بين عفاف المعنى والصّخب التجنيـــــسي في نص مقامات بغدادية للشاعر حميد سعيـــــــد


 

بين عفاف المعنى والصّخب التجنيـــــسي
في نص مقامات بغدادية للشاعر حميد سعيـــــــد

عادة ما نقف أمام نماذج نصّيّة يصعب الحسم في انتمائها وحسبنا أن نعتبرها محاولات في خلق وإحداث “نص مشكل” بقدر ما يثير التساؤل يُطرب وتنتشي بهالذات باعتباره حصيلة ارتقاء بالشكل الأدبي شعرا أو نثرا وأحيانا يلتبس الشعر بالنثر ، وهذا يدرج ضمن عملية التّجريب والمحاولات الجادة في تطوير الآليات الفنّيّة وتجاوز قواعد الكتابة السّائدة فيخلق من الجنس أجناسا ومن الشّكل أشكالا . وهذا ما يجعلنا نتجاوز الحديث عن شكل أدبي أو جنس إلى الحديث عن نص هو سلاح في وجه براعات القول ومكر الكلام ، سلاح مسلول على الزمان والنسيان كما ذهب إلى ذلك “رولان بارت” هنا يستوقفنا نص الشاعر العراقي حميد سعيد نص باذخ .. فسيح الأرجاء يترامى في آفاق إبداعية يخالف المألوف ويرقى عن الموجود فيزجنا في دوامة التساؤل هل هو شعر نثري أم نثر شعري أم مجرّد مفارقة بين ما يوحي وما يوهم به الظّاهر النّثري ؟ قد تُطرح من هذا المنطلق مسألة الشّعريّة بهذا التقابل مع النّثري الذي يختصّ به السّياق وأوّل مظاهر ذلك ما جاء في العنوان ” مقامات بغداديّه ” الذي ورد بهذا هل يكون قد استدعى مقامات الهمذاني واستعارها ..لكنه اجتثها من سياقها القديم وأقحمها في سياق آخر جديد لكن الاختلاف بيّن ، فإذا كان الهمذاني قد أغدق بالهزل والإضحاك على مقاماته فإن شاعرنا حميد سعيد قد جعلها مرثية للوطن المهزوم .وقد ورد عنوان بديع الزّمان الهمذاني مركبا نعتيّا كل من النّعت والمنعوت مفردة معرفة ” المقامة البغداديّة ” لكن يورده شاعرنا في صيغة جمع نكرة ” مقامات بغداديّه” ليسربله بالتفجع والألم،لعلّها مجرد مخاتلة نصّيّة في إيراد العنوان أو تورية ذكر فيها المعنى القريب وأراد الآخر البعيد .ف”مقامات بغداديّه” قد تحيل على معنى آخر مخالف تماما بما يدلّ عليه لفظ ” مقامات ” من معان تجعلنا نعيد النظر في حقيقة مدلول العنوان وعلاقته بالمتن . فالمقامات قد تدلّلعلى ذلك التركيب الشّكلي الذي يميّز فن الموسيقى ولكنّها تعلن بتفرد بغداد بهذه المقامات دونا عن غيرها واعتبارها من خصوصيّاتها وهو جوهر الدلالة في التركيب النّعتي الذي ينحو منحى التّخصيص . وهاهنا يُطرَح إشكالٌ آخر أيّ موسيقى هذه التي تتفرّد بها بغداد وتختصّ ؟ هل يمكن أن تكون موسيقى الوجع والتّفجع الحزينة كحشرجة الموت التي أوجدها الهذيان المكبوت من حنجرة منشد :
هذا الهذيان..
أنزل في حنجرة المنشد..حشرجة سوداء
والقنّاص الأمريكي القادم من غاب أكاذيب
سود ..يغتال الماء
المنشد..يبحث في كل مكان عن فرط الرّمان
يلتبس الأمر أمامنا بين الشكل الذي قد يقودنا إلى جنس المقامة أو المضمون الغنائيالذي ينبجس من أعطافه مضمونا آخر في النص وحسبنا في هذا الإطار أن نقول أن الشاعر يمارس لعبته على القارئ فأينما يوجّه نظره يكسّر أفق التّوقّع لديه.
