِيْـكِ وَاللَّهْوُ مَسْـمَعُ

وَإِذْ كَنَـفُ الدُّنْيا – لَدَيْكِ – مُوَطَّـأ

تعلو مرتبة قرطبة هنا , ويرتفع شأنها في نفسه ، فيناديها نداء القريب وإن كانت بمنـزلة البعيد لوجوده في سجنه ، فيسأل سؤال الصبِّ المشوق : هل يعود إليها وينتهي ألمه لفراقها ؟ وهل ترجع أيام سروره فينعم بجمال منظرها ؟ وهل تعود مكانته وحظوته ؟ وصورة المكان هنا واقعية لا تخييلية ، وهـذه سمة عامة ، فهو لم يلجأ إلى التصوير والتخييل ، لكن المجال المكاني محاط بهالة عاطفية صادقة ، فالارتباط بين الذات والموضوع وثيق ، لأن الموضوع هو مكان النشأة وموطن الذكريات ، وهو الواسع الأليف والقريب البعيد ، يتمنى الرجوع إليه ليعيش حراً بعيداً عن إطباقة السجن . إنه يتمنى العودة إلى مدينة مفتوحة على فضاء طبيعي رحب يتسع للحب وعلاقاته ويرعى عيشا هنيّاً مطواعاً .
وفي شـعر ابن زيدون قصائد كثيرة تبـرز عاطفته وتعلقه بمكان نشـأته , لكن هوية المكان تتبدى دلالتها من خلال الأشخاص , كما ترتبط بتغير الأحداث, فالشوق إلى المكان إنما هو شوق إلى المرأة بوصفها حبيبة , لذا يرغب الشاعر إلى جمال المدينة وكأنها فتاة يرغب في وصلها . يقول

لَئِنْ شـاقَنِيْ ( شَرْقُ العُقابِ ) فَلَـمْ أَزَلْ
أَخُصُّ بِمَمْحُوْضِ الهَوى ذَلِكَ السَّفْحا
وَما انْفَـكَّ جُوْفِيُّ ( الرَّصافَةِ ) مُشْـعِرِيْ
دَواعِيَ ذِكْرى تُعْقِبُ الأَسَـفَ البَرْحـا

تُعَيِّن ذاكرةُ الشاعر حدودَ الـمكان ، فهو يضيق وينغلق نسبياً بسبب تداعيات ألم البين، بيد أنه يعالج اتساعه وانفتاحه إذ يؤكد استمرارية حالة الهوى وتبعاتها , من ألم وأسف وتبريح , فالمكان هنا ليس طارئاً مرَّ الشاعر به مروراً سريعاً ، وإنما هو مكان أصيل ولد ونشأ فيه , وارتبطت دلالته بالمحبوبة المرأة وبالأحداث التي مَرَّت به ( كالسجن والفرار والاختلاف إلى أماكن متعددة ) . فالشوق والحنين محوره المرأة التي تسكن المكان، والألم وليد الظروف التي عاشها ابن زيدون فيه من جهة , ونتيجة الإقصاء من جهة أخرى .
وسواء أكان المكان مفتوحاً أم مغلقاً فهو يرتبط بشخصية الشاعر وبعلاقاتها مع الآخرين, والبعد النفسي مقحم حتماً في ثنايا هذه العلاقات ، أما المرأة فموجودة في المكان, لأنها عنصر أساسي فاعل , يقول :

حالَــتْ لِفَقْـدِكُمُ أَيَّـامُنـا , فَغَـدَتْ
سُـوْداً , وَكانَتْ بِكُمْ بِيْضـاً لَيالِيْنـا
إِذْ جانِـبُ العَيْـشِ طَلْـقٌ مِـنْ تَـأَلُّفِنا
وَمَرْبَعُ اللَّهْـوِ صـافٍ مِـنْ تَصـافِيْنا

إن كاف الخطاب التي تحمل دلالة أنثوية تعبر عن الوجود المكاني للمرأة ، وهو وجود إيجابي لأنه ينتمي إلى الليالي البيض والألفة وصفاء اللهو والتصافي ، واستخدام المصطلح المكاني يحمل أبعاداً رمزية ، فهو مكان نفسي لأنه جانب من العيش الرغيد ، ولكنه ليس في حالة توسع مستمر ، على الرغم من أنه مكان مفتوح طلق وصاف .
أما المكان الطبيعي فيرتبط بفكرتي الانكشاف والخلاء , وهو مريح ظليل , فيه ألوان من متع النظر ، يرسمها الشاعر في صورة مؤثرات بصرية . يقول :

