الفن في مواجهة آتون الحرب !

 
الصدى نت - الفن في مواجهة اتون الحرب

اقيم موخراً بقاعة ( كوستار) للفنون التشكيلية بمدينة نيويورك معرضاً لاربعة فنانين هم صباح اربيلي و سعد علي وادوار شهادة و وسيم المرزوقي تحت عنوان ( طيف ). ويضم ثماني لوحات باحجام كبيرة بين التجريدية والتعبيرية.

نخطئ اذا اختزلنا وسط التشكيلي العالمي باسلوب واحد ، بل هناك نطاق غير محدود من التجارب والاساليب الفنية تتنافس في ما بينها للحصول على الدعم في عالم الفن اليوم، ويتميز الفن التجريدي بينها بأنه لا يزال يحظى باهمية خاصة،لان تجربة العمل الحداثي ـ التجريدي بانواعه ،تجعلنا ان نتقبل خيارالرسمي كشرط مسبق للحكم على نجاحها كونها النقيض من عناصر فريدة من الفنون البصرية التي تميل الى تناغم الالوان بين الشعر و الموسيقى والحس ، فالمتلقي الذي لايحسن قراءة لوحة تجريدية لن يحسن قراءة لوحة كلاسكية..فضلا عن أن العمل الفني يمكن ان يؤول بطرق متباينة ، كاستدلالات معرفية عن سمات بناء الابداعي لشخصية الفنان الذي يتحاورمع المتلقي حول مكونات عناصره البصرية.

الفنان صباح اربيلي ( مواليد١٩٥٤، اربيل ، كوردستان العراق ) قدم لوحتين احاديتي اللون الاحمرالرماني او القرمزي ( بدون عنوان ،٢٠١٥، اكريليك على القماش ) وفي هذه لوحته يتجرد الحرف العربي من محتواه ويبقى الشكل ملاصقا لاي حرف أخر دون ولوج
التفاصيل .. ويبقى الحرف مستقلا و منسجما بعفوية بين الوعي واللاشعور،لكننا لن نعثر على طبيعة الخطوط لغرض تصنيف نوعها ان كانت بخط الثلث او الديواني او النسخ ، فلون الخط الذي يعانق للحروف الاخرى المكدسة ويستدير بستدارتها الحركية مما يعطي ايقاعات منسابة على سطح اللوحة التي تثير عند المتفرج روح النقاء الروحي كجزء من طموح باستمرار حالة من الموسيقى . وقد نفذ هذه اللوحة على قماش ذات خلفية مائلة للبياض الذهبي بشفافية لإظهار الحركة على سطح اللوحة و كأنه مرمر يعلوهذا اللون القرمزي المخدش مضيفا الدفء الى خلفية سطح اللوحة المرمري ضمن تقنيات منفردة ذات معايير الجمالية.

الصدى الفن ضد الحربيمكن ان نطلق على الاعمال المعروضة للفنان اربيلي ” لوحة اللون الاحادي ” لانها تستند الى الخطوط التي تظهر في مقطع عرضي تارة وتصاعدي و تنازلي ، لتجعل المتلقي يرحل بعيدا و ببساطة ، في رحلة الى التأمل لحركة اللون او لطخات اللون الواحد التي توحي بالطلاء المجفف الذي يلوث السطح اللوحة مع آثار يد الاربيلي وكتابة الشعر غير مرئي كحقيقة مصنوعة يدويا..وان كانت بالازرق او اللون القرمزي بعيدا عن الزخارف التزيينية ..ولا نغفل الفضاء كمرجعية لسطح اللوحة المشبعة باللون الابيض المصفر ومع الخطوط الزرقاء العريضة المتعاقبة ليعزز هوية اللون الازرق في عمله الثاني ( بدون عنوان ٢، ، ٢٠١٥ ).

