العلاقات الأمريكية السعودية ، إلى أين ..؟؟


 

كانت العلاقات الأمريكية السعودية خلال القرن الماضي و لا زالت تثير الكثير من علامات التعجب و الإستغراب و الفضول مع مزيد من الإهتمام و تدفع الكثيرين للبحث و الدراسة و التعمق في تفاصيل و خفايا هذه العلاقات ..

و على الرغم من أن السعودية تعتبر ربما في قمة الدول الإسلامية المحافظة و ربما المتزمتة، دينيا و إجتماعيا، مما يفرض عليها، على شعبها و حكومتها و قيادتها الكثير من الإلتزامات و القيود، إلا أن علاقاتها مع الدولة الأقوى و الأقتصاد الأكبر في العالم، و الذي يطلق عليها البعض الشيطان الأكبر، لا زالت هذه العلاقات في قمة أولويات كلا البلدين، بالرغم من الخلافات و الإختلافات الكبيرة و الجوهرية في كثير من الإهتمامات و التوجهات و السياسات، أو على الأقل هذا ما هو ظاهر و مفترض في هذه العلاقة المعقدة ، و أحيانا نتخيل أن هذه العلاقات بين البلدين روحية و مصيرية أكثر من أي شئ آخر، و إنها تبقى صامدة بالرغم من العواصف و الأعاصير السياسية و العسكرية التي تهب من حين لآخر لتعكر الأجواء بين البلدين ..

هذا المد و الجزر، و الصمود و التحدي في نوع و مستوى العلاقات بين البلدين ربما شهدناه بوضوح بعد أحداث سبتمر عام ٢٠٠١، و أستمر الحال كذلك في تذبذب واضح بعد ذلك، لكن ربما شهد الأسوأ من أيامه خلال فترة لا بأس بها من حكم الرئيس الأمريكي السابق أوباما، حيث إنخفض مستوى الحب و الود و العلاقات الخاصة بين البلدين إلى أضعف و أردأ مستوى ممكن ملاحظته خلال السنوات الطويلة الماضية، و ربما يعود ذلك إلى فلسفة أوباما و طريقته في العمل و التي حاول أن يبتعد فيها عن مناطق الصراعات و الخلافات و كل ما يشده إليها، و خاصة منطقة الشرق الأوسط ..

الرئيس ترامب له فلسفة مختلفة، و طريق آخر في التعامل مع دول العالم، و ربما تنعكس خلفيته كرجل أعمال و تاجر، أنه يضع المصالح الإقتصادية و المالية قبل أي شئ آخر، و كان هذا واضحا في كثير من شعاراته و حملاته الإنتخابية، على الرغم من أن المتتبع لإنجازاته و ممارساته بعد تسلمه لمهام الحكم في البيت الأبيض الأمريكي ربما يصعب عليه أن يضع صورة محددة واضحة لسياسات و توجهات هذا الرجل، فهو أثبت في العديد من المناسبات و الأحداث أن إنعدام خبراته السياسية و الحكومية العامة تلعب بشدة ضده، و تؤثر سلبا في تشكيل الصورة التي يرغب أن يظهر و يعرف بها، فهناك الكثير من التردد و التناقض و التذبذب في قراراته و مواقفه
و سياساته في مجالات عدة، و ربما التوقعات في البداية أن تكون علاقاته مع عدد من الدول العربية و الإسلامية ستكون ضمن هذا النطاق و التصور، و ضمن ذلك بالطبع العلاقات مع السعودية ..

و الواقع، فأن السعودية، حالها كحال العديد من الدول النامية، و على الرغم من غناها و ثرائها و علاقاتها الخاصة مع أميركا و عدد من الدول الكبرى و المهمة، إلا أنها تعاني من العديد من المشاكل و الأزمات السياسية و الإقتصادية خاصة خلال السنوات الأخيرة، فإنخفاض أسعار النفط أثر علي مدخولاتها، مما تسبب في العديد من المشاكل علي مستوي الإقتصاد و النشاط الداخلي للدولة، و أثر ذلك على قطاعات مختلفة، هذا كله يرتبط بالعديد من النزاعات و الصراعات السياسية و الأمنية و الإقتصادية التي تمس السعودية أو تشارك بها كطرف فعال، سواء على الصعيد العربي المحلي أو الإسلامي أو الدولي، فمن الصراعات في أفغانستان إلى الصراعات الأخيرة في سوريا و اليمن و العراق، نجد السعودية دائما مؤثرة و متأثرة بشكل من الأشكال ..

