الانتخابات الفرنسية .. روح اوروپا الجديدة !!


 

باتت نتائج الانتخابات الفرنسية معروفة ولسنا بحاجة لإعادتها باستثناء الإشارة الى انها أسفرت عن فوز شخصيتين من خارج النظام السياسي التقليدي . ماري لوپان زعيمة الحزب اليميني المتطرف الذي كان يغرد خارج سرب الحياة السياسية كما ألفتها فرنسا والتي توزعت عادة على اليسار بتفرعاته من جهة واليمين الجمهوري والديغولي من جهة اخرى . هنالك مساحة وسطى تقع عند خط لقاء الطرفين نسميها بوسط اليمين ووسط اليسار ؛ جرت العادة ان يكون مرشحا الدورة الثانية من الانتخابات هما بطلي المنافسة فتكرر فوز وسط اليمين تارة ووسط اليسار تارة اخرى ، وكانت الحكومات من احد الطرفين ايضاً وأحياناً ملونة ولكن بألوان جناحي اليسار او اليمين التقليديين .

في انتخابات فرنسا الاخيرة تبدلت الصورة بالكامل . لقد نال والد لوپان حظ المشاركة في انتخابات الدورة الثانية في انتخابات سابقة ولذلك ليس مفاجئاً ان تكرر ماري لوپان ذات الدور رغم القناعة لديها قبل ان تكون لدى اعدائها ان جل طموحها هو ان تذكر بصفة كونها حازت على الموقع الثاني ، لكن المفاجئ ان يفوز شاب هو إيمانويل ماكرون ( مواليد عام ١٩٧٧ ) من خارج الحياة السياسية ويكون الفائز الاول بالدورة الاولى ثم تعلن جميع الاطياف من اليسار واليمين عزمها منحه تأييدها في الدورة الثانية ، لم يعرف هذا الشاب من الحياة الفرنسية العامة الا القليل ؛ لم يكن نائباً او عضواً في مجلس منتخب على اي مستوى . لكن هذه نتيجة كانت متوقعة وغير متوقعة في ان واحد .

تشهد الحياة السياسية في اوروپا والولايات المتحدة تغييرات جوهرية في أسس النظام السياسي بدءاً من القواعد الشعبية العامة التي تشكل جمهور الناخبين ، وهذه التغييرات الجوهرية تعكس نفسها على مواقف النخب السياسية ، فنرى تحولات مذهلة في وقائع السياسة لم يكن بوسع احد تصور وقوعها قبل خمس سنوات ، بل ان اغلب المراقبين يقفون عاجزين أحياناً عن تفسيرها ناهيك عن توقع نتائجها خلافاً لما ألفناه في حياة سياسية سارت وفق قوانين منطقية مفهومة بوتائر متوقعة . فما الذي يحصل في الغرب عموماً ؟!

يعرف مهندسوا الطيران ان هنالك عمراً محدداً للطائرات وهذا العمر لاتحكمه اعمار اجهزة التشغيل مثل المحركات او أنظمة التحكم الالكترونية والهايدروليكية او معدلات استهلاك الوقود لانها جميعاً قابلة للتجديد والصيانة بما يضمن ادائها لوظائفها حتى اخر لحظة من عمر الطائرة . ان اهم عامل يحدد عمر الطائرة الافتراضي هو مايسمى الإنهاك المعدني Metallic Fatigue ، ويعني ذلك ان المعدن الذي صنع منه بدن الطائرة اصبح بمرور الوقت وبحكم عمليات الالتواء والتمدد والتقلص التي تحصل اثناء عمليات الطيران والإقلاع والهبوط تجعل من هذا البدن قابلاً للتصدع فتحال الطائرة للتقاعد . هنالك اليوم من يتحدث عن ظاهرة الإنهاك في الحياة السياسية الغربية ، والاوروپية منها بوجه خاص ، والتي تسمى الإنهاك السياسي Political Fatigue . ولعل مراجعة بسيطة لبعض الأرقام والمعلومات الإحصائية لنرى حجم هذه الظاهرة وما هي تداعياتها المُحتملة .