اما الفنان وسيم المرزوقي (مواليد ١٩٥٢، سوريا ) فيتحفنا بعملين متقاربين من ناحية بناء اللوحة وعناصرها البصرية : ( منصة١، مواد مختلفة على قماش ،٢٠١٥ ) و ( تعقيم، مواد مختلفة على القماش،٢٠١٥ )،حيث نجد رسومات جديدة مبهرة بهدوء بقلم الرصاص الغرافيت وحبر الاكريليك على القماش ، وكولاج لبينات وكتابات ، ورسم آلة الحرب كدبابة والمدفع وصهاريج النفط وخزائن الماء، كلها تلمس سطح اللوحة من قبل التكرار لايقاعات من الخطوط الخفيفة: دوائر ومكعبات ومستقيمات، وكائنات جامدة متداخلة تستقر على الرصيف او المنصه .والكل يقف جامداً لحالة هوس المكان و تستجير بظل الغيم في طبقات متقاطعة بطرق غير متوقعة، هندستها غامض و صارمة داخل الملمس سطح اللوحة دون استخدام لأجهزة الكمبيوتر بناء اللوحة ..وهو نموذج تركيبي في ساحة الحرب، فاللوحة عنده عالم خاص به لا قواعد بل تنفيذ لفكرة مبتكرة لبناء مكونات العمل لتعبير عن الموضوع في مخيلته.
الصدى نت الفن في مواجهة الحرب نيويورك

حاول ( المرزوقي ) ان يعبر عن حالات انسانية مأساوية ضمن الاستعارات باشكال تلقائية تشبة مدونة مرسومة للذاكرة وفقاً لجمالية الفن البصري ،ذلك لان الوجود كله ملك الفنان طالما كان يصوره بلغة الفن ، اي الحرية بشروط ترتبط بقوانين في الابداع الفني، وهوالشكل الجمالي المغاير الذي يمكنه تجاوز الواقع او رفضه ان كان مستمدا من موضوع واقعي..فهو يمارس الرسم بوعي، عن بيئة سيئة نتيجة ظاهرة الحروب والاحتلال ،يكشف لنا عن العجز المتنفذين في السلطة لأحتواء ازمة الانسان والبيئة. وتزداد قناعتنا بالعيب خلقي حين نتمعن بالاشياء المرسوم او صور كولاج لمسدس ومدرعة عبر طيات شبه معمارية هندسية تعانق الخطوط كمؤشرات على هدم النظام البيئي في ارض يتصاعد فيها الغبارخلف آلالات العسكرية في فوضى وتخريب من الافكار لتحويل سطح اللوحة الى بانورامية: آتون الحرب، معتمداً على التعبير عن عقلانية نحو اظهار الايهام الديناميكي في اللاشكلي الهندسىي.

نلمس عند المرزوقي ابتعادا او تجاهلا للأساليب السائدة في بناء اللوحة ، وهذا ما يشكل معنى ترتيب الاجزاء المرئية مع الاسلوب الذي يعكس فيه الفنان وعيا كخصوصية من حيث الادراك الحداثي، فاننا نتأمل الالوان الاشكال ثم نشعر بانفعال إذ تخطر باذهاننا فكرة، كقول التوحيدي :” ان ادراك الجمال ادراكاً كاملاً هو من الامور الصعبة وان الوهم تابع للحس ، والحس تابع للمزاج والمزاج تابع اثر من آثار الطبيعة “.

ولنتمعن الى لوحة الفنان ادوارد شهاده ( مواليد ١٩٥٢ ، دمشق ) ، معنونة ” موت ملاك، ٢٠١٣ ، الاكريليك على القماش ” ، حيث نشعر التعبيرية التي اكتسبت موضوعا ذا دلالة تخيلية من خلال الشكل والمادة والموضوع ، فنحس ببرودة الالوان كجزء من مضمون مشبع بحالات نفسية ، وندرك أن ملاكا مغطى باللون الاسود عكس البيض ،ومن حوله كائنات شبه خرافية تنتمي الى اساطير الشرقية ، نفذها الفنان ( أدوارد شهادة ) بطريقة متعمدة من اجل استغلال إمكانياته التعبيرية لكي تزيد جاذبية الحسية للعمل الفني.
من باب تحليل العمل، اعتمد الفنان ( شهاده ) في عمله الى تركيزه التشخيصي فالملاك يتوسط مركز اللوحة كانه يرتدي ملابس سوداء شفافة ،كما ويبدو احد اجنحته مكسور كرمز الحزن ، ومن حوله ست كائنات شبه خرافية ، غامضة ،مع ملامح وجه امرأة الوحيدة تظهر نصف شكلها، مما ينتج عنه سطح ألوان شبه متآكلة غير نقية كانها معمولة بالالوان المائية ،لاظهار الخطوط مع تدرج اللالوان.
الصدى نت - الفن في مواجهة اتون الحرب