بهذا فنحن أمام نص يتأرجح بين السردي والغنائي. يضعنا على مسافة من فوضى تجنيسية يتواشج فيها الغنائي والملحمي والدرامي ، يقوم على استراتيجية مخصوصة اختارها وحققت تفرده فيتوّهنا ويبث الروع فينا في نظام أشبه بالمتاهة أو البناء العنقودي يقوم على ديناميكية داخلية وحركة أفعوانية تتجاوز الخطاب إلى ذات الشاعر حين يستكنه أغوارها..فالنص إطاره لوحةٌ تفكيرا وتدبيرا لتكون منطلقا للفعل الشعري تنطوي على مشاهد كلها صراع وسفر ورحيل وكأنها قيثارة شاردة تعزف لحنا هزيما كالرعود يحاول أن يقتنصه من طلل وانقضاء هو ضرب من المحاكاة التي تتصل بأحاسيس الشاعر التي بدت أشبه بحلم في كون قشيب يتجاوز مقاييس العقل ، و معنى وليد تمرد وحلم يقظ وقلق فاعل واغتراف من مخزون لامحدود وهتك شغاف الداخل بالخارج ..إنها جمالية المعنى المتهندم لحظة الخلق الذي يكثف قنوات التواصل ويشحنها بالمشاعر والأحاسيس ..وطاقة إبداعية يتلمضها لحظة مخاض لتشكل ملحمة وطن يرقص على إعصار دجلة وبقايا امرأة كالغيمة تمطر وحقل حناء ورمان:
وبشهقة أوشار
يسأل عن بيّاع الورد ..عن الورد..ويسأل
عن فرط الرّمّان
أين هي الآن ..
كانت تُقبل من نجد أنوثتها .. فيشم عرار صباها
هي صورة الجذور تُقتلع من أديمها وتغتال الحرية .. ذكريات من الماضي تصدح بهاذاكرته وتطرح مخزونها من أعماقه وماضيه ، تشكلها أغنية من التراث العراقي مرة واللوحة مرات :
أين هي الآن ؟
الأبواب مسمّرة .. وزقاق كان يراه طريًا
كبساتين ديالي ..
ما عاد هناك ..
ماتت سيدة النُّزل .. وضاعت فرط الرمّان
أين هي الآن ؟
تتحول اللّوحة من مستوى التبئير والفضاء التشكيلي إلى فضاء سينوغرافي متحرك ذي ديناميكية ملحمية تختزل صورة دامية من الاغتيالات والموت ..إنه اغتيال الماء بماهو العنصر الحيوي أو لعلها صورة رمزية لاغتيال دجلة والفرات رمز التّجذّر والجذور والأصل والعروبة و اغتيال التاريخ والهوية .. هاهنا يراوغنا شاعرنا وهو يتحدث عن اللوحة .. يذكرنا بأهم مراحل البناء الدرامي كما حدده فريتاغ ..عرض وفعل متنام حين بدأ الرسم ثم تبدأ الأزمة والذروة في اصطراع الألوان وارتباك المشهد لتؤول إلى نهاية تراجيدية حين فني كل شيء ولم يبق على اللوحة إلا ضجيج الألوان .. هو الصراع والموت … كله يلتقي في عرس الدم ، غاب الرسام وارتبك المشهد ..إنه التناص بين الشعري والدرامي المسرحي والسينمائي ..ليتشكل النص الذي ينزف حروفا وعلامات وما للمعنى من عفاف بهذا الصخب التجنيسي ..لعلنا نعرض إلى إيقاع النص ..وطاقة الإيقاع عالية فيه تتجاوز التجنيس المعجمي والبلاغي والتوقيع العروضي إلى الاستئناس بمعمار شكلي هو أداة لفتح أفق التغيير المشحون بنبرة إنشائية ..يعاضدها إيقاع بصري تتكثف فيه لحظات الصمت أمام دفقات شعورية حين البوح وإخراج طاقة من الكلام ..هي لحظات صمت ولكنها صخب ذات تتدفق مشاعرها وتنساب رؤاها وهذه الذات هي نفسها صورة الرسام الموزعة بين الحضور والغياب ،حضور تكتسبه عبر مسام الذاكرة ..وغياب عبر فجائعية الفقد وصراع الألوان ..إنّه الوجع في زمن عربد فيه الوجع ..زمن لا خلاص فيه ، حاضرُه الانطفاء وعمى الألوان .. وليس الرسام إلا ذلك القدر الذي يتحكم في الوانه ينثرها على قماشته الخرساء فيتلطخ الواقع باصطراعه .