أَلا هَـلْ إِلى ( الزَّهْـراءِ ) أَوْبَـةُ نـازِحٍ
تَقَصَّـى تَنائِيْهــا مَدامِعَـهُ نَزْحـا

هُناكَ الِجمـامُ الـزُّرْقُ تُنْـدَى حِفافَهـا
ظِلالٌ عَهِدْتُ الدَّهْرَ فِيْهـا فَتًى سَــمْحا

إنه يستغل زرقة الجمام ليؤكد حالة الوفاق بين عناصر الطبيعة , فزرقتها ناجمة عن غزارتها وانعكاس زرقة السماء عليها , و الحواف الندية بفضل الظلال تعيد إلى ذاكرته صورة الزمان إذ كان سمحاً كريماً , وهكذا تصبح علاقته بالمكان علاقة ألفة وإحساس بالجمال ، إذ تتلون ربوع الأرض وربوع نفسه نتيجة الفقد بلون الشوق المبرح والدموع النازفة .
ولأن الطبيعة الأندلسية تزخر بمختلف أنواع التضاريس فقد فجرت قرائح الشعراء ، واستثارت عواطفهم ، وشغفت ألبابهم , فرسموا لها حركة , وأسمعوا لها صوتاً , وأعادوا تكوينها فلونوها بفصاحتهم وبلاغتهم ورقة خيالهم ، إلى أن حملت سمات نفسهم وفكرهم.
يمرُّ ابن زيدون بالرياض وهو يستعرض شريط أيامه ، لأنها مستودع ذكرياته ، فيذكرها إذ يستذكر مجالس اللَّهو والأنس ، لأنها نعم المحلُّ والمتبوَّأ ، ويقرنها بالظلال والمياه على سـبيل التخييل والتمثيل والتجسيم . يقول وهو في السجن يذكر أيام صباه في رياض قرطبة :

لَنِعْـمَ مَرادُ النَّفْـسِ رَوْضاً وَجَـدْوَلاً
وَنِعْـمَ مَحَــلُّ الصَّبْـوَةِ الـمُتَبَـوَّأُ

تأخذ الرياض قيمتها الجمالية لأنها مستروح الجسد والروح ، يتسع باتساعها السرور، ويمتد بامتدادها الأمل ، وهي مكان الحرية والانعتاق وهذا النمط المكاني يعكس امتداد أفق رؤية الشاعر . لكن الرياض من جهة أخرى تجدد الشباب وتزكي صبواته وذكرياته ، فالسعادة فيها غير خالصة ، لأن التداعيات المتعلقة بها سعيدة في ماضيها ، حزينة لانقضائها . قال وهو في مجلس أنسٍ :

يــا أَيُّهـــا المَلِــكُ الجَــلِيْـ
ـلُ ، يُكِــلُّ أَلْسُــنَنـا جَلالُـكْ

انْظُـــــرْ إِلــى مُحْتَلِّنـــــا
قَــدْ زانَ ســاحَتَــهُ احْتِــلالُكْ

نَهْـــرٌ وَرَوْضٌ نَحْـــنُ بَيْــــ
ـنَهُـما تُؤَلِّفُنــــا ظِــــلالُكْ

قَــدْ فــاضَ فِــيْ هَــذا نَــداكَ
وَنَعَّمَــتْ هَـــذا خِــلالُكْ

إن المحتلَّ والسَّاحة والنَّهر والظلَّ أماكن مشمولةٌ في دائرةٍ أوسع هي دائرة الروض ، والمكان يزيِّنُهُ الممدوح ، أما الواردون فيتفيؤون مكاناً أنيساً طلقاً تدور عليهم فيه العطايا ، وليس الظِّلُّ بوصفه رمزاً من رموز الأمن والارتياح إلاَّ عناية الممدوح ، وليس المشرب من نهر عذب إلاَّ فيض جوده المتجدد ، وليس الأنس والجمال إلاُّ وافر صفاته . والمكان الروض هنا يتَّسع وينفتح اتِّساع فضل الممدوح على الواردين وانفتاح جوده عليهم ، والشَّاعر يقف في ذلك المقام ثابت القدم ، فهو من خواص الملك ومن خلصائه .
أما المكان الكونيُّ المفتوح فحاضرٌ في الشعر العربيِّ عامةً ، لأن الإحساس بالمكان يتولَّد عند الشَّاعر من كلِّ موجودات الطَّبيعة الحسِّيَّة المحيطة به الملموسة أو المنظورة فالسماء وما فيها من أفلاك تحيل على المكان من أبوابه الواسعة .
وعناصر الكون تشكِّل حضوراً لافتاً في شعر ابن زيدون خاصة , إذ يستعين بطبيعتها الفيزيائية ليؤكد ما توحي به من دلالات , وهو يسـتعيرها للممدوح والمحبوب والموصوف ، مشخصاً ومجسِّداً ، في شيء من المبالغة ، لذا ترد غالباً في إطار التصوير ، لأن مجال التخييل فيها واسع .
وهذا النمط من أبرز أنماط الـمكان في شعره ، وهو أظهرها فاعلية في الغرض الشعري , لأنه يحمل دلالات مختلفة , فإذا كان المكان رمزاً للجمال والكمال كالقمر استعان به في غزلياته ، وإذا كان علامة الرفعة والسمو والازدهار والوضوح والجمال والنور والسبق كالشمس زين به مدائحه , وإذا كان مؤشر الخيبة واليأس والظلمة والتأخر كالكوكب وظفه في هجائياته يقول مادحاً بعد استهلال غزلي :