ثم يتعمد الفنان على توزيع الطبقات اللونية في معظم اللوحة من الازرق الباهت و الاخضر الخفيف و البني مائل للاصفرار،ليعكس عن حالة ” الحزن ” الاحباط او كابوس ضاعت ملامح في حلم مزعج ،ولهذا يتقبل بعض المشاهدين ببساطة العمل كمجرد مزاج الحسي، برغم من ان كائناته تملك الإيماءات الخاصة كطقوس وكانها ترقص او تقفز عبر الفضاء فيه تناقض لا يهدأ من التسطيح.. الكائنات يغسلها الاكليريك،غالبا ما يكون الطلاء شفافا ورطبا . ومن ثم تلاعب بها باستخدام مجموعة من اساليب مختلفة كالفحم مغطى بالالوان الاكريليك لصالح حركة الخطوط غير مرئية ، وتوزيع ضربات اللون بشكل إنشائي وتحويل المساحة التصويرية الى تكوينات النهائية ، بعضها ملحوظ ، وبعضها لا.

تكسب اللوحة بحس عملي تذبذب ضوء اللون،وتعطي هذه الاشكال ايقاعات نغمية تذكرنا بالظلال والانعكاسات على ورق مبلل او مطر على زجاج النافذة ، وان يتجنب الفنان تقليد المنظور وافتراضاتها لتعطي نكهة مختلفة تماما لا تشبه الشخصيات اليونانية القديمة والمنحوتات الافريقية او اللاتينية ، في حين ان ضربات تتراكم في داخل تلك العناصر التي تثير في اللوحة الإحساس بالحركة كامنة في النمط البصري للكائنات ذاتها ، وبالتالي تخضع لتحول عنصر اللون من جمالية تعبيرية ورمزية الى ما هو ذو دلالات ابداعية باعتباراللوحة وسيلة رئيسية لنقل المعنى الثقافي .

يثير العمل الفنان سعد علي ( مواليد ١٩٥٢،العراق )، ايضا الاسئلة عن معان تاريخية مخبأة تحت جوانب من الشخصيات ،عن الإلفة والمحبة بين المرأة والرجل،عن حب لم يكتمل ولكن يولد بشكل آخر، لم يكن من السهل جدا أن تجد الكثير من النساء عاريات لرسم، في عالم الفنان علي ، بعضهن ولدت عارية لكي تضم حول صدرها وردة الاحمر.

يجد المتلقي ـ المشاهد المتذوق للفن الصورة ـ تعاطفا مع تعبير عن انفعال يشعر به الفنان مع الموضوع ( بهجة القلوب ١٤، مواد مختلفةحبر الاسود والغواش، الالوان المائية ،٢٠١٤ ) او ( بهجة القلوب ١١، مواد مختلفة ، ٢٠١٥ ) ..عيون المرأة ناعسة،وجهها مظلل، يظهر الانف، والشفتان بارزة ،شعرها يتسم بالانسيابية، وتتالق تلك المرأة بحركة اصابعها اكثر إثارة للاهتمام من كل ماهو يتقاطع من أسلوب الفنان. وفي حالة اللوحة الثانية يستخدم سعد علي احاسيسه من خط والايماءات سواء تصف معالمه بتدفق المشاعر التعبيرية او تنافر المتلقي ،لتؤدي قوة إتقان رائع يظهر في استخدام الحبر الصيني او الهندي في وضع التعبيرية الحديثة.

الصدى نت الفن في مواجة الحرب

وهو يصور هيئات حيوانية مع رؤوس مجهولة الهوية التي تحجب في بعض الاحيان في بركة من الحبر الاسود او المائية والغواش او رشت باللون البني ، لتصف انسيابية الخطوط كعضلات من الجذع الحيوان حيث يصبح منحنى انيقا من العمود الفقري، كما تحتوي على عدد قليل من الشخصيات النسائية ، كأن الجسم يعرف حالة الرغبة والتجدد كتعبير عن الفرح الصادق في الحركة ان كان التسامح او الغضب العدواني، كونه في صراع مستمر مع علامات المجردة التي تواصل او تعرقل العنف والشفقة.
الا ان الفنان ” سعد علي ” قد حقق هروبه من مصير الصراع الوجودي الذي لا مفر منه لينقل لحظات العاطفية الحميمية..صحيح ان لديه التقليد والبساطة والتكرار المباشر تصبح جزءا من المضمون، الا انه يعرف ان الفرشاة لا يمكنها ممارسة الكذب، اذا لديه فلسفة في حركة تجسد المضمون من دون غريزة تلقائية في خطوط الحبر الاسود وانما دليل عاطفة و رفضه للتضحية بجوهر الشعور، عاكسا حقيقة التجربة المعاشة.

لا تعليقات

اترك رد