و يمكننا ملاحظة التفاعل السياسي و الأمني و الدور السعودي يتصاعد أكثر و يتوضح مع إستلام الملك سلمان بن عبد العزيز مؤخرا مهام الحكم، و تسلم و لده محمد مهام ولي ولي العهد و تسلمه العديد من الملفات الأمنية و السياسية و الإقتصادية المهمة و الرئيسية، ربما واحدا منها إعادة وضع العلاقات الأمريكية على سلم الأوليات، و محاولة بناء الثقة من جديد بين البلدين ..

و حاول الملك سلمان أن يكون مخالفا و مختلفا عن أسلافه من الملوك في طبيعة التعامل مع الأحداث و الصراعات و الخلافات و المشاكل الداخلية و الخارجية، فالمعروف سابقا أن المملكة تتعامل خاصة مع المشاكل الداخلية و الخارجية و السياسات الخارجية بهدوء و تحفظ و ربما ببطء غريب، وربما كان ذلك يتماشى مع كون البلد محافظا و متحفظا في كثير من نشاطاته و سياساته، إلا أن الوضع تغير جذريا مع قدوم الملك سلمان من خلال العديد من التغييرات الجوهرية الذي حاول إحداثها في الأوضاع و السياسيات الخارجية و الداخلية للمملكة، ربما كان أهمها التعامل مع الأوضاع و الأحداث في اليمن و سوريا و العراق و مصر، و العلاقات مع عدد من الدول العربية و الأوربية، و في القمة الإهتمام المتميز بالعلاقات مع أميركا و العمل على إعادة الود و الحب المتبادل الذي فقد و إضمحل أيام الرئيس أوباما ..

و تضمن تقرير صادر قبل أيام قليلة عن مركز بروكنكز الامريكي للبحوث و الدراسات من إعداد الباحث دانيال بايمان تقييما و تحليلا للعلاقات الأمريكية السعودية، و المراحل التي مرت بها هذه العلاقات و تذبذبها و توتراتها، و الآمال المعقودة في العهد الجديد لكل من ترامل و سلمان، و إحتمالات التحسن و التوتر لهذه العلاقة، و يشير إلى أن السؤال الموضوع أمام إدارة ترامب اليوم هو المدى الذي تريد أن تذهب فيه علاقاتها مع السعودية، آخذين بنظر الإعتبار كونها شريك أساسي في محاربة ما يسمونه بالإرهاب منذ أيام القاعدة و بن لادن في أفغانستان، وصولا إلى ما يسمونه بداعش اليوم، إضافة إلى دور السعودية المعروف في عمليات التمويل السري و العلني للكثير من العمليات و النشاطات الأمنية و المخابراتية سواء تلك المتعلقة بالإرهاب أو غيرها ..

يشير التقرير إلى أن من أهم ما يجعل إدارة ترامب تراجع سجل علاقاتها مع السعودية، هو حرصها في الحفاظ على مستوى متدني لأسعار النفط و دور ذلك في تحريك و تنشيط الإقتصاد الأمريكي و العالمي، و دور السعودية في ضمان ذلك، كذلك الدور السعودي الواضح و المخفي في دعم الحرب التي تشنها أميركا على ما يسمونه بالإرهاب، و خاصة الحرب على ما يسمونه بداعش، كما تلعب العلاقات السعودية الأمريكية دورا مهما في تحجيم التمدد و الإمتداد الإيراني في المنطقة العربية و منطقة الشرق الأوسط و تهديدها لأمن و مصالح و إستقرار العديد من دول المنطقة بدئا بالسعودية ذاتها و إمتدادا للبحرين و اليمن و سوريا و العراق و لبنان و غيرها ..

و يؤكد التقرير أن العلاقة بين البلدين تبقى مهمة و عميقة و الإعتمادية متبادلة، فلكل بلد مصالح و إهتمامات في بقاء العلاقات و تحسنها و تطورها مع الطرف الآخر على الرغم من الخلافات و الإختلافات التي قد تتسبب أحيانا في بعض البرود و البعد الشكلي بين الطرفين، ففي زمن اوباما مثلا، التي مرت العلاقات بين الطرفين ربما في أسوأ أيامها، تمكنت إدارة أوباما من أن تستمر في عقد صفقات و بيع الأسلحة للسعودية بمبالغ طائلة وصلت إلي حوالي ١٠٠ مليار دولار، و كانت العلاقات النفطية متوترة في حينها نوعا ما مع الإرتفاع القياسي في أسعار النفط ما قبل عام ٢٠١٤، و مع محاولة أميركا الإعتماد على مواردها النفطية بقدر الإمكان لتقليل إعتماديتها على النفط السعودي ..