إِلى أَنْ بَـدَتْ فِيْ دُهْمَـةِ الأُفْـقِ غُـرَّةٌ
وَنُفِّـرَ ، مِنْ جُنْـحِ الظَّـلامِ غُرابُ

وَقَدْ كـادَتِ الجَـوْزاءُ تَهْـوِيْ فَخِلْتُهـا
ثَناهـا مِنْ الشِّـعْرَى العَبُـوْرِ جِذَابُ

كَـأَنَّ الثُّرَيَّــا رايَـةٌ مُشْــرِعٌ لَهـا
جَبـانٌ ، يُرِيْـدُ الطَّعْـنَ ، ثُـمَّ يَهـابُ

كَأنَّ سُـهَيْــلاً فِيْ رَبــاوَةِ أُفْقِــهِ
مُسـِـيْمُ نُجُـوْمٍ حـانَ مِنْـهُ إِيــابُ

كَأَنَّ السُّـها فَانِـيْ الحُشـاشَـةِ شَـفَّهُ
ضَنـى ، فَخُفَــاتٌ مَــرَّةً وَمَثــابُ

كَأَنَّ إِيـاةَ الشَّـمْـسِ بِشْـرُ بن جَهْورٍ
إِذا بَـذَلَ الأَمْـوالَ ، وَهْـيَ رِغـابُ

يبني ابن زيدون في هذه الأبيات مجموعة تخيلات كونية تولدت من إحساسه بالبيئة الكونية ومن مراقبتها , ومن معرفة طبيعتها الفيزيائية ، فهو يسرد صفات المكان بأسلوب تخييلي , تتحول فيه النجوم المفتوحة على الفضاء الكوني إلى رموز ذات دلالات عميقة , فالجوزاء التي يؤذن غيابها بطلوع الصباح صَوَّرها تهوي , يجاذبها الشعرى العبور ، والثريا حين مالت إلى الغروب بدت أشبه براية حاملها أقعده الخوف , وسهيل في علوه وارتفاعه ما هو إلا راع للنجوم أزمع أن يعود بها إلى حظائرها ، و السها في بعده وخفائه مريض يعاني سكرات الموت فتجذبه الحياة تارة وتلفظه أخرى ، هكذا يتأرجح مقياس الضوء في كل العناصر الكونية الضوئية الليلية السابقة بين القوة والضعف إلى أن يضيع تماماً لطغيان عنصر جديد في الأفق هو أياة الشمس , وليس ضوء الشمس إلا غرة الممدوح يطل بوجهه مستبشراً ليغمر الكون بجوده وعطائه , وهو إذ يشير إلى استتار الظلام وانحساره ساعة بزوغ شمس الصباح فإنما يقصد إلى تفوق الممدوح على كل كريم .
والمكان الكوني بسيط ، ترافقه لغة انسيابية مشحونة بعاطفة الشاعر ووجدانه ، بينما يحمل دلالات مختلفة ، والشاعر يحمله في بعض الأحيان مهمة التعبير عن
همومه وانغلاق أمله . يقول:

أَلَمْ يَـأْنَ أَنْ يَبْكِـيْ الغَمامُ عَلى مِثْلِيْ ؟
وَيَطْلُب ثَأْرِيْ البَرْقُ مُنْصَلِتَ النَّصْلِ ؟

وَهَـلا أَقامَـتْ أَنْجُـمُ اللَّيْـل مَأْتَمــاً
لِتَنْـدُبَ فِيْ الآفـاقِ مـا ضاعَ مِنْ تَتْلِيْ

ولَوْ أَنْصَفَتْنِـيْ – وَهْيَ أَشْكَـالُ هِمَّتِيْ –
لأَلْقَـتْ بِـأَيْـدِيْ الـذُّلِّ لَمَّا رَأَتْ ذُلِّيْ

