القيم الإنسانية والقهر السياسي


 

يقول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة: ” إن الدولة لها أعمار طبيعية كما للأشخاص…وأن العمر للدولة بمثابة عمر الأشخاص من الولادة إلى سن الوقوف ثم إلى سن الرجوع ويكون الهرم حاصلا مستويا…”. والمجتمع داخل هته الدولة وتبعا لمفهوم ابن خلدون ينمو ويتطور ويعرف تقلبات في الأطوار وفقا لوظائف حية تضمن البقاء للجماعات المكونة له، مما يولد علاقات إنسانية تكون وليدة السلوك الإجتماعي للجماعة أو الأمة.

إذ أن القيم الأخلاقية أو الإنسانية تحمل في طياتها المستوى الحضاري للمجتمع في مظهره وجوهره وواقعه وفكره وماضيه ومستقبله، كما تعكس مدى قدرته على التقدم ومدى قدرته على العيش مع الآخر داخل نفس الفضاء أو في فضاءات متباينة.

كما أن العلاقات الإنسانية والعلاقات بين الأفراد في الكثير من مجتمعاتنا العربية نشأت قهرا لا طواعية في ظل استبداد سياسي يتحكم في كل شيء، لذا نجد أنه مند الإستقلال لم تنشأ علاقات طبيعية بين كل أفراد ومكونات المجتمع المدنية بل كانت مرغمة على حياة وأسلوب تعايش ولم تستطع الإرتقاء لتصبح القيم الإنسانية من طبعه وطبيعته ويختفي بذلك مظهر الإحتقان والإكراه أيضا.

عاشت المجتمعات العربية لعقود مرغمة على العيش بشكل سياسي واجتماعي مسطر ومهيأ له قبلا، أي لم تنشأ وتنمو هته العلاقات والقيم بشكلها الطبيعي من البيت، إلى المدرسة، إلى الحزب وإلى المؤسسة الحكومية. شاب نموها الكثير من النواقص والعقبات والتي عاقت تطورها الصحيح.

العلاقات الإنسانية تمثل الجانب المشرق في أي حضارة من الحضارات لأنها عماد تطورها وتقدمها في شتى المجالات لأنها تشمل الدوافع المعنوية للإنتاج والإبداع والإحساس بالأمان، كما أن مشكلة غالبية مجتمعاتنا العربية المعاصرة وخاصة الغنية منها لم تترجم المستوى العلمي (ولو كان ضئيلا) والعمراني الذي تحققه إلى تقدم إنساني كبير وهي مشكلة من مشكلات واقعنا الحالي أي يتم باستمرار التشييد والبناء عمرانيا دون الإستثمار في الفرد/الإنسان.

فالقيم الإنسانية وأنماط السلوك الجماعي تتغير بتغير الزمان والمكان ولا يمكن أن تستقيم على نحو واحد متواصل، فالمتغيرات الإقتصادية والإجتماعية تدفع نحو إنشاء قيم أخرى تقوم على بقايا قيم لم تعد تستوفي عملها المرغوب منها، أي يكون المجتمع في حالة تجديد دائم قيميا ومفاهيميا. قيما نفعية بالطبع تعمل وتساعد على نمو المجتمع بشكل إيجابي لا سلبي، ويمارس المجتمع بذلك ما يؤمن به في حاضره وما يصله بماضيه ويصنع مستقبله وتطلعاته.

إلا أن هته العلاقات الإنسانية في الشرق كما في الغرب باتت محور نقاش دائم وضحية عنف سياسي ممنهمج ومتوحش، يدعو إلى تحليل القضية والوقوف عند تقييم عناصرها، كما أن مفهومها أصبح له أكثر من معنى ويتم تفسيرها كل من زاويته الخاصة وحسب قناعاته الإيديولوجية ومصلحته. لكن الواضح الآن على الساحة السياسية وخصوصا العربية أن القيم الإنسانية بحاجة إلى إعادة تعريف وفهم صحيح في ظل عنف مسلح وتخريب يجتاح كل ربوع الوطن، تختلف الأسباب وتتعدد الوجوه وتتغاير الأقنعة ولكن يبقى الخراب سيد المشهد والدم دائم الإنهمار.

فالسياسات العربية تحكمت وأطرت المشهد العام للعلاقات الإجتماعية وقيدته ليخدم مصالحها وديمومتها، دون التفكير في عواقبه الوخيمة وتأثيره على المسار التاريخي للمجتمع وتطوره. فعقيدة الأنظمة السياسية العربية آمنت بالبقاء وخضوع الفرد للواقع وجبره على عدم قبول فكرة التغيير، خلف ذلك احتقانا كبيرا وعطل مشروع بناء الفرد الذي سخرت الأنظمة العربية كل طاقاتها وجندت كل الوسائل لإخضاعه في سبيل تحقيق أهدافها ويبدو أن تنازع البقاء في أجلى مظهره السافر هو ما يعيشه الإنسان العربي المعاصر.

لا تعليقات

اترك رد