من ضمن النكسات الكبيرة في العلاقات بين الطرفين، الإتهامات و الخلافات في وجهات النظر التي أحاطت بالعلاقات الأمريكية السعودية مع مصر حسني مبارك و الربيع العربي، و من ثم الأوضاع في ليبيا و سوريا و العراق، و أخيرا إيران، و كان للمملكة العديد من الإختلافات و الإعتراضات علي طبيعة التعامل الأمريكي مع هذه القضايا بما لا يتناسب مع وجهات النظر و ربما المصالح السعودية و ربما العربية و الإسلامية، و كان لتوقيع الإتفاق النووي مع طهران وقع الصاعقة ليس فقط على الرياض بل العديد من عواصم الدول العربية و دول العالم الأخرى، حيث كانت طهران و لا زالت تمثل تهديدا حقيقيا للأمن و السلام و الإستقرار في السعودية و المنطقة العربية و منطقة الشرق الأوسط بشكل عام ..

و يشير التقرير المذكور أن محاربة الإرهاب ربما تعتبر اليوم القاسم المشترك الأهم و الرابط الأكبر الذي يبقي على العلاقات بين البلدين في مستوى متقدم، حيث تعتبر أميركا السعودية شريك رئيسي في مقاومة و محاربة الإرهاب حول العالم و في المنطقة بشكل خاص، و عنصر مهم في تمويل هذه العمليات و في التنسيق و التنفيذ لهذه العمليات ..

هذا على الرغم أنه خلال عام ٢٠١٦ و في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق أوباما، شهدت هذه العلاقات ضربة موجعة بعد أن تمكن الكونغرس الأمريكي من تمرير قانون الجاستا، و الذي بواسطته أصبح في مقدور الأشخاص و العوائل التي تضررت من أحداث سبتمبر ٢٠٠١ أن تحاسب و تحاكم الجانب السعودي و إعتبار هذا الجانب مشاركا و طرفا في أحداث سبتمبر، و إتهام الجانب السعودي بشكل خاص بتوفير دعم مالي سهل ما جرى في ذلك اليوم المشؤوم حسب إدعائهم ..

و كذلك إتهام السعودية بعدم تقديم الدعم و المساعدة اللازمة في محاربة الجماعات التي تتهم بالإرهاب و توفير المعلومات المخابراتية و الأمنية اللازمة بهذا الشأن، و يقال أن وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كلينتون كانت قد إتهمت السعودية عام ٢٠١٣ بكونها مسؤولة عن تصدير الخط المتشدد للإسلام و المسلمين و الأفكار الإسلامية المتطرفة التي يعتبرونها بيئة مناسبة للإرهاب، خاصة خلال السنوات الثلاثين المنصرمة ..

الواقع أن موضوع الإرهاب و مكافحة الإرهاب موضوع معقد و شائك، و له العديد من الجوانب و التفسيرات، و لا زالت الكثير من المفاهيم و التعابير المستخدمة غير متفق عليها بما في ذلك مفهوم الإرهاب ذاته، و الحقائق تشير إلى أن السعودية كانت في فترات معينة متهمة بدعم الإرهاب، و لا زال البعض يتهمها بذلك، على الرغم من جهودها التي جعلها تتحول خلال أعوام قليلة لتحسب من ضمن الشركاء الأهم في حملة مكافحة الإرهاب، حيث أصبح لها دورا مهما في التمويل و التنفيذ و التخطيط و التنسيق للعمليات في أمكان عديدة من العالم ..

و هذا ما أشار إليه هذا التقرير كذلك، حيث يبين أن ضرب منظمة القاعدة للسعودية عام ٢٠٠٣ كان دافعا مهما و منطلقا لتحول مسار السعودية لتكون موجهة ضد القاعدة و المنظمات الإرهابية الأخرى، إلا أن أميركا و الغرب تمادوا و أستمروا في مطالبة السعودية بالكثير الكثير الذي بات يتصادم أحيانا مع إلتزاماتها الدينية و الإجتماعية، بما في ذلك محاربة بعض المنظمات و الجمعيات الدينية و الإجتماعية داخل السعودية، و رجال الدين و الدعاة و غير ذلك، و هذا مما يصعب الأمور على المملكة، و ما يسهل الأمر على الأمريكان و شركائهم في إستمرار إتهام السعودية بدعم الإرهاب و عدم تقديمها ما يكفي لمحاربة و مكافحة الإهاب، و ضمن هذه الأمور يندرج موضوع دعم إسرائيل و الصهيونية و العداء للصهيونية، و كما يبدو أن قائمة المطالب و التنازلات المفروضة على السعودية تتزايد و تطول و تكبر و تتعقد كلما زادت إستجابة السعودية و تنازلها للغرب و أميركا في تنفيذ البعض مما يطلبونه ..