وَلافْتَرَقَـتْ سَــبْعُ الثُّرَيَّـَا وَغاضَهــا
بِمَطْلَعِهـا مـا فَـرَّقَ الدَّهْرُ مِنْ شَمْلِيْ

يضفي ابن زيدون هنا على الغمام والبرق والنجم والكوكب صفات الكائن الحي ، إذ يجعلها ذات إحساس مرهف وشعور رقيق ، تعكس صدى نفسه المتألمة ، وما يعتمل في أعماقه ، من خلال شعر يفيض عذوبة وجمالاً ، فالغمام يبكي لحاله ، والبرق يجرد سيفه ليأخذ بثأره ، وكواكب الثريا تختفي لتفرق شمله , ونجوم الليل تقيم مأتماً لتندب فيه ما أضاعه من وجاهة ومنصب وآثار طيبة , وهي لو أنصفته – ولها من الهمة ما له – لهوت ذليلة لما رأت ذله ، وبهذا يخلق بينه وبين الكون صلاتٍ وثيقةً , وكأن العلاقة بينهما علاقة التحامٍ وجداني , وهو يجعلها معادلاً نفسيّاً ، فهي تبكي لبكائه ، وتتألم لألمه , تنغلق انغلاق نفسه, وتضيق كما تضيق روحه حسرة على مجده .
وتكتسب عناصر المكان هنا دلالات خاصة تختلف عـن دلالاتها المعهودة ، فافتراقها مؤشِّر الضَّياع ، وخبوُّ ضوئها مؤشِّر الذُّلِّ والخيبة ، وهي تحظى بقيمتها الجمالية من خلال كشفها خبايا حياة الشَّاعر النَّفسيَّة وصراعاته الداخلية .
وقد يجد الشاعر نفسه غريباً في حياة فارق فيها أحبابه فيضيق المفتوح ( الدنيا ) لأنه عجز فيه عن تحقيق مشروع حبه ، ويتسـع المغلق ( القبر ) لأنه جسر قد يقوده لأن يحشر مع من يحب . يقول :

أَنْتِ الحَيـاةُ , فَـإِنْ يُقْـدَرْ فِـراقُكِ لِيْ
فَلْيُحْفَـرِ القَبْرُ أَوْ فَلْيَحْضُـرِ الكَفَـنُ

يقف ابن زيدون هنا على مكانيـن متناقضين في الشـكل والدلالـة ، لكنهما يذوبان – من منظوره الشعوري – في بوتقة الوحشة والغربة ، فإذا قُدِّر أن يواجه فناءً معنوياً في حياة لم يسعفه فيها الوصل آثر فناءً مادياً تنقطع فيه صلته بالدنيا ، بيد أنه يبدو كمن يحتمي بالموت, فَيَغِيب اعتقاده أن القبر هلاك ونهاية , ليتحول إلى رمز من رموز الخلاص والراحة أو رمز من رموز العبور إليهما .
وقد يحدث انزياحٌ من مفهوم المغلق ، فيصبح المغلق أنيساً مضيئاً ، والمفتوح موحشاً منطفئاً :

لَئِـنْ كـانَ بَطْـنُ الأَرْضِ هُيِّىءَ أُنْسُـهُ
بِأَنَّـكَ ثاوِيْـهِ لَقَـدْ أَوْحَـشَ الظَّهْرُ

لَعَمْـرُ البُـرُوْدِ البِيْـضِ فِيْ ذَلِكَ الثَّرى
لَقَـدْ أُدْرِجَـتْ أَثْنـاءَها النِّعَـمُ الخُضْـرُ

وَعاهَـدَ ذاكَ اللَّحْـدَ عَهْـ دُ سَـحائِبٍ
إِذا اسْتَعْبَرَتْ – فِيْ تُرْبِهِ – ابْتَسَمَ الزَّهْرُ

فعلى الرغم من أن الكائن المحصور في المغلق المعزول ( القبر ) فقد حيوية الجسد ، إلا أنه يملك خاصية التواصل الفعال – بوصفة روحاً – مع المحيط الخارجي ، لأن يتيح للنعم الخضر عبوراً وانتشاراً ، ويهيئ الأرض لاستعبار السحاب وابتسام الزهر . ويأخذ المكان هويته من هوية الذات التي تسكنه ، ومن هنا يأتي تعلق الشاعر به وتفاعله معه , ولهذا التفاعل دلالة أكثر عمقاً من حقيقته الظاهرة ، فإذا كان القبر في الأصل رمزاً للركود والموت وفقد القيمة ، فقد أصبح نتيجة المعطيات السابقة رمزاً للحياة والتواصل الروحيين.

لا تعليقات

اترك رد