مقامـــــــات بغداديــــه
حميد سعيد

يقف الرسامُ أمام ُمربّع لوحته..
يدفعُ عنها الأبيضَ ..بخطوط متشابكة وبألوان متداخلةٍ..
ويُشكِّل منها .. ما يتخيله فردوسَ طفولته
. . . . . . .
. . . . . . .
وقفَ الرسام أمام ُمربع لوحته ..
كان الأبيضُ يمتد بعيدا في العتمة .. والريشة ُ تفتح بابَ الأسراْر
لكن في أعماق اللوحة ..نُذ ُرٌ بالإعصارْ
تلك مدينتُهُ ..
هذا النهرُ وذاك الجسُر وهذي الأشجارْ
ذلك بيتُ حبيبته..
وهنا ..كانا يقترحان على القمر الأخضر .. أن ينزل ضيفاً
حيث الليل البغداديّ .. يطولُ .. يطولُ .. يطولُ ..
ولا تغفو الأوتار
وعباس جميل* .. يقيم طقوسَ الشجن الأبيض .. بمقام اللامي*
لا يفتأ يبحث عمّن رحلوا ..
يسأل عمّن غاب من الأهل .. عن الدارْ
أين هي الدارُ وأين حبيبتُه؟! يسأل عنها ..
ويقول لهــا ..
يا نبعةَََ َ ريحان
حنّي فأنا ولهان
يا نبعة ريحان ..
. . . . . . .
. . . . . . .
بمقام بياتٍ* .. يختتم السهرة َ..
أن شواطئ دجلة في الفجر .. تضيُء الروحَ وتبعدُ عنها الأحزان
وبشهٌقِةِ أوشار .*.
يسأل عن بيّاع الورد .. عن الورد .. ويسأل عن فرط الرمّان
أين هي الآن ..
كانت ُتقبل من نَجد أنوثتها .. فيشمّ عرار صباها
امرأة كالغيمة .. تمطر ..
ذاكَ السحرُ ..
َصبا نَجدٍ يتفيّـأ ُ عطرَ جدائلها ..
َتفرشها .. للحلم الآتي من حقل الحنّاءْ
أين هي الآن؟!
الأبوابُ مسمّرةٌ .. وزُقاقٌ كان يراه طرياً كبساتين ديالى ..*
ما عاد هناك ..
ماتت سيدةُ النُّزل .. وضاعت فرط الرمّان
أين هي الآن؟!
أهي هناك على شطِّ الحلة *.. فوق النخلِ..
تلوح كإيقاعٍ جذلٍ في لحن حٌجاز*
فوق النخل ..
أرى برقَ خلاخيل .. أم ضوءَ خدود؟!
. . .
وقف الرسامُ أمام مُربّع لوحته ..
ترتبك الألوان ..
تتخطّفها أحزان مقام بياتٍ .. كان
لا أحدٌ يسهر في قهوة عزّاوي* .. لا قهوة عزّاوي ..
سلمان .. قضى برصاصة قنّاص أمريكي وقحٍ ..
بين العاقولية والميدان *
رمادٌ يغتصب الألوان
يحتل اللوحة ..
ما كان على اللوحة .. من شجر أو حجرٍ أو إنسان
هذا الهذيان ..
أنزل في حنجرة المنشد .. حشرجة سوداء
والقناص الأمريكي القادم من غاب أكاذيب سود .. يغتال الماءْ
المنشد .. يبحث في كل مكان عن فرط الرمّان
روّعها د مُ صيّاد السمك البغدادي الحبّاب
هذا الشاهد في غاب الليل .. على ما كان
من سيصيد لها سمكاً “بُنّياً” *..
من يدفع عـن أحلام صباها زحف الجعلان؟!
. . .
في اللوحة .. لغةٌ لا عهد لفرط الرمّان بها ..
مفردة ٌ من زمن صار بعيداً
مفردة من زمن لم يأت بعد
وثالثة ٌ وٌجِدت في ناووس مقرور
وأخرى في قاموس مهجور
حروفٌ وعلاماتٌ جيء بها من أوراق محترقهْ
وإشاراتٍ نزقهْ
أصواتٌ لاعهد لفرط الرمّان بها .. لغةٌ دبقهْ
القوالــونْ ..
يغتصبون عفاف المعنى
والطبالون .. ُيذ لون شموخ الحزن الطالع من لحن الرّست *
يا خلقُ .. أفيكم من شاف حبيبي .. يا ناس .. أفيكم من يعرفهُ ..
يا أنتم .. يا من سألوا عن أوصاف حبيبي ..
إن حبيبي .. غِرٌّ وقليلُ وفاء
. . . . . . .
. . . . . . .
في عرس الدم .. كل دمٍ يعلن عن محنته ..
كلُّ دمٍ .. يخرج من عزلته ..
ويطوف على الناس .. يدقّ الأبواب .. يقول ..
أفيكم من يفتح لي باباً يُدخلني في أسرار الإعصار
تتسقّط فرط الرمّان الأخبار
وتجمع أطراف حكايتها .. مذ أعطاها الماءُ .. خِصالَ الماء ..
وأنزلها منزلة َالنار
وهي على قلق .. بين مدائن عونٍ ومدائن فرعون
في عسر الغيبوبة أو في يُسر الغيبة .. تبدأ في البحث عن الغائب ..
في صخب كان ..
أحلامٌ فاسدةٌ تجتاح لياليها ..
تملأ أرجاء رقادٍ هشّ .. أحناشٌ وعناكبُ
كلٌّ منها .. يقضم ما يقدر أن يقضم من صاحبه ..
هذا ما جاء به ركب غـراب البين .. إلى أمّ غـراب البينْ
فترددُ ..
يا أم حسيــــــن
ذهبتِ بواحدة ورجعت بإثنين *

