تكامل في أداء قوى الظلام يتطلب رداً شاملاً موحداً وناضجاً

 

قبل أيام تصدى طلبة جامعة القادسية لاقتحام ميليشياوي لحرم جامعتهم. وقد رفض الطلبة في حينها إدخال السلاح للجامعة وانتهاك حرمتها، فيما تعرضوا في حينه للاعتداء العنفي المسلح من طرف حمايات ميليشياوية بفعلة بلطجية لا يقبلها منطق وقانون ولا يمررها اصحاب كرامة أو من يحترم القانون وسلطته.

ولقد ظهرت مطالبات عديدة دعت رئاسة جامعة القادسية ووزارة التعليم العالي والجهات المعنية كافة، للشروع الفوري بالتحقيق في أصل القضية، تحديداً اعتداء الحماية العنيف وغير المقبول لا قانوناً ولا باي صفة بخاصة وهو ينتهك الحرم الجامعي بشكل سافر مفضوح.

إلا أنّ جميع الأصوات العقلانية التي مالت للتهدئة ولمعالجة الأمور بطريقة قانونية وبروح سلمي يستند لعدالة القضاء وحصافته، فوجئت اليوم وبدلا من الوعود التي ظهرت في تصريحات بعض المسؤولين بالتحقيق الذي يُنصف الطلبة الذين تعرضوا للاعتداء ويعزز من استقلالية الجامعة ويكفل إبعادها عما جرى ويجري من انتهاكات، فوجئ الجميع اليوم، بقرار في الجامعة يفصل الطلبة المعتدى عليهم بدل إنصافهم وبدل الوقوف معهم في رفض ما جرى من انتهاك للحرم الجامعي!

ومن هذا المنطلق شهدت التفاعلات بيانات وتصريحات من المنظمات والشخصيات الحقوقية والأكاديمية والديموقراطية ومن رجال دين منصفين معتدلين رفضوا فيها التداعيات التي أوغلت في الظلم وغيقاعه على المظلوم المعتدى عليه.. ولقد عبرت تلك الكوكبة المتنورة عن موقف يرى أنّ قرار فصل الطلبة الأربعة قد تضمن قيمة رمزية موجّهة ضد مجموع طلبة الجامعة وضد المتنورين فيها؛ عبر انتهاكه الصريح للقانون وروحه وما يراد منه. وقد جاء القرار الجائر بقصد التلويح بمزيد من تهديدات التعسف ومصادرة حرية التعبير السلمي وبقصد الطعن الصريح الفاضح بمن دافع ويدافع عن سيادة سلطة القانون ضد انتهاك حرمة الجامعة التي تمثل أيضا حرمة المجتمع والدولة…

والتساؤل الذي يطرح نفسه باسم الجميع، ليوضع بوجه من أصدر القرار وذرائعه التي ساقها لإصداره: من الذي أساء لسمعة الجامعة، أهو الشخص الذي انتهك حرمة الجامعة أم الذي دافع عن حرمها واستقلاليتها وسلامتها؟ أهو من استخدم لغة العنف وصوت الرصاص أم الذي لم يمتلك سوى صوت الإنسان الحر المتمسك بالقانون ومبادئ الدفاع عن الحريات والحقوق؟