يشير التقرير إلى أن الرئيس الأمريكي الجديد ترامب يجب أن يفهم و يستوعب أن إمكانيات أميركا محدودة في التأثير على السعودية، آخذين بنظر الإعتبار حساسية الأوضاع في المنطقة العربية و عموم العالم الإسلامي، و في داخل المملكة ذاتها، و أنه عليه و على صانعي القرار الأمريكي أن يعوا أن السعودية هي فعلا شريك أساسي لأميركا، لكنها لا ترتقي و لا تندرج ضمن قائمة الأصدقاء، فالبلدين على الرغم من كونهاما يتشاركان في عدد من الهموم و المشاكل و المصالح و العلاقات المتبادلة، إلا أنهما يختلفان في نوعية و طبيعة القيم و المبادئ التي يتعاملون به، و في شكل و نوع النظرة و التعامل مع العديد من الأمور و القضايا حول العالم ..

ما نراه و نعتقده أن المملكة اليوم تواجه تحديات عسكرية و سياسية و إنسانية و حتى إقتصادية ربما أكبر كثيرا مما واجهته خلال الحقب الزمنية السابقة، يمكن تحديد أهمها بالصراع مع إيران التي كما ذكرنا نراها تتمدد و تتمادى كل يوم و تتدخل في شؤون الكثير من البلاد العربية و الإسلامية على اسس طائفية مذهبية واضحة، و ثانيا الصراع في اليمن و الذي يمكن إدراجه كفرع ثانوي من الصراع الرئيسي مع إيران، و ثالثا الصراع في سوريا الذي يرتبط بشكل كبير بنشاطات و فعاليات إيران الهدامة في المنطقة عدا كونه أصبح صراعا أمميا عالميا دوليا تشارك فيه معظم القوى الكبرى في العالم بشكل من الأشكال، و ربما رابعا الأوضاع و الصراع في العراق التي نراها أيضا مرتبطة بالصراع الرئيس مع إيران، حيث بات العراق يشكل خطرا كبيرا على السعودية و عدد من دول المنطقة من خلال استخدامه من قبل إيران كرأس حربة في مواجهة و تهديد التوجهات و التيارات و الدول العربية و الإسلامية في المنطقة بشكل خاص ..

نعود فنقول أن العلاقات السعودية الأمريكية تبقى ضرورية و حيوية بالنسبة للطرفين، لكن ما نتمناه أن ترتقي السعودية في قوتها و علاقاتها لتخرج من دور التابع الذي يركن للظل لتكون ممثلا حقيقيا و مدافعا عن حقوق الشارع العربي و الإسلامي كدول و شعوب و تيارات، و إلى جانبها طبعا تركيا التي نأمل أن تحافظ على وتيرة تقدمها و تطورها و إستقلالية قرارها ..

و ربما النموذج التركي يمكن أن يكون مثالا يحتذى به في العمل و القرارو الإستقلالية و التعامل الدولي و الأقليمي، أيضا يمكن أن تكون مصر طرفا ثالثا في تحالف القوى العربية الإسلامية إن تمكنت من معالجة العديد من المشاكل و الصراعات الداخلية لديها، فتحالف القوى الثلاثة الرئيسية في منطقة الشرق الوسط يمكن أن يخلق نوع من التوازن مع القوى و الفعاليات و التيارات المعادية سواء تلك المتمثلة بإيران أو حتى إسرائيل أو غيرها من الدول المحيطة في المنطقة ..

و هنا نحن لا ندعو إلى حروب و معارك فما جري في المنطقة يكفي، لكن منطق العقل و الحكمة و الأموال و الإقتصاد و التعامل و التعاون الدولي الصحيح يعطي أحيانا من الحلول و العلاجات أكثر و أفضل كثيرا من الحروب و الصراعات الدموية، و هنا نرى أن العلاقات مع أميركا و غيرها من الأطراف الدولية الكبرى ممكن أن يساعد بهذا الإتجاه لخلق إستقرار و نمو و تطور كبير في المنطقة يعود بالخير العميم و الوفير على الجميع ..

لا تعليقات

اترك رد