عَودِة الروح


 

“الحرب انتهت.. والبنادق صمتت”..
“ولم تبق إلا لحظات قليلة، وبعدها ينتهي كل شيءللأبد”

_ كانت هذه هى الكلمات التى كتبتها السيدة “هيلدجارت” فى التاسع من مايو 1945، وهو اليوم الذي أُعلِن فيه عن استسلام الجيش الألماني الغير مشروط بكافة
أرجاء ألمانيا.. كتبت هيلدجارت هذه السطور في مفكرة زوجها مدرس اللغة اللاتينية “يوهانس تاينرت”، وبعد كتابة هذه الأسطر بقليل قام “يوهانس” بإطلاق النار على زوجته أولاً، ثم الانتحار في باحة منزلهما ببلدة “جلاتز” بشليزيا السفلى، فقد كانا يشعران بالخوف من انتقام المنتصرين في الحرب، ذلك أنهما أدركا حجم الجرائم التي ارتكبها الألمان بعد حديثهما مع أحد الجنود العائدين من الجبهة الشرقية.. شأنهم شأن الكثيرون الذين شعروا بالذنب والتورط في ما حدث، ولذلك حل بهم الخوف مما هو قادم.. وملأهم الرعب من قوات التحالف التى سحقت النازية.

_فقط “يوهانس وهيلد” كانا مجرد بداية توالت بعدها حالات الإنتحار فى العديد من المدن الألمانية.. ففي بلدة “ديمن” الصغيرة بمنطقة بومرانيا الغربية وحدها، أقدم ما بين 1700 شخص هناك على الانتحار!!، وقطعاً سيزداد تعجبك عزيزى القارئ إذا علمت أن عدد سكان تلك البلدة وقتها لم يتجاوز 15000 نسمة.. أما في العاصمة برلين، فقد زادت نسبة الانتحار في السنة الأولى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بنسبة خمس مرات مقارنة بالسنوات التي سبقتها.
_ إلا أن أحد أعظم الخسائر التى مُنيت بها ألمانيا فى تلك الحرب والتى تمثلت فى تعرضت مالا يقل عن مائتى ألف من النساء والفتيات للإغتصاب من قوات التحالف،
_ وهكذا.. فما بين الدمار والإنتحار والإنكسار.. خرجت ألمانيا من تلك الحرب.

_ وفى اليابان..
لم يختلف الحال كثيراً عن مثيله فى ألمانيا..
فمشاهد الخراب والدمار واحدة.. ورائحة الموت تفوح من كل اتجاه.. اليابان تنهار والولايات المتحدة توشك على دكها بالكامل والأرض الطيبة تتحول لأرض رعبٍ مُقِيم.. فعلى مشارف نهاية الحرب العالمية الثانية، ومع انهيار ألمانيا النازية ودخول أربع دول بشكل رئيسي إليها ليقسموا كعكة برلين (فرنسا/ بريطانيا/ الولايات المتحدة/ الاتحاد السوفيتي)، ووقوع الصين بشكل أساسي تحت مطرقة الشيوعية، مع كل ذلك لم يتبق إلا اليابان كدولة شديدة الخصوصية ينبغي السيطرة عليها،
_في هذا الوقت وضعت الولايات المتحدة كل ثقلها الحربي في اليابان لتتسبب في أكبر مجازر حربية في التاريخ الحديث، في البدء كان القصف الجوي المكثف على كل المدن اليابانية والذي تركز في شرق طوكيو متسبباً في مقتل مائة ألف ياباني مع تشريد مئات الآلاف الآخرين، ثم كانت قنبلة هيروشيما كأول تجربة أمريكية لسلاحها الذري الوليد والتي تسببت في مقتل مائة وعشرين ألفاً فوراً مع إصابة مئات الآلاف الآخرين، ثم تجربة نوع آخر على ناجازاكي ليُقتَل ستون ألفاً على الفور أيضاً، كل ذلك كان شيئاً أقل مما فعلته الولايات المتحدة متبعة إحدى إستراتيجيتين لهزيمة الجيش الياباني عندما فرضت حصاراً بحرياً شاملاً على الدولة وهو السبب الرئيسي المؤدي لانهيار الاقتصاد الياباني حينها.