إن الاكتفاء بإدانة القرار و\أو الاتفاق مع تلك الإدانة لما تضمنه القرار سيء الصيت من إجراء يتنافى وفحوى القانون والقيم الأكاديمية ولوائح الجامعات الحرة المستقلة، إن ذاك الاكتفاء لا يعني سوى السلبية التي قد تمرر الجريمة وتوغل في منح مرتكبيها مزيد فرص لتوسيع المظالم وأشكال الضيم الذي سيقع في الجامعات الأخرى، حتى تصبح خانعة خاضعة لسطوة البلطجة ومنطق الهراوة والعصا الغليظة التي تمارسها قوات ميليشياوية بستار مشايخ التدين المزعوم..!
ومن أجل كف تلك الأوبئة واذاها عن المجتمع الأكاديمي الجامعي في البلاد فقد صغنا بعض المطالب الأولية العاجلة التي نراها ضرورة لوقف التداعيات من جهة ولاستعادة العمل بالقوانين واللوائح الجامعية التي تحصّن جامعاتنا وتحمي طلبتنا أبنائنا الذيم يبقون امانة في أعنقانا.. وهنا نطالب بالآتي تحقيقا للأمور المبدئية العاجلة:
1. أن يتمّ سحب قرار فصل الطلبة الأربعة فوراً وهذا أمر متاح في اللوائح والقوانين المرعية ويمكن للتسلسل في الإجراءات أن يؤدي غلى هذا الموقف البناء المنتظر، ونحن نشارك طلبتنا حقهم في الاستئناف والتظلم في إطار الجامعة من جهة وفي المستويات القضائية الأعلى إن دعت الضرورة..
2. وجوب الاعتذار للطلبة وإعادة الاعتبار لهم، في ضوء قراءة الحقائق من دون تشويه والتفاف عليها، ومن دون خضوع ومجاملة لجهات خارج الجامعة تحديدا هنا الميليشياوية وبقدر تعلق الأمر بالشيخ المدعو للزيارة نرى أنه بات بين أن يدين تصرف حمايته ويقف مع العدل وينأى بنفسه عما جرى أو أن يتبنى موقف البلطجة الذي مورس من حمايته ولكل موقف تفاعل من طرف القانون وسلطته.
3. ما يخص وزارة التعليم العالي والمسؤولين في الجامعات لابد من توكيد قرارات منع تجيير الجامعات لجهات حزبية صادرت وتصادر استقلالية الجامعة وتقع عليها مسؤولية التصدي للتداعيات سواء بوجه عاجل أم بموقف استراتيجي بعيد المدى.
4. ولابد للجهات المسؤولة المعنية من توكيد حظر العنف المسلح ومنع اقتحامه الحرم الجامعي وانتهاكه بتطبيق القوانين واللوائح المعمول بها بهذا الشأن على كل من ينتهك القانون وبلا استثناء أو تمييز لأي حجة أو ذريعة.
5. وبالعودة إلى الواقعة الأخيرة لابد قانونا وإنصافا للحق، من فتح التحقيق العلني الشفاف قضائيا مع منتهكي حرم جامعة القادسية الذين استخدموا العنف بأشكاله في الاعتداء.. وإعلان النتائج أمام المجتمعين الأكاديمي والعراقي.
6. إنّ القضية ليست مقصورة هنا بهذا الحدث الفج المنتهك لكل حرمة بل صار يتكرر في عدد من الجامعات وكلياتها ما يتطلب موقفا شاملا قويا بوجهه.. وإلا فإننا سنكون قريبا بموقف لا نحسد عليه من حيث الانفلات في استغلال الطلبة وفي الإطاحة بمجمل العملية التعليمية وبمجريات البحث العلمي ومساراته في جامعة تكاد تنهار من محبطات جهود بعض أكاديميينا الذين يقارعون لوحدهم بغية تثبيت الأوضاع بصورة منصفة منطقية..

إنّ هذه المعالجة التي لا تُنشر باستهداف شخص لشخصه، تتطلع إلى التزام المسؤولين بمنطق الحكمة وسلطة القانون بمختلف الوزارات المعنية بالقضية التي جرت في أروقة جامعة القادسية؛ ونشير هنا إلى المسؤولين كافة، أولئك الذين أعلنوا بأكثر من تصريح توجههم لفرض احترام قوانين الجامعة ومبادئ الدستور ولوائح حقوق الإنسان، ومنها حقوق الطلبة في التعبير عن رؤاهم ودفاعهم عن حرمة الجامعة وسلطة لوائحها التي تجسد سلطة القانون والمبادئ الدستورية العليا.
بيد أنّ استمرار العمل بقرار الفصل سيضع قوى التنوير من أكاديميين مخلصين لمسؤولياتهم ومن طلبة ومن آبائهم وأمهاتهم كافة أمام مهمة تصعيد الخطوات الإجرائية بمزيد اتصالات مباشرة بالجهات الوطنية والدولية المعنية وبحراك للطلبة والمجتمع الأكاديمي العراقي والأجنبي وشخصيا أطلب أن تسمحوا لي هنا وبمختلف الميادين المجاورة أن أتوجه بالنداء من أجل حراك شعبي شامل، أدعو إليه الآباء والأمهات كافة؛ دفاعاً عن أبنائهم الذين يتعرضون اليوم لأخطر الانتهاكات؛ لأن دلالة الصمت ليست سوى تمرير القرار الجائر، وتسليم فلذات الأكباد لقوى التوحش والهمجية التي بدأت بانتهاك لا الحرم الجامعي حسب بل كل ميادين حيواتنا؛ ولنتذكر أن تلك القوى والعناصر المرضية لن تقف عند ذاك الحد الذي جرى بالأمس القريب في الحرم الجامعي، إذا ما تركنا لها الحبل على الغارب وإنما ستتمادى في غيها وهو ما نراه منذ 14 سنة عجافا.

