نظرية الخنزير


 

ماهي حدود ” الأمر الواقع ” التي يدعونا بعض الكتاب للقبول بها في المسائل المتعلقة بقضايانا الوطنية المصيرية و خاصة في مسألة الصراع العربي مع الكيان الغاصب المسمى بإسرائيل ( هذا هو توصيفها الصحيح ) ؟

لم أشأ أن أكتب في هذا الموضوع لأننا نعتبره ، أنا و من يوافقونني الرأي من بديهيات التفكير المنطقي للإنسان السليم لكن ما حفزني على اختياره هو ما نقرأه هذه الأيام لكتاب صارت تفرد لهم مساحات في صحفنا و مواقعنا الألكترونية لم يكن في السابق ليجرؤ على مجرد التفكير به مواطن يتمتع بقدر معقول من المسؤولية تجاه قضايا الحرية و العدل و الكرامة الوطنية . هي ظاهرة ليست جديدة لكن تراكم الخيبات في مجتمعاتنا العربية بسبب السلوك الشائن لأنظمتها ثم بسبب النسخة المشوهة للحريات التي عمت مناطقنا في مرحلة ما بعد الخريف العربي مستفيدة من حالة الإحباط المزمن التي وجدنا أنفسنا فيها أفرز كتاباً يروجون لأفكار تدعو للقبول بالإحتلال مستغلين فضاء الحرية اللامحدود المتاح لهم و هو فضاء للأسف الشديد يهمل كثيراً من الثوابت و يطالبنا بإهمالها .

قبل أربعين عاماً كان من يفكر بطريقة هؤلاء الكتاب يتهم بالخيانة العظمى و هي تهمة أحسبها و من يوافقونني الرأي لتلك الأنظمة لا عليها رغم ما لنا عليها من نقد ، بعد زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات للقدس العربية و الإنقلاب الكبير في ميزان المحرم و المقدس لدى الكاتب و المفكر العربي أصبحت الخيانة العظمى وجهة نظر و بعد احتلال العراق و ما أعقبه من ثورات في عدد من الدول العربية لم تحقق لنا للأسف الشديد ما رجوناه منها تداخلت خنادق التحرر مع خنادق الخيانة و التبس الأمر على الكثيرين رغم بديهيته الآن ما هي نظرية الخنزير و ما علاقتها بالموضوع ؟

إستعرض الفنان محمد شومان في برنامجه التلفزيوني الشيّق على قناة الشرق ( شومان شو ) قصة قديمة تختصر هذا السرد عن سجين تذمر كثيراً لوضعه في زنزانة انفرادية فما كان من السجان إلا أن استبدل زنزانته بزنزانة أصغر عقاباً له على تذمره . إستمر السجين بالإحتجاج و التذمر و لم يكن مبعث تذمره هذه المرة السجن الإنفردادي بل حجم الزنزانة ، أي أنه رضي بالسجن لكن الزنزانة لم تعجبه . أضاف السجان عشرة سجناء آخرين لزنزانته ، إحتج السجين من جديد لكن لا على السجن الإنفرادي و لا على صغر الزنزانة بل على عدد السجناء الكبير قياساً بسعة الزنزانة ، فما كان من السجان إلا ان وضع خنزيراً في الزنزانة ينام و يأكل و يفرز قذاراته وسط السجناء ، هنا نسي السجين قضيته الأساسية وصار اعتراضه مقتصراً على الخنزير ولو أخرج السجان الخنزير من الزنزانة لرضي السجين وشكر سجانه على زنزانة بلا خنازير و إن اكتظت بالنزلاء .

أليس هذا ما يدعونا إليه هؤلاء بعد سبعين سنة من إحتلال فلسطين ؟ إعترضنا على الإحتلال و حاربناه و إن كان بسلاح فاسد ولم يجرؤ أحد أن يسانده أو يرضى بالقرارات الأممية المجحفة بشأنه حتى دعا الرئيس التونسي الأسبق لحبيب بورقيبة عام 1965 للإعتراف بحدود 1948 بذريعة ” خذ و طالب ” . عاقبتنا إسرائيل بعد عامين بعدوان حزيران فكحّلها الرئيس الراحل أنور السادات بزيارته للقدس ( لا تحدثوني عن حرب 73 ، أرادها المواطن والمقاتل العربي حرب تحرير شاملة فخذله الساسة ) و أبرم السادات إتفاقاً لم تحترمه إسرائيل كما لم تحترم أياً من الإتفاقات اللاحقة ناهيك عن السابقة . الآن يدعونا البعض للتوقف عن التفكير العاطفي و مد يد المصافحة لإسرائيل ، لماذا ؟ فقط لأن أمريكا و الدول الكبرى كلها تساند و تحترم إسرائيل فشعبها ( منتج ) للعالم ، ينتج العلماء ، أما نحن فلا ننتج غير الإرهابيين ، ولم يتحدثوا عن السياسة التوسعية لإسرائيل ولا عن الإستيطان المستمر في الأراضي الفلسطينية و لا عن دورها التخريبي في كل ما آلت إليه أوضاعنا منذ 48 و لحد الآن ، و لم يخبرونا عن حدود إسرائيل التي ترضاها هي لنفسها ، و كيف لهم أن يعرفوا حدود إسرائيل و هي نفسها لا تريد ان تقول لنا ماهي حدودها لنمد يد المصافحة لها – و ننسى ما قبلها على طريقة هذا السجين – بدليل أنها لم تعترف حتى الآن بكل قرارات الأمم المتحدة ، هذه الأمم التي ” تحترم ” إسرائيل لأن شعبها منتج !

ما هي حدودك يا إسرائيل لنعترف بها و كم خنزيراً ستزجين في زنزانتنا لنتوقف عن التذمر و كم من الأراضي ستستوطنين بها و كم من الحقوق علينا ان نتنازل عنها لنكون محترمين بنظرك و بنظر أمريكا ؟
لماذا يجب علينا أن نحترم كياناً غاصباً توسعياً لمجرد أن ماما أمريكا تحترمه ؟

لا تعليقات

اترك رد