_ فقد كانت الحرب العالمية الثانية هي بدايةً لحقبةٍ جديدةٍ في العالم بأكمله، فقد أعادت توزيع القوى في العالم فظهرت القوى العظمى الجديدة وهي: الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي، وبداية الحرب الباردة، بالإضافة إلى تدمير بعض القوى العظمى في العالم والتي كان على رأسها ألمانيا واليابان اللتين أصيبتا بأبشع أنواع الخسائر والدّمار بعد هذه الحرب المدمرة.

_ ولكن هاتان الدولتان لم تدفنا تحت التراب بعد تلك الحرب كما ظن الكثيرون، ولكنهما نهضتا من تحت الحطام والأنقاض لتعودا إلى قمة الدول في العالم بأسره في شتى المجالات المختلفة، إنّ تأثير الحرب العالمية الثانية على ألمانيا كان تأثيراً كبيراً جداً بلا شك.. فقد تمّ تقدير خسائر ألمانيا فيها وفقاً لدراسات حديثة بما يزيد عن الخمس ملايين قتيل من العسكريين فقط، بالإضافة إلى مئات الآلاف من المدنيين الذين سقطوا نتيجة القصف الجوي والتهجير ضد الأقليات وغيرها ممّا حدث في ألمانيا خلال الحرب، ويقدّر إجمالي الضحايا في ألمانيا بحوالي 11% من مجموع التعداد الألماني في تلك الفترة والذي يقارب 7.5 مليون شخصاً. وأمّا أولى النتائج بعد الحرب العالمية الثانية هي انقسام ألمانيا إلى ألمانيا الشرقية والتي عرفت بالجمهورية الألمانية الديمقراطية التي تتبع النظام الشيوعي، والغربية والتي عرفت بجمهورية ألمانيا الاتحادية والتي كانت تتبع النظام الرأسمالي، واستمرّ هذا الانقسام حتى عام 1990م بسقوط النظام الشيوعي في ألمانيا الشرقية واتحادها مع ألمانيا الغربية.

_ وقد بدأ نهوض ألمانيا بمشروع مارشال والذي قام الجنرال الأمريكي جورج مارشال بوضعه لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، فقد قامت أمريكا بدعم أوروبا بحوالي 13 مليار دولار أمريكي، أي ما يقارب 130 مليار دولار أمريكي حالياً لإنعاش أوروبا بشكل عام وألمانيا واليابان بشكل خاص. وقد كانت من أهداف هذا المشروع القضاء على الخطط السوفيتية في نشر الشيوعية في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية؛ إذ ساد الفقر والجوع والكساد في مختلف دول أوروبا وألمانيا على وجه التحديد وهو ما خلق جوّاً ملائماً لانتشار الشيوعية في تلك المناطق وبدأت ألمانيا شيئاً فشيئاً وببطء باستعادة قوتها، فقد قامت برفع مستوى المعيشة للشعب الألماني وتصدير البضائع المحلية إلى الخارج، والتقليل من مستويات البطالة وزيادة إنتاج الغذاء المحلي، والتقليل من السوق السوداء أيضاً، وأمّا السبب الرئيسي وراء النهضة الألمانيّة بعد الحرب فكان الثورة الصناعية التي حصلت في ألمانيا في شتى المجالات وخاصةً في الصناعات الثقيلة؛ إذ تحتلّ ألمانيا بفضل تلك الثورة الريادة في العديد من الصناعات المختلفة على مستوى العالم في الوقت الحالي. بدأت تلك الثورة في الخمسينيات من القرن الماضي ممّا أدى إلى تقليل نسب البطالة بشكلٍ كبيرٍ جداً، وقد أدّت الخطط الموضوعة والنهضة الألمانية السريعة من تحت ركام الحرب العالمية الثانية إلى تسمية صحيفة ذا تايمز الأمريكية للنهضة الألمانية بالمعجزة الاقتصاديّة الألمانية في عام 1950م.. وهو ما جعل منها حالياً رابع أقوى اقتصاد على مستوى العالم.