إنّ هذه المعالجة تشاطر الحملات والتصريحات التي صدرت وتصدر باسم الحقوق والحريات المكفولة دستوريا فهي حملة بملايين أصوات الآباء والأمهات يوقعونها بوصفها ممارسة تكفل الدفاع عن أبنائنا الطلبة ضد الضيم والظلم المتضمن بقرار الفصل الجائر وكذلك بكل تلك الممارسات التي تحاول بلطجة المجتمع الأكاديمي مثل الاعتداءات التي سبق أن وقعت على الأساتذة في داخل الحرم الجامعي وكذلك ما يحاولون تمريره من نوافذ اللصوصية التي تقتحم المناهج وأساليب التدريس والقوانين المشرعة للجامعات..
ولا أجدني إلا واثقاً من شروع الشخصيات المسؤولة النزيهة بالتوجه لاتخاذ الإجراءات الكفيلة باستعادة الحق والعدل وواثقا من إنصاف القضاء يوم يتولى القضية إذا ما وصلت إليه عند إصرار وتعنت من طرف عناصر دخيلة على الجامعة..
وبقدر تعلق الأمر بالحدث الأخير فلنتخذ الإجراء العاجل بما يرعى طلبتنا ويحميهم ويحافظ على سلامة جامعتنا وسمو النخبة التي تتصدى للمسؤولية… وبقدر تعلق الأمر بمجمل السياسات المتخذة بجامعاتنا أقول: فلنكن بحجم المسؤولية تجاه فلسفة الجامعة والهيأة الأكاديمية ومسيرة التعليم والبحث العلمي وحقوق بناتنا وأبنائنا وحرياتهم وفي التمسك بدمقرطة التعليم والحياة الجامعية..
ولننتصر أيها الأحبة في داخل الجامعة وخارجها للعدل والإنصاف وللسمو في مسيرتنا الأكاديمية وفي تحديث الجهد العلمي الأكاديمي واللحاق بالركب الإنساني بهذا الميدان..
لنكن على يقين من أننا بجميع التيارات الفكرية السياسية، معنيون بالمشاركة بهذه الجهود التي تستهدف تحقيق السلم الأهلي ومنع بلطجة المجتمع وفئاته كافة كما جرى من انتهاك للحرم الجامعي ولقدسيته يوم قدموا قدسية شخوص خضوعا لعنفهم وهمجيتهم وبلطجتهم..
إن وقائع ما يجري في الجامعة لا يمكن مروره مرور الكرام وحصره بأسوسار الجامعة، إنه يوصي بنداء إلينا جميعا، إلى العراقيات والعراقيين كافة وإلى أصدقاء هذا الشعب الأبي للرد الواسع على تلك الانتهاكات الخطيرة لقيم المدنية والتقدم والخطاب الأكاديمي خطاب العقل العلمي لا خطاب العنتكة والبلطجة وفرض قيم التخلف الهمجية بذرائع احترام قائد ميليشياوي أو رجلا مجلببا أو معمما فالقدسية الوحيدة في المجتمع الإنساني هي للعقل العلمي التنويري ولاحترام إنسانيتنا وحقوقنا وحرياتنا مجسدة للعيش الآمن المطمئن الكريم…

إنني أدرك ما سيكون وراء ندائي هذا من عنف البلطجية واستهتارهم ولكنني اثق بقوة الشعب يوم يتحد ويُجمع على اتخاذ قراره لتلبية إرادته الحرة في حماية أبنائه وهم يغذون السير في بناء العقل العلمي ومنطق بناء الوطن والإنسان المنتمي لعصرنا…
وليختر كل منا الضفة التي سيتمترس معها، ضفة كرامته وحريته وحقوقه أم ضفة استغلاله ومصادرته وسحقه.. ولا خيار ثالث بين هذين الخيارين.. ولعل التعرض والاعتداء على العقل العلمي وعلى الحرم الجامعي يعني رمزا واضحا سافرا ضد حرمة الإنسان بكل تفاصيل وجوده!
أفلا يكفي هذا للرد ولاتخاذ موقف يليق بأنسنة وجودنا والاستجابة لخطى الدفاع عن الحقوق والحريات؟؟؟

لا تعليقات

اترك رد