. . .
غاب الرسامُ عن المشهد .. وارتبك المشهدُ .. لم يبق على اللوحة ..
غير ضجيج الألوان ..
وغابت عنها الألوان
فرّ من الحقل البيبون وشاخ الريحان ..
ما كان بلاداً أصبح في اللوحة ظلاً .. مزّقه الأ قنان
تتعثر دجلة ُ في الليل .. كشيخ هرمٍ .. أوقفها الجندي الأمريكي على الحاجزِ ..
ماذا سيقول لها هذا الغِرُّ القادم من وهم .. لا تاريخ له ..
من كذ بٍ عطنٍ .. من لغة خرقاءْ
بين الجندي الغِرّ ودجلة .. أزمنة ومشاهدُ
أسفارٌ وقصائدُ ..
ماذا سيقول لها؟!
ماذا سيقول؟!
ها هي من إيلاف مروءتها .. تنساب إلى حيث الحنظل ..
لا هذا البرغوث ..
ولا سيدُه البرغوث الأكبر .. يقدر أن يدخل في طيات عباءتها ..
تنشرها في الريح .. فتخفق في الروح .. وتصفع أوهام الجندي الغرَّ . .
كما يضرب طيرٌ ليليٌّ بجناحين فضاء الليل
وكما تنطلق الخيلْ
تطلق ما اختزنت في صفحات لم تُكتب بعد
عما سترى في ما قبل الماضي .. أو في ما بعد المستقبل ..
ضوضاءُ مخيلةٍ بيضاءْ
اغتسلت برياح ستشاركها الشعرَ .. كما ستشاركها السحرَ
تُعيد إليها كُنيتها .. وتعيد إليها صفو الماءْ
خطأٌ ما كان
لماذا تتحمل دجلةُ كلَّ الأخطاء؟!
ولماذا جيء إليها بخطايا من كل مكان؟!
ولماذا يستقوون على ورد حدائقها .. بالسِِّْفلة والأشباه؟!
يستقوون عليها بحراب جنودٍ غرباءْ
ولماذا؟!
ولماذا؟!
كنت أظن .. بأن البلبل شاخ تخلىّ عن جارته النخلةِ ..
ساورني شكٌ .. في أن النجمة تخرج من أسر الليل ..
. .
يقف الرسام أمام مربّع لوحته ..
فيرى ألوان اللوحة في غير مواضعها ..
ثم يرى بغداد .. وقد ذهلت عما كان بها ..
تدخل منزلةً ما كانت تقربها ..
حيث رماد مقاماتٍ .. وغبار أغانٍ

لا تعليقات

اترك رد