_ ونعود إلى اليابان.. فبعد توقيع الإمبراطور الياباني لوثيقة الاستسلام وتعيين الجنرال ماك آرثر حاكمًا فعليًا لليابان بدأت سنوات احتلال الولايات المتحدة لها (1951:1945)،
وكان العام الذي تلا كل هذه المذابح أحد أسوأ الأعوام في التاريخ الياباني، فانهيار الاقتصاد قد تسبب في نقص حاد في الإنتاج والسلع والغذاء مما أنذر بمجاعات واسعة النطاق تتسبب في هلاك مئات الآلاف، انتشرت الأسواق السوداء مع ارتفاع هائل في الأسعار، ثم زادت الولايات المتحدة بتسريح الجيش الياباني بالكامل مما أدى إلى وجود ما يقارب الخمسة ملايين عاطل بجوار الآخرين، والعدد النهائي الذي كان مطلوباً من الدولة اقتصادياً استيعابه هو عشرة ملايين عاطل.
_ المثير للتأمل أنه لا المجاعة ولا البطالة حدثت، ففي البدء استوعبا قطاعا (الزراعة/ الأعمال الحرفية) أغلب هذه الملايين.. مما ساهم في تخفيف حدة انهيار ما بعد الحرب، لكن التضخم بقي كما هو مع انتشار مخيف للأسواق السوداء، وتجدر الإشارة إلى أن أهم دعائم نجاة اليابان في السنوات الخمس العجاف بعد الاستسلام هي المساعدات الأمريكية.. إلا أن كل ذلك لم يكن له أن يستمر للأبد، وهنا.. بدأت العبقرية اليابانية فى التغلب على كافة الأزمات وعلى نقص الموارد..بترشيد الإستهلاك .. وإيجاد البدائل، وحققت جزءاً كبيراً من طموحها وانتقلت من كونها دولة مستوردة للتكنولوجيا لدولة مصنعة لها،
إلى أن صارت اليوم الإقتصاد الثالث عالمياً بعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين بدخل قومي يبلغ (4.901 تريليون دولار)، والثالثة على العالم في تصنيع السيارات ومع ذلك تمتلك الشركة الأكبر عالميًا في المجال (تويوتا)، والأولى عالميًا في صناعة الإلكترونيات، والدولة الدائنة الأكبر في العالم (الأكثر إقراضاً للدول الأخرى)، والدولة الثانية الأكبر في العالم امتلاكًا للأصول المالية “سندات/ أسهم/ ودائع بنكية” بقيمة (14.6 تريليون دولار) بعد الولايات المتحدة وبما يوازي حجم الأصول المالية لكندا وبريطانيا وألمانيا مجتمعين وثلاثة أضعاف الأصول المالية الصينية.،
وتمتلك بمفردها 57 شركة في نادي الـ500 شركة الأغنى والأكبر على سطح الأرض، تنفق على البحث العلمي والتقني ما يزيد عن 150 مليار دولار سنويًا (المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالكامل)، المركز الرابع عالميًا كأفضل بيئة موائمة للابتكار، تمتلك أكثر شبكة قطارات تقدمًا في العالم، وثالث أفضل نظام تعليم أساسي عالمياً بتعداد نقطي بلغ 99.9 نقطة وهي الدولة الأفضل في خدمة العملاء في أي مجال بحسب تقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، وتمتلك العدد الأكبر من المهندسين والتقنيين نسبة إلى عدد السكان بعد الولايات المتحدة وإسرائيل، والثانية بعد الولايات المتحدة في نسبة إنفاق الشركات على البحث العلمي.

_ فإن كنت مازلت تسأل نفسك عزيزى القارئ عن كيفية وصول اليابان وألمانيا لما هما عليه الآن برغم عدم امتلاكهما للموارد التى حبانا بها الله.. وهل مازال هناك أمل فى لحاقنا نحن بركبهم ؟
_ أقول لك أن الثروة الحقيقية المتجددة تكمن فى امتلاكهما “للإرادة”.. وإيمانهما بإعلاء الأخلاق والقانون.. وإدراكهما لقيمتىّْ العلم والعمل..
أما نحن.. فإن أردنا حقاً اللحاق.. فعلينا باعتناق ما أدركوه،
فإن كنا حقاً راغبين فى الإدراك.. وجادين فى اللِحاق،
لنقر جميعاً الأن أننا نحتاج بأن نرجع “بأخلاقنا” خمسون عاماً إلى الوراء..
وأن نقفز “بأحلامنا” خمسون عاماً إلى الأمام.

لا تعليقات

اترك رد