حكاية البهلول في زمن الذهول

 

تعب (الملك الأعور) في بحثه عن الحقيقة لان والده (البصير) أوصاه قبل أن يموت بان يشد الرحال إلى مملكته الحقيقية , فهناك عند بواباتها الذهبية الواسعة سيباح سرّ كل شي ويهتك الحجب ويعلن عن ولادة الحقيقة , ولاشي غير الحقيقة .

تصور (الملك كريم العين) انه يرى نصف الحقيقة التي أمامه , لاعتقاده بان كل عين ترى نصف الحقيقة , ولما كان فاقدا لإحداهما فقد أصيب بذلك الإحباط الذي لا أول له ولا آخر , وأعلن في مملكته الواسعة الأرجاء أن هنالك جائزة لكل من يرشده لبغيته , وبسرعة فائقة تناقلت أجهزة الإعلام المرئية منها والمسموعة وبالتعاون مع كل الفضائيات خبر تلك الجائزة( الشبحية) أو(الغواصية) وكسرا لاحتكار ألـ(BMW) تقدم احد العراقيين الذين شاركوا في (حرب السفربر) في ثلوج ومجاهل القوقاس وقال:

– أيها الملك ذا العينين الواسعتين , الحقيقة كل الحقيقة ستجدها في الفيل.

اقتنع( الملك الأعور) بالفكرة وصفق بيديه فارتمت بين فردتي حذائه الرئاسي كل أجهزة الأمنوالمخابرات والأمن الخاص والحرس الملكي الأعور وكافة سماسرة الدعارة والبغاء .

– شبيك… لبيك… كلنا عبيد بين يديك .

وقال لهم ما يدور في ذهنه , فاستقل زبانيته الطائرات السمتية , وبسرعة فائقة عادوا إلى الوراءآلاف السنين وقبضوا على فيل (أبرهة الحبشي)الذي تاه في صحراء الربع الخالي ليلة خسوف القمربحثا عن انثاه التي لم يلتق بها منذ قرون وخوفا من طيور الابابيل وحجارتها المحرقة , وحينما امسكه المارد الذي حرره من سجنه الابدي (علاء الدين) نقلوه الى مدينة السعادة محمولا على ناقلة ( فاون) ,أما العميان فكانوا اقرب اليه من (بنات نعش) وهن يتراكضن ويلعبن في درب التبانة في عمق الثقوب السوداء, فهم مشردون في شوارع بغداد بعد أن أغلقت أبواب دور الرعاية الاجتماعية وحولوها الى دور للبغاء , فتركوا ظلامهم يضيع في الظلام , وبعد أن وُضعوا في غرفة مع الحيوان الذي لم يعرفوه منذ أزمان وأزمان لا حسبا ولا نسبا, وبعد أن امسك كل واحد جزءا منه , سألهم الملك الاعور عن حقيقة ما كانوا يمسكون , قال الذي امسكه من ذيله :

– انه يشبه الحبل … يا مولاي السلطان .

وقال الذي امسكه من رجله الضخمة :

– انه يشبه عمود الجامع المرمري … يا مولاي السلطان

وقال الذي امسكه من بطنه الواسعة الفسيحة :

– انه يشبه الجدار … يا مولاي السلطان .

أما الذي امسكه من خرطومه فقال :

– انه يشبه جذع النخلة … يا مولاي السلطان .

لم يتوصل (الملك الأعور)إلى الحقيقة , بل ازداد غموضها بالنسبة له ,أي واحد من هولاء يصدق ؟ , كل واحد منهم قال ما أحسّه وما تصوره, هنا انتبه (الملك الأعور) وتساءل مع نفسه :

– إن كنت أنا صاحب عين واحدة لا اعرف الحقيقة , تُرى كيف يعرف هولاء الحقيقة ؟ وهم لايملكون حتى عينا واحدة ؟.

هنا عرف (الملك الأعور)أن العين الواحدة التي يملكها هي أفضل من كل الذين لايملكونها , وكالمجنون زعق كالماموت بصوت عال :

– كلكم تعرفون الحقيقة ولكن كل واحد منكم يفسّرها بمفهومه , انتم جميعا على صواب .

خرج الجميع من أماكنهم محملين بالهدايا ولم يفعل (الملك الأعور) شيئا سوى أن يتناول قطعة تباشير وكتب على لوحة كبيرة قريبة منه : (( الأعور في مملكة العميان ملك )) وفعلا كان الأعور ملكا في مملكته,ووقتها دان له بالطاعة كل العميان والى آخر الزمان دون زيادة او نقصان .

لا تعليقات

اترك رد