أنشودة الحياة – الجُّزء الرابع (نصّ مفتوح) – 67


 
(لوحة للفنان صبري يوسف)

67

إهداء: إلى الشّعراء جان دمّو، سركون بولص، الأب يوسف سعيد، مؤيِّد الرَّاوي، صلاح فائق، وفاضل العزاوي!

يحذِّرونَهُ أنِ لا يشتمَ أحداً منهم
أن يكونَ هادئاً طبيعيَّاً

يُجحظُ عينيهِ
مشترطاً عليهم
بعنجهيةٍ غارقة في التَّسكُّعِ
كأساً من النَّبيذِ المسكَّرِ أولاً
يريدُ أنْ يُخْرجَ أحزانَ العراقِ
مِنْ هذا القفصِ العُلويّ
واضعاً سبابته على صدغِهِ
الطَّافحِ بأوجاعِ النَّخيلِ

آهٍ .. إنّه زمنُ الإنزلاقِ
إنزلاقُ أسوارِ الحضارةِ
نحوَ أبراجِ الجنِّ
نحوَ تخومِ الهلاكِ!
يختفي جان طوالَ النَّهارِ
هارباً من الخدمةِ الإلزاميّةِ
ساخراً من فكرةِ الجَّيشِ
من فكرةِ الحروبِ
من فرقعاتِ الشُّعراءِ
يقهقهُ ملءَ فمِهِ
عندما يسألُه أحدهم عن شاعرٍ
تتعالى قهقهاته
ساخراً من شعراءٍ
يحلمون بعطاءاتِ الصُّحفِ الصَّفراءِ
بِكمشاتِ الزَّبيبِ

جان دمّو بين أيدي العسكرِ
يُقتَادُ إلى الخدمةِ
عابراً دونَ وجلٍ دهاليزَ السِّجنِ
في ليلةٍ قمراء
يسكرُ من عبثِ الحياةِ
من تورُّمِ أحشاءِ الوطنِ
يهمسُ بعبثيّتهِ الجَّامحةِ في جوفِ التَّمرّدِ
منادياً حارسَ الزِّنزانةِ ..
“هل لنا أن نستنشقَ رائحةَ البحرِ
وفي اللَّيلِ نسامرُ نجومَ السَّماءِ ؟!”.
ذُهِلَ الحارسُ ..
أحلامٌ منشطرة
من شقوقِ الزَّنازينِ
وجعٌ هائجٌ كأمواجِ الغاباتِ

بعبثيّةٍ ساخرة
إلى حدِّ الإندهاشِ
قلَّبَ جان دمُّو صفحاتِ الحربِ ..
لملمَ شظاياها ثَّم رماها
في برازخ البحرِ
بعيداً عن حبورِ الشِّعرِ
راغباً أنْ يرسمَ لنفسِهِ
جداراً من الصَّمتِ
وِهاداً شامخة
من ابتهالاتِ القصائد

احتاروا في عوالمِهِ
فنقلوه من أعماقِ الخنادقِ
أسندوا إليه آرشيفَ صحيفة البلادِ
الحربُ تغلي ..
قائمة فوقاني تحتاني
معَ جبهاتِ الفرسِ وأورامِ القلبِ
هواجسٌ تمورُ في مساماتِ الرُّوحِ
رأسه مرصرصٌ بلهيبِ الصَّولجانِ

يسألُه مديرُ التَّحريرِ عن صُوَرِ الحربِ
يغيبُ هنيهةً بينَ آرشيفِ الحربِ
يعودُ متسائلاً بشطحةٍ اندهاشيّة
صُوَرُ أيَّة حربٍ تريدُ ؟!

هل ذُهِلَ مديرُ التَّحريرِ
من تفاقمِ سماكةِ الزَّنازينِ
فوقَ أقداحِ الكونياكِ
أم أنَّهُ تاهَ هو الآخر
في بؤرةِ شطحاتِ أبو الأسمالِ ؟

ذاتٌ متشظِّية
هاربة من لعلعاتِ الحروبِ
عابثة في وجهِ الرِّماحِ
وجهٌ طافحٌ بالتَّمرُّدِ
على سلطةِ الأبواطِ
لا تروقُ له نجومَ الأكتافِ
ولا لعلعاتِ الدبّاباتِ
ولا انقضاضَ المدافعِ
ولا هجومَ الطَّائراتِ
مَنْ يقتلُ مَنْ ؟

جنونٌ هبوبُ الحروبِ
انحطاطٌ على أرضِ الحضاراتِ
بشرٌ يقتلون بشراً
كأنَّهم في رحلةٍ يبيدون أسرابَ الجَّرادِ

يا حمقى هذا الزَّمان
تغلغلَتِ الجشاعةُ إلى مخِّ العظامِ
لا تشبعونَ إلَّا من حفناتِ التُّرابِ
لاذ دمُّو بجلدِهِ بعيداً
نظَّف ذاكرته من شظايا الأهوالِ
تلقّى من أختٍ في أوجِ عوزِهِ
حفنةً قليلةً من المالِ
أرسلَتْهُ من خلفِ البحارِ
ينظرُ بابتسامةٍ ساخرةٍ
إلى حفنتهِ القليلة
يتذكّرُ شاعراً مقصوصَ ا لجِّناحينِ
يغدقُ عليه بكلِّ كرمٍ قميصاً
من لونِ البحرِ
ويشتري بما تبقّى ليتراً من الكونياكِ

…. .. …. … …..!

لا تعليقات

اترك رد