مامن شك في ان هنالك اجماع شبه دولي على المستوى الشعبي يعتبر الديمقراطية أفضل نظام للحكم ؛ تمثل ذلك في استفتاء اجري اوائل القرن الحالي في عدد كبير من بلدان العالم مثلت غالبية ساحقة من سكان الكوكب فكانت النتيجة ان حوالى ٩٢٪‏ قد ايدوا ذلك . لقد تمثل هذا التأييد بشكل عملي في سرعة انتشار الأنظمة الديمقراطية في العالم بعد الحرب العالمية الثانية . عند انتهاء الحرب كان عدد الديمقراطيات في العالم لايتجاوز ١٢ بلداً وفي منتصف السبعينات ارتفع الى ٤٤ بلداً وفي منتصف التسعينات بلغ ١١٧ بلداً . هذا التوجه والحماس نحو الديمقراطية بدا بالانحسار خلال الأعوام القليلة الماضية . تتصاعد الدعاوى من اجل زعامات قوية وتدنٍ متزايدٍ في شعبية الپرلمانات والأحزاب السياسية التقليدية . في خريف عام ٢٠١٢ أوضحت استطلاعات للراي ان ٣٣٪‏ فقط من الاوروپيين يؤمنون بجدوى الاتحاد الاوروپي مقابل ٥٠٪‏ عام ٢٠٠٤ . اما بالنسبة للمؤسسات الديمقراطية الوطنية فقد تدنت نسبة الثقة الى ٢٨٪‏ .

هنالك موجة من عدم الثقة بالسياسات التقليدية وماينجم عنها من مؤسسات ، وبذات القدر تنعدم الثقة باللاعبين السياسيين التقليديين وخاصة احزاب الوسط سواء من اليمين او من اليسار ؛ تشير اخر الأرقام الى ان ٤ من بين كل ١٠ مواطنين اوروپيين قد فقدوا الثقة تماماً بكل من الاحزاب السياسية والحكومات والپرلمانات والصحافة . هذه الموجة من عدم الثقة تنعكس ايضاً في الصعود الحثيث للأحزاب الشعبوية والشخصيات غير القياسية والتي غالباً ما تاتي من خارج الطيف السياسي المألوف والذي لم يعد يحظى بالثقة العامة .

ان المشكلة تبدو أوضح حين نلاحظ تدني معدلات التأييد للانظمة الديمقراطية – اللبرالية التقليدية رغم تزايد التوجه والتاييد العالمي للنظام الديمقراطي كافضل شكل للحكم . ان الديمقراطية تزدهر فيما يتراجع التأييد للقيم اللبرالية التقليدية . من اصل ١١٧- ١١٨ نظاماً ديمقراطياً في العالم فان النصف تقريباً يتجه الى تبني أنماط سياسية – قانونية معادية للقيم اللبرالية التقليدية خلافاً للتوجه الذي كان سائداً في العقد الذي تلا انتهاء الحرب الباردة مباشرة .

فرنسا ليست استثناءاً ومن الواضح ان سياسات الوسط التقليدي لم تعد قادرة على تلبية الطموحات الشعبية او تبث روح التفاؤل والامل في نفوس القواعد الشعبية الناخبة الباحثة عن ضمانات للمستقبل بعد ان اهتزت الثقة العامة بالنظام القائم الذي مازالت المجتمعات التي يحكمها محكومة بآثار الأزمات المالية منذ عشر سنوات ، ولايبدو ان التعافي منه بات قريباً . لوپان نفسها تركت التركيز على النغمة القديمة الخاصة بخطر المهاجرين بل تعاملت بطريقة شعبوية غير مألوفة مع قضايا العمالة والبطالة والعيش ولذلك تركزت مكاسبها الانتخابية في المناطق العمالية والاحياء القرية تماماً كما حصل مع ترامپ في الولايات المتحدة .

من الواضح اذن ان أنظمة سياسية جديدة على وشك الظهور وان فلسفات سياسية جديدة في طور التشكل وان المفاهيم التقليدية للديمقراطية في طريقها للافول ،،،،

شارك
المقال السابقظاهرة الاشباح الادارية
المقال التالىنظرية الخنزير
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد